وارهامر من حاكم الكوكب
الفصل 462 - المنقذ: هسس، هل أنت حقًا كائن مجنح مكرم إلى هذا الحد؟ !

وارهامر من حاكم الكوكب - الفصل 462 - المنقذ: هسس، هل أنت حقًا كائن مجنح مكرم إلى هذا الحد؟ !

عدد الكلمات في الفصل : 3236

عدد الحروف في الفصل : 18654

من ترجمة فريق : JB

على موقع : مركز الروايات

قراءة ممتعة

الفصل 462: المنقذ: هسس، هل أنت حقًا كائن مجنح مكرم إلى هذا الحد؟ !

في انطباع الناس، تُعد سيليستين المكرمة ذات الشعر الفضي سامية نقية

فهي لا تكاد تملك أي رغبات دنيوية، ولا يحملها إلا إرادة ثابتة للقتال

آسو مان سامي حي ذو عمر طويل، قادر على العودة إلى الحياة مرة بعد مرة، ليقاتل أعداء البشرية وسط ضوء مبهر، وفق إرادة الإمبراطور

لكن ما لا يعرفه الناس هو أن الكائن المجنح ذا الشعر الفضي يمر بعذاب مؤلم في كل مرة يعود فيها إلى الحياة

كان عليه أن يعبر الوارب الكابوسي، وأن يواجه شكوكه ومخاوفه، وأن يعثر على قطع درعه المتناثرة بين جبال من الجثث ليعيد جمعها

وبذلك فقط تلتئم شظايا شخصيته

وعندها فقط يستطيع العودة إلى العالم وسط ألعاب نارية نفسية عظيمة، ليصبح ذلك الكائن المجنح المكرم ذا الشعر الفضي وصاحب الإرادة التي لا تنكسر

في الحقيقة، كانت روح سيليستين المكرمة مثقلة منذ زمن، مليئة بالندوب، وعلى وشك الانهيار

في الفضاء العميق داخل عقلها

كانت الطفلة الصغيرة، تجسد روحها، محبوسة في قفص بارد كالكابوس، عاجزة عن الهرب

ولم يتغير ذلك إلا في معركة ماكراغ قبل أكثر من نصف قرن، حين هبط المنقذ إلى جانب الكائن المجنح ذي الشعر الفضي وأنقذها

دخلت قوة ناعمة ودافئة إلى عقل الكائن المجنح ذي الشعر الفضي، وتحولت إلى دب أبيض كبير عالج روحها

كان ذلك شعورًا لم تختبره من قبل

ومنذ ذلك الحين، ظلت سيليستين المكرمة تحلم بالمنقذ مرة بعد مرة، وأصبحت روحها أكثر إشراقًا شيئًا فشيئًا، كما راحت تنجذب إليه أكثر فأكثر

لقد طبعت تلك الهيئة في أعماق قلبها بثبات

في غرفة النوم الخاصة

كان هذا المسكن الخاص بالسامية الحية سيليستين المكرمة لا يزال بسيط الزينة، لكنه اختلف كثيرًا عن مظهره البارد السابق

ففي كل زاوية يمكن رؤية دمى دببة بيضاء كبيرة ناعمة ومتقنة

وكان من الصعب تخيل أن الكائن المجنح ذا الشعر الفضي، الذي يقاتل كثيرًا بين بحار الجثث والدم، يحب هذه الدمى التي تميل إليها الفتيات الصغيرات عادة

لكنها بالنسبة إليها كانت تمثل المنقذ

كان الكائن المجنح ذو الشعر الفضي يغرق دائمًا في حلم جميل وسط تلك الدببة البيضاء الكبيرة، وهو يعانق أكبرها

كان الأمر أشبه باحتضان ضوء دافئ، والالتفاف بهالة المنقذ

والآن، جلست سيليستين المكرمة مرة أخرى قرب السرير وهي تعانق أكبر دب أبيض

كان تعبيرها لا يزال نبيلًا وباردًا كعادته، مثل كائن مجنح مكرم نقي وخال من العيوب ولا يمكن بلوغه

