الفصل 457 - الإمبراطورية الشرقية المكرمة تنهار بسرعة
رواية سادة الشتاء ابدأ بالاستخبارات اليومية - الفصل 457 - الإمبراطورية الشرقية المكرمة تنهار بسرعة
الفصل 457: الإمبراطورية الشرقية المكرمة تنهار بسرعة
كان الهواء داخل الكاتدرائية الكبرى ممتلئًا بطبقة من الدخان الأبيض
كان ذلك بخور لعاب التنين الذي لا يقدّر بثمن
وُضع مبخر تلو الآخر، وأُلقي البخور في أحواض النار دون أي اكتراث بالكلفة
كان الدخان الأبيض المتصاعد يلتف تحت القبة، محاولًا بطريقة تكاد تكون قسرية أن يصنع جوًا مهيبًا مكرمًا لا يجوز تدنيسه
ركع سيلدون في المقدمة تمامًا أمام النعش الاحتفالي، وكانت ملابس حداده السوداء مفصلة بإتقان
كان محور أنظار الجميع، والوريث الطبيعي للدوق
وأمام النعش الاحتفالي ركعت مساحة واسعة من الشاش الأسود
آمن الدوق كالفين طوال حياته بفلسفة الانتصار بالكثرة، وترك خلفه ما يقارب ثلاثين طفلًا
وفي هذه اللحظة، اصطف هؤلاء الأبناء والأحفاد الشرعيون المطيعون بحسب أعمارهم، فصنعوا مشهدًا كبيرًا حمل في داخله سخرية مثيرة للشفقة
ارتفعت نوبات البكاء والحزن وانخفضت، بعضها صادق وبعضها متصنع
اجتاحت نظرة سيلدون وجوههم، وسرعان ما نفد صبره
أدار رأسه قليلًا وسأل كبير الخدم العجوز بجانبه بصوت منخفض، "تلك التي تبكي حتى الإغماء، من تكون؟"
تبع كبير الخدم نظرته، ثم توقف وقد ارتسمت على وجهه ملامح دقيقة، وأجاب، "يا سيدي، تلك الآنسة الصغيرة الرابعة عشرة"
"الرابعة عشرة؟" ارتفع حاجبا سيلدون قليلًا، "أذكر أنها لم تبلغ الثانية عشرة بعد، أليس كذلك؟"
"نعم" خفض كبير الخدم صوته أكثر، "هي في الحقيقة… لم تر الدوق العجوز كثيرًا، وربما أخافها حجم هذا الحدث"
سحب سيلدون نظره، وارتجف طرف فمه ارتجافة لا تكاد ترى
خائفة حتى البكاء، سخر في داخله
طفلة بالكاد تعرف من يكون والدها، والآن عليها أن تركع هنا بانتظار تقسيم الإرث
مجموعة من الخنازير، وأنا وحدي الوريث الوحيد
بدأت تراتيل الرثاء تخفت تدريجيًا
وقف سيلدون ومشى ببطء نحو المنبر في وسط الكاتدرائية
لقد انتظر هذه اللحظة وقتًا أطول مما ينبغي
كانت خطواته هادئة وثابتة، بل إنه تعمد حتى أن يرخّي كتفيه قليلًا للحظة، كأن الحزن قد أثقل ظهره حتى كاد ينحني
ثم في الخطوة التالية، اعتدل من جديد، هيئة مثالية لشخص أُجبر على تحمّل المسؤولية وسط الحزن، وكل شيء كان في موضعه تمامًا
توقف ورفع رأسه يتفقد ما حوله
التقت عليه نظرات لا تحصى: ترقب، تمحيص، حسابات، رهبة
كان النبلاء، ومسؤولو رجال الدين، والضباط العسكريون، وممثلو نقابات التجار، وكل من له وزن حقيقي في المقاطعة الجنوبية الشرقية، حاضرين هنا
بدأ سيلدون يتكلم، وكان صوته عميقًا ومكبوتًا، "كان أبي أسدًا شرسًا عاش على هذه الأرض طوال حياته"
استدار قليلًا ووضع يده على التابوت البارد، ثم توقف ثلاث ثوانٍ كاملة، وهي المدة المثلى التي اقترحها عليه مسؤول المراسم
"لقد علّمنا الوفاء، وعلّمنا المسؤولية، لكنه ينتمي إلى عصر قديم" ثم استدار من جديد ليواجه الجميع
"رحل الأسد الشرس، لكن الشتاء لم يهبط
بل على العكس، فإن النور المكرم سيضيء الجنوب الشرقي"
توقف قليلًا
"أنا، سيلدون كالفين" رفع يده اليمنى، وتحت ضوء المصابيح عكس خاتم الختم في إبهامه لمعانًا مبهرًا
"أقسم هنا بدم العائلة أنني سأتولى هذا التاج الثقيل، وهذا ليس مجرد انتقال للسلطة
بل هو نقطة البداية لكي تصنع عائلة كالفين تحالفًا مكرمًا مع الكرسي المكرم الأعلى!"