لكن في أعماقها كان هناك شيء من الفرح والترقب

لأنها كانت على وشك لقاء المنقذ

“السيد المنقذ، لن تنفر مني، أليس كذلك؟”

ضغط الكائن المجنح ذو الشعر الفضي بلا وعي على وجه الدب الأبيض الممتلئ، وتمتمت لنفسها

ارتجفت أجنحتها البيضاء قليلًا، ومر على وجهها الفاتح احمرار خفيف فجأة

كان عليها أن تعترف بأنها تحب المنقذ كثيرًا، وتأمل أن تتقرب منه، بل إن بعض الأفكار الممنوعة كانت تظهر أحيانًا في ذهنها

وشعرت سيليستين المكرمة بالخجل من ذلك

كانت تشعر بأنها شخص سيئ، تلوث البرايمارك النقي والمستقيم والعادل للأمل

كان آسو مان مثل الضوء، يضيء قلوب كثير من الناس

أما أفكارها المتجاوزة فكانت في نظرها أمرًا لا يُغتفر

لكنها مع ذلك لم تستطع التوقف عن التفكير بهذه الطريقة

في الحقيقة، كانت سيليستين المكرمة تسمع أحيانًا بعض الشائعات السرية عن المنقذ

مثل أنه أسس بلاطًا واسعًا للتسلية الخاصة به، أو أنه يختار أجمل الكائنات في كل مجرة جديدة يسيطر عليها ليقضي معها الوقت، أو حتى أنه شارك في لهو مع ثماني عشرة شيطانة

لكنها كانت تعرف أن تلك كلها افتراءات يروجها أتباع الطوائف الشريرة ضد المنقذ

فهم يأملون في تشويه صورة المنقذ، وتحطيم رمز العدالة في قلوب مواطني الإمبراطورية

وكانت تلك افتراءات كاملة لا أكثر

ولم تشك سيليستين المكرمة في ذلك ولو للحظة واحدة

لأنها لامست فعلًا روح المنقذ النقية الخالية من العيوب، روحًا حتى هي، باعتبارها كائنًا مجنحًا مكرمًا، كانت تنظر إليها بإعجاب

ولم تستطع أن تلطخه في خيالها

ناهيك عن أنه قبل وقت غير بعيد، تحمل آسو مان عذاب سلاانيش من أجل البشرية، ومع ذلك لم يُظهر أي علامة على الخضوع

لقد كان شمسًا أخرى إلى جانب الإمبراطور

هذا ما كانت تعتقده سيليستين المكرمة، وقد ظهر في عينيها الزرقاوين الفاتحتين أثر خافت من الإعجاب

ثم عادت تلك الأفكار المتجاوزة المخبأة في أعماقها لتطفو من جديد

“كيف يمكن أن تراودني مثل هذه الأفكار المتجاوزة عن آسو مان!”

وبخت الكائن المجنح ذو الشعر الفضي نفسها بخجل، ثم طوت أجنحتها البيضاء لتغطي جسدها المكرم الدقيق

وفي اللحظة التالية

سمعت خطوات في الخارج، فازدادت توترًا

لقد وصل المنقذ

وحذرت نفسها في أعماقها بأنه يجب أن تضبط نفسها لاحقًا، وألا ترتكب أي تصرف متجاوز

حتى لا تزعج ذلك الكيان النقي

“مسكن الكائن المجنح المكرم بسيط جدًا…”

نظر رون إلى زينة المسكن وشعر بشيء من التأثر

كان في هيئة الحكيم، وامتلأ وجهه الوسيم بالاستقامة والعزم، كأنه تجسد للعدالة

ولم يكن في ملامحه أي أثر من هيئة مختار سلاانيش التي ظهرت ليلة أمس وسط القصف المتواصل والكثيف والطويل على تيرا المكرمة

لكن حين رأى دمى الدببة البيضاء الكبيرة، كاد يفقد توازنه

لماذا تحب الكائنات المجنحة المكرمة هذه الأشياء؟ هل كانت تتعمد هذا التناقض؟

نظر رون إلى تلك الدمى، وشعر بأنها مألوفة قليلًا، وكأنها تشبه دمية من فيلم رسوم متحركة عرفه في حياته السابقة

طقطقة

وقبل أن يستوعب الأمر

أغلقت الأختان التوأمان باب المسكن ووقفتا تحرسان عند المدخل

؟؟؟

في تلك اللحظة، انتاب رون شعور مألوف، وكأنه على وشك دخول وكر وحش

ولو لم يعرف أحد الحقيقة، لظن أنه مقبل على أمر مشبوه

“المن… السيد المنقذ؟”

خرجت سيليستين المكرمة من غرفة النوم حافية القدمين، ولا يزال عليها شيء من التوتر والخجل

“هسس~”

حين رأى رون سيليستين المكرمة، كاد يكشف طبيعته بوصفه مختار سلاانيش

فالكائن المجنح المكرم لم يكن يرتدي درعًا، بل ثوب نوم فضيًا حريريًا يُظهر هيئتها الممشوقة

وكانت أجنحتها مطوية خلفها، بينما كانت تسير نحوه بقدميها العاريتين الفاتحتين

ولم يكن الكائن المجنح المكرم يدرك إطلاقًا كم تبدو هيئته آسرة في ذلك اللباس النقي والخالي من العيوب والموحي برقة هادئة

وربما لأنها اعتادت الوحدة، وكانت تظهر عادة بدرعها

فهي ببساطة لم تدرك ذلك

لكن بالنسبة إلى مختار سلاانيش مثل المنقذ، كانت هذه ضربة مباشرة، لأن كائنات المتعة تعشق أكثر ما تعشق تلويث هذا النوع من الصفاء

ولحسن الحظ، لم يكن تابعًا للفوضى، لذلك كان لا يزال قادرًا على ضبط نفسه

وفوق ذلك، كانت سيليستين المكرمة هي السامية الحية للإمبراطورية، والكائن المجنح المكرم في قلوب عدد لا يحصى من مواطني الإمبراطورية

ولو أظهر أثناء لقائهما أي نظرة أو تصرف متجاوز يسبب استياءها

فسيكون ذلك مزعجًا حقًا

وربما يضر بصورة المنقذ المهيبة

تماسك، يجب أن أتماسك!

قرر رون أن يتعامل بجدية، فاتخذ هيئة جليلة لكنها باردة بعض الشيء وقال: “يا سيليستين المكرمة، يشرفني لقاؤك، هل لديك أمر تريدين مناقشته معي؟”

ذهلت الكائن المجنح المكرم قليلًا

لقد لاحظت التغير في تعبير المنقذ، وظنت أن آسو مان لا يحبها كثيرًا

فكادت تعجز عن الكلام

“لماذا يبدو ذلك الرجل شاردًا قليلًا؟”

وقف رون في مكانه ينتظر رد الكائن المجنح المكرم

وأمام نظرة المنقذ المتسائلة، استعادت سيليستين المكرمة وعيها أخيرًا

كانت قد بحثت عن المنقذ فقط بدافع لا واع أو رغبة لا تقاوم في الاقتراب من آسو مان، وهو تأثير جاء من أعماق روحها

ولحسن الحظ، كانت قد أعدت سببًا لذلك

“المن… السيد المنقذ

بحسب ما عرفته، هناك بعض الأشخاص في تيرا المكرمة غير راضين عن أفعالك، ويقولون إن زيارتك هذه تهدف إلى الاستيلاء على السلطة وإقامة حكم مستبد”

ثم أصبحت سيليستين المكرمة أكثر جدية قليلًا وهي تواصل الحديث

“بل إنهم يقارنونك بالحاكم الدموي في عصر الارتداد، الحاكم الأعلى فان در، ويقولون إن صلاتك بالمهرطقين والفضائيين وثيقة أكثر من اللازم…”

“يقولون إنني فان در الجديد؟”