كان يشعر بوضوح بملمس ذلك الخاتم
كان خاتم رب الأسرة الحقيقي مصنوعًا من فضة أعماق البحر، أما الذي يحيط بإبهامه الآن فلم يكن سوى تقليد مطلي بالذهب أُنجز على عجل خلال ليلة واحدة، وكان ملمسه كشيء بارد ميت
"العجوز اللعين…" اندفعت ومضة ضيق من أعماق قلب سيلدون، "كان لا بد أن يزعجني مرة أخيرة قبل موته، أين أخفى الخاتم؟"
اجتاحت نظرته مقاعد الضيوف الرئيسيين بمهارة شديدة
لكن نظرة سالومون لم تقع على يده أصلًا، فقد كانت عيناه الرماديتان تتجاوزان الحشود، وكأنهما مثبتتان على شيء بعيد جدًا
انفك التوتر في قلب سيلدون على الفور، وحلّت محله لمحة سخرية، "ما دام بيت المال في يدي، وما دامت تلك الملايين من العملات الذهبية باقية، فأنا الحقيقي"
حتى لو كان الخاتم مزيفًا، فما المشكلة؟ ما دامت السلطة حقيقية فهذا يكفي
شد ظهره من جديد، وفي مواجهة التصفيق المدوي أظهر على وجهه حزنًا وعزمًا محسوبين بدقة
بعد انتهاء الجنازة، لم تكن الغيوم السوداء خارج الكاتدرائية الكبرى قد تفرقت بعد، لكن قصر الدوق كان قد أضاء بالكامل بالفعل
أقيمت المأدبة في أفخم قاعة رئيسية
تدلّت الثريات الكريستالية في طبقات، وامتزجت الشمعدانات مع كرات الضوء الخيميائية، فأضاءت القاعة كلها كما لو كان الوقت نهارًا
امتدت الأطباق الفضية والأواني الذهبية على طول المائدة، وكان النبيذ الأحمر يدور برفق في الكؤوس ذات السيقان، عاكسًا بريقًا دافئًا
جلس سيلدون في المقعد الرئيسي، ممسكًا بكأس نبيذ، وعلى شفتيه ابتسامة متحفظة تمامًا، وهو يشاهد موجة بعد موجة من نبلاء الجنوب الشرقي ينحنون لتحيته ويرفعون الأنخاب له
"نخب الوصي الجديد"
"نخب مجد عائلة كالفين"
"نخب مستقبل الكرسي المكرم والجنوب الشرقي"
ارتفعت الأنخاب واحدة تلو الأخرى، كأنها أمواج هادئة ترفعه طبقة بعد طبقة إلى قمة السلطة
كان سيلدون يرد على كل واحد منهم، والابتسامة على شفتيه، وكان يتلذذ بهذه اللحظة
لقد مات والده، وكان الإمبراطور خاضعًا لسيطرة النبلاء والكرسي المكرم مثل طائر داخل قفص
وكان الكرسي المكرم يحتاج إليه، يحتاج إليه بوصفه الوكيل الدنيوي الذي يعرف كيف يُسكت النبلاء ويجعل عامة الناس يطيعون
"أنا لست دمية وُضعت في هذا الموضع" خلص سيلدون في هدوء داخل عقله، "أنا الوحيد القادر على حفظ التوازن، وأنا من يمسك بالخيوط"
كانت المأدبة في أوجها
عزف الموسيقيون ألحانًا خفيفة لكنها فارغة، وتحادثت النبيلات بصوت منخفض، وامتزج في الهواء عبير النبيذ واللحم المشوي والتوابل
في تلك اللحظة بالذات، اقترب منه نقيب فرسان الفوج وانحنى بعمق، وكان صوته خافتًا للغاية