عقد رون حاجبيه قليلًا

وتجاهل الجزء الأخير، وركز على المشكلة الحقيقية المزعجة

فقد كان يعرف التاريخ السري لعصر الارتداد

في الألفية السادسة والثلاثين من عمر الإمبراطورية، استولى الحاكم الأعلى آنذاك فان در، عبر الانقلابات والاغتيالات، على الكنيسة الإمبراطورية ووزارة الشؤون الداخلية في وقت واحد

وبذلك أمسك بالسلطة العليا في تيرا المكرمة، وصار يفعل ما يشاء، بل واستبدل إرادة الإمبراطور بأفكاره الخاصة

كما تعامل مع أخوات المعركة وكأنهن تنظيم حراسة شخصي له، وكان يطلق عليهن اسم عرائس الإمبراطور

وخلال فترة حكم فان در، شن عمليات تطهير واسعة كثيرة باسم الإمبراطور، فدمر عددًا كبيرًا من إدارات الإمبراطورية وفصائلها، بل وحتى بعض فصول مشاة البحرية الفضائية

كما تعرضت بعض العوالم المتحضرة وعوالم الأصل الخاصة بفصول مشاة البحرية الفضائية إلى القصف المداري

حتى إن الجميع شعروا بانعدام الأمان

وهكذا دخلت الإمبراطورية قرابة قرن من الحكم الدموي

وتحت ذلك الحكم القاتم الخانق، بدأ بعض الأوفياء الصامدين داخل الإمبراطورية ينظمون سرًا اتحاد النور للمقاومة

وانضمت عوالم كثيرة إلى اتحاد النور واحدًا تلو الآخر، وبدأت بالتقدم نحو تيرا المكرمة

وكان من بينها كثير من عوالم الحدادة التابعة لأديبتوس ميكانيكوس، والمعارضة داخل الكنيسة الإمبراطورية، وفصول من مشاة البحرية الفضائية مثل فرسان المعبد الأسود والقبضات الإمبراطورية وشاربي الأرواح

وقد حاصروا تيرا المكرمة وهاجموا كنيسة فان در

لكن دفاعات تيرا المكرمة كانت قوية جدًا، فلم يستطع المتمردون اختراقها

وأمام الضغط الداخلي والخارجي، لم يتراجع فان در، بل حل مجلس لوردات تيرا العليا، وأعلن أنه سيواصل القضاء على كل المهرطقين والخونة

فاندلعت بين الطرفين معركة دامية على تيرا المكرمة، ويمكن عدها أكبر كارثة دموية شهدتها الإمبراطورية منذ هرطقة حورس

وفي النهاية، وبمساعدة الحرس، استطاعت أخوات المعركة اللواتي عدن إلى النور دخول مقر فان در وقتله، وأكدن أعماله المهرطقة

ومن هنا يتضح

أن تيرا المكرمة، عالم العرش الذي أداره البشر عبر عصور لا تُحصى، لم يكن من السهل مهاجمته

وفي الحقيقة، كان فان در مجتهدًا جدًا خلال فترة حكمه، لأن الحكم الفردي يعني كمية هائلة لا يمكن تخيلها من الشؤون التي يجب معالجتها، وهي كافية لإنهاك أي إنسان حتى الموت

أما عبارته الشهيرة “أنا مشغول جدًا لدرجة أنني لا أستطيع أن أموت…” فكانت آخر كلماته الوحيدة

لكن ذلك الرجل سلك الطريق الخطأ، وكلما زاد اجتهاده زاد الخراب الذي أصاب الإمبراطورية

ولم يتوقف الدمار الذي ألحقه فان در بالإمبراطورية عند موته، بل أدى إلى اضطرابات كثيرة لاحقة، مثل عصر الفداء الذي جاء بعده

فقد استولى باسيليوس السامي، الذي صعد نجمه في اتحاد النور، على السلطة الدينية، وأعلن إدانة أكثر من ثلاثين فصلًا من مشاة البحرية الفضائية، ثم دفعهم إلى عين الرعب