"يا سيدي… جلالة الملك لامبارد…" توقف لحظة، كأنه يزن كلماته أو ربما يخشى إكمالها، "…مفقود"
اهتز كأس النبيذ بعنف في يد سيلدون، واضطرب نَفَسه للحظة قبل أن يقمعه بالقوة
"مفقود؟" خفض سيلدون صوته، وكانت الكلمات تكاد تُعصر من بين أسنانه، "ما معنى هذا؟ ميت أم مسجون؟"
ابتلع نقيب الفرسان ريقه بصعوبة، "لقد أغلق القصر الخبر، والرواية الرسمية تقول إنه تلقى هداية من النور المكرم ودخل فترة خلوة صامتة للصلاة
لكن مخبرنا يقول إنه مر نصف شهر، ولم ير أحد جلالته"
استمر الضجيج داخل قاعة المأدبة، فمن الواضح أن النبلاء لم يسمعوا هذا التقرير الهامس، وما زالوا غارقين في نشوة الخمر وانتقال السلطة
لكن عالم سيلدون كله أصبح صامتًا
ارتفعت نظرته ببطء، متجاوزة المائدة الطويلة والضوء الراقص للشموع، حتى استقرت على المقاعد المخصصة لكبار الضيوف عن يمينه
كان رئيس الأساقفة سالومون يقطع شريحة اللحم بأناقة، وحركاته هادئة، كأن شيئًا من هذا لا يعنيه
"هداية من النور المكرم؟" تسارعت أفكار سيلدون، "لا أحد غير الكرسي المكرم يمكنه اختراع هذا الهراء، لقد مات أبي للتو ثم يختفي الإمبراطور؟"
"إنهم ينظفون الرقعة، يزيلون كل قطعة لا يمكنهم السيطرة عليها واحدة تلو الأخرى من رقعة الشطرنج"
قبل دقائق فقط، كان يظن نفسه حليفًا لهم
كان هو نقطة الارتكاز الدنيوية التي يحتاج إليها الكرسي المكرم لموازنة سلطة الإمبراطورية
وأدرك سيلدون فجأة حقيقة جعلت بردًا حادًا يسري في عموده الفقري
“إذا كان بإمكانهم محو الإمبراطور نفسه، فماذا أكون أنا؟ وصي ما زال يحتاج إليهم من أجل تتويج علني، وفي نظرهم، ألسنا أقل من كلب؟”
تسلل خوف غير مسبوق صاعدًا على طول ظهره كتيار جليدي
وحين تزول الشفاه تشعر الأسنان بالبرد، لقد ذاق ثقل هذه الكلمات الأربع
وكأن سالومون أحس بنظرته، فوضع السكين والشوكة، ورفع رأسه عبر المائدة الطويلة، وتبادل نظرة مع سيلدون
في تلك اللحظة، بدا الزمن وكأنه يتمدد
ثم إن سالومون اكتفى برفع كأسه، وقدم تحية بعيدة إلى سيلدون
وانحنى على شفتيه ابتسام هادئ لكنه بارد تمامًا، كأنه يقول: “هل لديك أي خيار آخر؟”
اشتد حلق سيلدون، وأجبر نفسه على ابتسامة، ثم صرف نظره وأمال رأسه إلى الخلف ليفرغ ما في كأسه دفعة واحدة
أحرقه النبيذ في حلقه، لكنه لم يستطع أن يطفئ البرودة الصاعدة من أعماق قلبه
وسرعان ما قطع مشاعره بالقوة، وأغمض عينيه، وأعاد في ذهنه بناء منطقه بسرعة
“لقد تخلصت الكنيسة من الإمبراطور لتحتكر الفوائد، وأين توجد تلك الفوائد؟ في الضرائب، وفي العملات الذهبية، ومن الذي يسيطر على هذه الأشياء؟”
ظهر الجواب على الفور تقريبًا: “أنا”
“من دوني لا يستطيعون فتح ذلك الخزنة المسحورة، ومن دوني لن يتعاون النبلاء في الأسفل مع جباية الضرائب
إذا قتلوني، فلن يحصلوا إلا على مقاطعة جنوبية شرقية مشلولة الإدارة وجافة التدفق المالي
أما إذا أبقوني، فسيحصلون على تدفق مستمر من العملات الذهبية وعلى إيمان مستقر”
أقنعه هذا الاستنتاج، فعادت أنفاسه إلى الاستقرار مرة أخرى
عدّل ربطة عنقه، وضغط ما تبقى من اضطرابه عميقًا داخل صدره، ثم حمل كأسه وسار من تلقاء نفسه نحو مقاعد الضيوف الرئيسيين
كان سالومون يمسح فمه بمنديل بأناقة
"يا سيادة الأسقف" كان صوته منخفضًا ومكبوحًا، "سأبقى إلى الأبد الخادم الوفي للكنيسة"
لم ينظر سالومون إليه، وكأنه يسمع مجرد تقرير لا قيمة له، "جيد جدًا"
لم تمض أيام كثيرة على انتهاء جنازة الدوق حتى فُتحت أبواب قاعة الإدارة بركلة قوية من كبير مفتشي الضرائب الجديد الذي عيّنه الكرسي المكرم
كان يرتدي رداءً قرمزيًا مطرزًا بحواف ذهبية، وخلفه خمسون ناسخًا يحملون دفاتر حساب جديدة فارغة
في خياله، كان ينبغي أن تكون هذه المساحة مكدسة بملفات خمسين سنة من سجلات الضرائب وخرائط الأراضي التي تراكمت في الإمبراطورية، أي خريطة شرايين المقاطعة الجنوبية الشرقية، وهو مكان يمكن سحب الدم منه مباشرة
لكن ما استقبله كان ثلجًا أسود
لقد فُتحت خزائن الملفات الثقيلة بالقوة، وكانت فارغة
أما تلك "سجلات قياس الأراضي" و"قائمة مصادر الضرائب الحقيقية" التي كانت توثق ملكية الأرض، وحركة السكان، والتعاملات التجارية، فقد أصبحت الآن مجرد طبقة من الرماد الأسود تغطي الأرض
ركع مفتش الضرائب والتقط قبضة من الرماد
كان هذا أساس حكم الجنوب الشرقي طوال خمسين سنة
استولت الكنيسة على هذه الأرض، لكنها لم تعد تعرف أين يوجد القمح وأين توجد الأموال، لقد أمسكت بالصولجان لكنها فقدت عينيها
ومع ذلك، فإن هذا لم يوقف الجباية
كان أمر المدينة المكرمة بسيطًا وقاسيًا: اجمعوا الضرائب بأعلى معيار ممكن
وما سُمّي إدارة تدهور سريعًا إلى سلب مقنع بلباس مكرم
وسرعان ما تغيّر اسم العشور إلى رسوم التكفير
وكان العجز عن الدفع يثبت أن الإيمان غير نقي، والإيمان غير النقي يجب أن يسدَّد بالجسد
وحين عجز الناس عن إخراج المال، عُرّفت الجريمة بسرعة: هرطقة بإخفاء ممتلكات السيد عمدًا
تحولت الكنائس إلى معسكرات عمل قسري ومستودعات للعبيد، وصارت كل قطعة نقدية نحاسية ملطخة بالدم
وفي حي آخر، كان تاجر جلود أفلس منذ زمن طويل راكعًا على الأرض
مَرْكُـز الرِّوايات يحذّركم من أن هذه الأحداث خيالية ولا علاقة لها بالواقع.