ولم يعودوا أبدًا

والآن، لا ترغب نخب الإمبراطورية في تكرار تلك الأزمنة المظلمة والدامية مرة أخرى، كما أنها تنفر أكثر من الحكم الفردي

فهم يعتقدون أن النظام الحالي، الذي تعمل فيه كل إدارة بصورة مستقلة، هو الأساس الذي يحافظ على استقرار الإمبراطورية

وهو أيضًا أكثر توافقًا مع مصالح الجميع

فأصحاب الطموح لا يريدون أن يتلقوا الأوامر من غيرهم، ولا أحد يرغب في وجود “أب كبير” فوق رأسه

إذا كنت تقرأ هذا الفصل خارج مِـركْــز الروايات فاعرف أن الموقع الذي تقرأ منه سارق للمحتوى. markazriwayat.com

وكان رون نفسه يشعر بالأمر ذاته

فلو عاد الإمبراطور يومًا إلى الحياة من العرش الذهبي

فمن المرجح أن أولئك الطامحين سيهتفون له بالولاء بينما يذرفون الدموع سرًا، لأنهم هم من سيتضرر أكثر من غيرهم

أما هدف أولئك النبلاء رفيعي المستوى والبيروقراطيين من تشبيه المنقذ بفان در فكان واضحًا جدًا، وهو تشويه المنقذ ونفي أفكاره السياسية وبرنامجه

وفي الوقت نفسه، كانوا يريدون نشر رعب الحكم الفردي وإيقاظ ذكريات الخوف في قلوب الناس

كان روان يدرك هذا جيدًا، وكان الأمر مزعجًا حقًا

فإذا خسر دعم الناس، فلن يكون بالإمكان تنفيذ الإصلاحات مهما كانت جيدة، أيمكنه حقًا قصف تيرا المكرمة؟

وعندها سيؤدي ذلك حتمًا إلى مزيد من الاضطراب، ويمنح أصحاب الطموح فرصة لإثارة الفوضى

ولحسن الحظ، كان أعضاء المعارضة هؤلاء لا يهمسون إلا في السر، ولم يتمكنوا بعد من نشر هذه الفكرة على نطاق واسع

فليس كل الناس يفكرون في معارضته

غرق روان في التفكير وشعر ببعض القلق

فهو في الحقيقة أراد أن يحكم بقبضة فردية، بل أراد ذلك أكثر من فان در نفسه، ليكون الشمس الوحيدة للإمبراطورية

ولهذا كان عليه أن يتحرك بسرعة وحسم ليوقف هذا التوجه

وإلا، إذا ترسخت صورته على أنه فان در جديد، فسيصبح كل ما يفعله بعد ذلك أشد صعوبة

وعندما يعارضه الجميع، فقد لا يكون إقليم المنقذ وحده قادرًا على الصمود، كما أن بعض الحلفاء الأقل ثباتًا سيتخلون عنه أيضًا

وهو نفسه لم يكن يريد حربًا أهلية داخل الإمبراطورية

أما عن رأي الإمبراطور، فلم يكن قد سأله بعد

فماذا لو حصل على جواب سلبي؟ ألن يكون ذلك طريقًا مسدودًا؟

وفوق ذلك، لم تكن أفكار الإمبراطور السياسية ووسائل حكمه ممتازة إلى درجة تمنح مرجعًا كبيرًا

وإلا لما كان قد وزع السلطة السياسية والعسكرية في بداية تأسيس الإمبراطورية، ثم أغلق على نفسه غرفة صغيرة مظلمة لينشغل بالأبحاث العلمية

وحين أدرك أن هناك خطبًا ما، كان وضع الإمبراطورية قد صار على حافة الانفجار، وصعب إنقاذه

وبالطبع، قد يكون السبب أيضًا أن الوقت كان ضيقًا، ولم يكن لدى الإمبراطور وقت لإجراء تعديلات

وباختصار، كانت فكرة روان هي أن ينجز الأمور أولًا ويحقق بعض النتائج

فعلى أي حال، يكاد الإمبراطور يصبح سيد الفوضى الخامس، واحتمال تحرره من الوارب ضئيل جدًا