لكن جابي الضرائب قلب سجلات تعود إلى عشر سنوات مضت، ثم أعلن ببرود أنه يملك ثلاث ورش، ولم يكن للسجود والتوسل أي فائدة
“الفقر ليس عذرًا، بل هو احتيال” ثم جر الفارس حفيدة الرجل العجوز من الشارع
وسط صرخات البكاء، قُلّبت صفحة السجل إلى الصفحة التالية، ثم عُدلت الخانة: 'خصم ضريبي بقيمة 300 عملة ذهبية، ونقلها إلى دير المكرمة'
ولإخماد الذعر الناتج عن انهيار قيمة القسائم المكرمة، ترأس سيلدون بنفسه فتح الخزانة الرئيسية تحت الأرض في قصر الدوق
واستُدعي ألف مواطن ومؤمن ليشهدوا على ثقة هذه اللحظة
لكن عندما شقت كشافات الضوء الظلام، كانت الحجرة الحجرية فارغة، ولم يبق على الأرض سوى بضع جثث لجرذان جائعة
"كيف يمكن…" تجمدت الابتسامة التي استطاع سيلدون أن يضعها على وجهه، كأنه أُلقي في ماء جليدي أمام أعين الجميع
أصبح ذهنه فارغًا، وطنّت أذناه، كأن أصوات العالم كلها كانت تبتعد عنه
أما الأسقف سالومون فاكتفى بالنظر إليه، وكشف ببطء عن ابتسامة بعيدة ومنفصلة، كأنه يتأمل فريسة أدركت أخيرًا أنها بلا طريق للهرب
انهارت القسائم المكرمة بالكامل في تلك اللحظة
فمن دون غطاء الذهب، لم تعد تلك الأوراق المزيفة المطبوعة بنقش الأشواك تساوي شيئًا
في الصباح كان يمكنها شراء تفاحة، وعند الظهر لم تعد تساوي إلا حبة عنب واحدة، وبحلول الليل لم تعد تصلح حتى لمسح الأذى
كدّس المواطنون جبالًا من المال في الشوارع، وأشعلوا في هذه الشهادات المكرمة النار ليتدفؤوا بها
انعكس ضوء النار على وجوه لا تحصى، هزيلة وخاوية الإحساس
وإلى جانب اختفاء المال، كان ما هو أكثر رعبًا هو نقص الحبوب، إذ كان الدوق العجوز الميت قد تلاعب بالسفن الغارقة في القناة الكبرى ليقطع طرق الحبوب القادمة من الغرب
وفي مخازن الحبوب التي فُتحت للناس لم يبق إلا الرمل المختلط بالعفن، أما معظم الحبوب فقد نقلتها الكنيسة بعيدًا
قُرض لحاء الأشجار حتى اختفى، وأُكلت الجرذان نيئة، وجعل الجوع الناس يعيدون تعلم استخدام أبناء نوعهم طعامًا
وفي الوقت الذي سقط فيه الناس في اليأس، أصدر رئيس الأساقفة سالومون "مرسوم التطهير العظيم"
لم يناقش متى ستصل الحبوب، بل قدّم فقط تفسيرًا يمكن لليائسين أن يتمسكوا به: الحبوب لم تختف، بل سُرقت
“لماذا لا نملك خبزًا؟ لأن الساحرات سرقنه بالسحر الأسود”
“ولماذا ينتشر الوباء؟ لأن أهل الهرطقة يختبئون بين الناس ويدنسون السيد”
كان هذا المنطق بسيطًا ولا يحتاج إلى دليل
فالناس الجائعون لا يحتاجون إلى الحقيقة، بل يحتاجون فقط إلى عدو يفرغون فيه غضبهم
وسرعان ما أُضيف قفص حديدي أسود قاتم إلى أبواب الكنائس، وأُطلق عليه اسم قفص الحقيقة
كُتبت القواعد على لوحة خشبية، بسيطة وقاسية: من يبلغ عن أحد أهل الهرطقة المختبئين، وبعد أن تتحقق المحكمة منه، يحصل على نحو 2.5 كيلوغرام من الدقيق
حطم الجوع آخر ما تبقى من إنسانية في ليلة واحدة
ومن أجل وعاء حساء مائي لأطفالهن، اتهمت زوجات أزواجهن بإخفاء العملات الذهبية لعبادة الشيطان
وأبلغ الجيران عن الشخص الذي يسهر بجانب المصباح في البيت المجاور ليلًا، قائلين إنه يمارس السحر
بل إن بعضهم أشار إلى أمه المسنة نفسها وهو يبكي، مدعيًا أنها تتمتم في نومها وأن روحًا شريرة استولت عليها
كان محققو المحكمة ذوو الأردية القرمزية يحملون في كل مرة رزمًا سميكة من الرسائل المجهولة، ثم يركلون أبواب المواطنين كما لو كانوا يفتشون عن مخالفي حظر التجول
ولم تعد الاعتقالات تُنفذ من أجل المحاكمة، بل من أجل تقديم هدف للجماهير الجائعة لكي تمزقه
ازداد عدد أوتاد الإحراق
ولم يكن أول من أُحرقوا هم الفقراء، بل الذين ما زالوا يحاولون التفكير
فقد وُسم العلماء والناسخون والمسؤولون الإداريون السابقون بأنهم أورام تهز الإيمان لأنهم يعرفون القراءة، ولأنهم شككوا في مكونات الحساء المائي، ولأنهم حاولوا تسجيل ما يحدث في الأسفل
وبعدهم جاء التجار الأثرياء القدامى، فصودرت ممتلكاتهم للاستخدام العام، وسُحبت أجسادهم إلى وتد الإحراق
ازداد عدد الأوتاد في الساحة المركزية من عشرة إلى خمسين، وكانت تحترق ليلًا ونهارًا من دون انقطاع
وامتزج الدخان الكريه الصادر عن الأجساد المحترقة بالرائحة الحلوة المريضة للحساء المائي القادم من مطابخ الحساء، فغطى المدينة كلها
كان الحساء المائي في مطابخ الحساء هو الماء المكرم الذي منحته الكنيسة
وقف سالومون على المنصة المرتفعة، ناظرًا إلى الأجساد الهزيلة في الساحة من الأعلى، وكان صوته مليئًا بالشفقة، "الجوع كذبة يصنعها الجسد، وهو دليل على فقر الروح، تعالوا واشربوا النعمة الذهبية"
وُضع قدر برونزي ضخم، وغلا الحساء الذهبي بداخله
اندفع الجائعون إلى الأمام ليشربوا
وسرعان ما لم يعودوا يشعرون بالجوع، وظهرت حمرة مريضة على وجوههم
راحوا يرقصون ويهتفون حول وتد الإحراق، كأنهم يحتفلون بمهرجان
أضاءت النيران وجوههم العظمية المرسوم عليها الابتسام، كما أضاءت مقبرة هذه المدينة
وفي داخل قصر الدوق، حبس سيلدون نفسه داخل غرفة الدراسة
كانت صرخات مطاردة الساحرات تأتي من خارج النافذة، لكن الداخل كان ساكنًا سكون الموت
جلس إلى المكتب، ممسكًا بإحكام بمفتاح الخزنة تحت الأرض
لم يستطع الفهم، فملايين العملات الذهبية لا يمكن أن تختفي في الهواء هكذا
"عمل من الداخل؟ مستحيل، إفراغ الخزنة يحتاج إلى مئات العربات على الأقل، والضجة ستكون كبيرة جدًا"
ومر طيف والده في ذهنه، لكنه أنكر ذلك فورًا
"ذلك العجوز مريض إلى درجة أنه لا يستطيع حتى النهوض من سريره، وهو يلهث حتى حين يتكلم، فكيف يمكنه تنفيذ هذا تحت أنفي؟"
"الكنيسة؟ لا بد أنه سالومون، بينما كان يتفاوض معي على التعاون، كان قد أرسل رجاله بالفعل لحفر نفق، ونقل الأموال، وإلصاق التهمة بي"
تصلب هذا الاستنتاج: لقد خانته الكنيسة
وفي يأسه خطرت له فجأة فكرة عبثية: ما دام ما يزال يمسك بقصر الدوق ويصمد حتى وصول الشمال، فإن لويس لن يفوّت هذه الفرصة
فهو ما زال ورقة مساومة لا يمكن الاستغناء عنها
لكن سالومون لم يفعل سوى قطع الماء والإمدادات عن قصر الدوق
وكان فرسان المعبد يهتفون في الشوارع بصوت عالٍ: "سيلدون يأكل اللحم المشوي في الداخل، بينما أنتم تأكلون التراب في الخارج"
وفي الليلة العاشرة، كان سيلدون ما يزال يلمع سيفه في غرفة نومه، مستعدًا لإلقاء خطاب آخر في اليوم التالي
شق فأس لوح الباب، ولم يكن المقتحمون غوغاء، بل كتيبة فرسان العائلة
كانت محاجر عيونهم غائرة، وحدقاتهم خضراء، ويتدلى من أفواههم لعاب الجوع
أما نقيب الفرسان الذي يقودهم فقد أسقط سيفه، ولم يبق في يده إلا فأس لتقطيع العظام
"يا سيدي" كان صوته أجش، "لم يعد أمامنا خيار حقًا، فنحن لم نأكل منذ نصف شهر"
وقبل أن يتمكن سيلدون من الدفاع عن نفسه، ثُبّت على الأرض، ومزقوا ثوب نومه الحريري، وقطعوا خاتمه المزيف مع إصبعه
ثم جُر عبر الممر الطويل، وأُلقي وسط الحشود المسعورة خارج قصر الدوق
وفي الساحة، أطلق المشاغبون الذين شربوا الحساء الذهبي هتافًا يصم الآذان
"زنديق!"
"لقد سرق حبوبنا!"
عُلّق سيلدون مقلوبًا على أطول وتد إحراق
وحين ابتلعته النيران أخيرًا، فهم ما الذي خسره، وما الذي لم يملكه قط بحق
"آاااه!"
اجتاح الحرق العنيف جسده كله
ومن خلال ضوء النار المتشوه، رأى هيئة سالومون اللامبالية فوق برج الأجراس، ورأى كذلك الابتسامات المتوحشة على وجوه النبلاء عند قدميه، أولئك الذين رفعوا الأنخاب له من قبل
استمرت صرخاته عشر دقائق
وفي النهاية، لم يبق إلا جثة متفحمة منكمشة
كان الليل قد غطى كاتدرائية بطرس السامي بالكامل
ولم تكن هناك ريح في أعلى برج الأجراس، بل سكون راكد يكاد يخنق الأنفاس
وقف سالومون وحده على حافة الشرفة، ولم يكن تحت قدميه أي حاجز
كانت عاصمة المقاطعة الجنوبية الشرقية كلها ممتدة تحته، مثل لفافة أعادت النيران تلوينها
كانت أحياء المدينة تشتعل بضوء أحمر برتقالي، وكانت نيران أوتاد الإحراق ترتفع واحدة بعد أخرى، أما الصرخات فقد خففتها المسافة العالية، فلم يبق منها إلا ارتجاف غامض، كأن الأرض تطلق تنهيدة خافتة
لم يشعر سالومون لا بالقسوة ولا بالمتعة
وفي الحقيقة، كان يعلم أن أحدًا ما يحرّك الخيوط من وراء الستار، لكن ذلك لم يكن يهمه، بل كان في الواقع أمرًا جيدًا لموقع البناء هذا
"هناك أعشاب ضارة كثيرة" كانت أفكاره هادئة ومترابطة، كأنه يراجع عملًا في تنسيق حديقة
"إن بقايا سلالة التنين، ومجد النبلاء القدامى المتعفن، وتعلق الناس بذواتهم ورغباتهم الخاصة، كلها أشبه بأشواك ملتفة فوق هذه الأرض، تتنافس على الغذاء الذي ينبغي أن يعود إلى السيد"
"هذا هو أصل المعاناة، لأنه توجد ذات، يوجد اختلاف، ولأنه يوجد اختلاف، توجد لا مساواة"
رفع يده اليمنى ببطء
وفي كفه كانت ترقد تميمة حراشف التنين التي صودرت من غرفة سرية لأحد النبلاء القدامى
كانت التميمة قد صقلها الزمن حتى أصبحت ناعمة، وكانت حوافها تتوهج ببريق أحمر داكن، وتحمل بقايا هالة من إيمان سلف التنين يعود إلى ألف سنة مضت
لقد كانت يومًا رمزًا للسلالة والقوة وحق الاختيار
أنزل سالومون بصره إليها، وكانت نظرته خالية من الكراهية، ولم يبق فيها إلا برود من يفحص منتجًا معيبًا
"كان سلف التنين متكبرًا، لقد سمح لبعض الناس أن يولدوا بطاقة المعركة، وسمح لآخرين بالألقاب والأراضي، وقسّم العالم إلى أقوياء وضعفاء، ونبلاء ووضيعين"
"هذا الاختلاف غير نقي من أساسه، ولن يصبح أحد أرفع من الآخر إلا حين تُضغط جباه الجميع في الوحل"
"ولكي تتحقق المساواة الحقيقية، لا بد أولًا أن يخضع الجميع، من دون حاجة إلى تفكير، ومن دون حاجة إلى حكم، بل إلى الاستماع فقط إلى صوت السيد"
"وعندما تدور الجماهير حول الملكة النحلة مثل أفراد السرب، فلن تبقى في هذا العالم أي نزاعات"
"طقطقة"
اشتدت أصابعه فجأة
فتلك التميمة شديدة الصلابة المصنوعة من حراشف التنين، والتي عُدت يومًا شيئًا مكرمًا، سُحقت إلى مسحوق ذهبي ناعم
وانزلقت الذرات من بين أصابعه، وجرفتها ريح الليل، فتبعثرت فوق المدينة المحترقة
"في ظل زهرة الريشة الذهبية، لا حاجة إلى السلالة، ما دام المرء يشرب الحساء الذهبي، فيستطيع أي شخص أن يصعد، وسيفقد النبلاء عقولهم، وفي العصر العظيم القادم ستكون كل الأشياء متساوية"
خفض سالومون رأسه ونظر نحو الساحة البعيدة أمام الكاتدرائية
كانت الجموع الجائعة راكعة على الدرج الحجري، رافعة رؤوسها وأفواهها مفتوحة، في انتظار قدر من الحساء الذهبي
ثم استدار سالومون وعاد إلى أعمق غرفة سرية داخل برج الأجراس
أُغلق الباب الحجري بصمت، فعزل ضوء النار والضجيج عن الداخل
وفي وسط الغرفة السرية، كانت شتلة زهرة ريشة ذهبية تنمو في تربة حمراء داكنة
كانت أوراق الشتلة شفافة، وتجري في عروقها خيوط ضوء ذهبي خافت، وكل نبضة منها كانت تصاحبها وتيرة ضعيفة وثابتة
ركع سالومون أمام الشتلة، ولمست جبهته الأرض في فعل من الخضوع الكامل
"لقد تعفنت الجذور القديمة، ووُضعت التربة الجديدة، أيها السيد العظيم… انزل…"
وبعد أن أنهى دعاءه، وقف ببطء
وفي اللحظة التي اعتدل فيها، ارتعش جلد عنقه ارتعاشًا خفيفًا، كأن شيئًا دقيقًا يزحف تحت بشرته
وفقدت عيناه تركيزهما للحظة قصيرة، كأن الإشارة انقطعت لثانية واحدة
ثم اختفى ذلك الفراغ، وحلت مكانه ملامحه المألوفة المليئة بالحكمة
عدّل سالومون كم رداء الكاردينال ثم استدار ليغادر الغرفة السرية
وخارج برج الأجراس، كانت النيران ما تزال مشتعلة