وعندما يرى الإمبراطورية التي أنشأها والبشرية تزدهران، ماذا يمكنه أن يفعل غير القبول الضمني؟

وربما سيكون سعيدًا أكثر من أن يعترض

“إذًا، يا سيليستين المكرمة، ما رأيك في هذا…”

رفع روان رأسه، والتقت عيناه بعيني الكائن المجنح ذي الشعر الفضي، وسأل بإخلاص: “أي نوع من الأشخاص تظنين أنني أنا؟”

تسارع قلب الكائن المجنح ذي الشعر الفضي كثيرًا حين التقت فجأة بنظرة المنقذ المترقبة

وأخذت نفسًا خفيفًا وقالت: “أنا… أعتقد أن السيد المنقذ مختلف عن أولئك الطامحين، وليس له أي صلة بالمهرطقين أو الأشرار مثل فان در

أنت إداري رحيم، ومحارب نقي ونبيل

ولست أنا وحدي من يفكر بهذا الشكل، فمعظم الناس في الإمبراطورية يشعرون بالأمر نفسه، أما من يعارضونك فليسوا سوى قلة من أصحاب الطموح”

“يسرني كثيرًا أنك تنظرين إلي بهذه الثقة”

أومأ روان برأسه في رضا

وبدا أن صورته داخل الإمبراطورية جيدة جدًا، وهذا سيكون أساس حكمه في المستقبل

وصار ينظر إلى الكائن المجنح ذي الشعر الفضي بحماس أكبر، وبدأ يمدحها: “ربما نحن من النوع نفسه، وربما لا تعلمين ذلك، لكنني كنت دائمًا معجبًا بنقائك وشجاعتك، وخصوصًا بعد لقائي بك…”

والآن بدا أن ذلك الكائن المجنح ذو الشعر الفضي سيكون مساعدًا ممتازًا له، وكان عليه أن يضمه إلى معسكره

فأولئك الطامحون أرادوا تسويد صورته والقول إنه فان در، ومن المرجح أن حملات التشويه ستزداد في المستقبل

وربما يختلقون حتى قصصًا مشينة عنه

والكلام المنتشر بين الناس ذو أثر مدمر فعلًا، فعندما يردده كثيرون يترسخ في الأذهان

وعندما يبدأ عدد أكبر من الناس في تناقله، فقد لا تصمد صورته، خاصة أن كثيرًا مما فعله لا يمكن كشفه

لكن سيليستين المكرمة هي السامية الحية للإمبراطورية، والكائن المجنح ذو الشعر الفضي، وبعد قرون من الترويج أصبحت صورتها راسخة في قلوب الناس

فهي تكاد تكون رمزًا قوميًّا، ووجودًا لا يُمس ولا تشوبه شائبة في قلوب مواطني الإمبراطورية

وطالما أن الكائن المجنح ذا الشعر الفضي يقف إلى جانبه ويدعمه

فإن كثيرًا من الشائعات المشوهة ستنهار من تلقاء نفسها، فلا يمكنهم القول إن تجسد إرادة الإمبراطور، ذلك الوجود النقي الكامل، يتواطأ مع المنقذ، أليس كذلك؟

فالمرء يشبه من يرافقه

وبما أن الكائن المجنح ذا الشعر الفضي، الذي اعتاد العزلة، قد اختار دعم المنقذ، فهذا يثبت أنه هو أيضًا يملك روحًا نقية ونبيلة بما يكفي

وكان تقرب المنقذ المفاجئ أمرًا أربك سيليستين المكرمة

لكن قلبها امتلأ بالفرح بسبب هذا الإعجاب

“أيها الإمبراطور في الأعلى، السيد المنقذ لا ينفر مني…”

فكرت الكائن المجنح ذو الشعر الفضي بذلك، وظهرت على وجهها الهادئ ابتسامة خافتة من دون إرادة منها

“دعينا نجلس ونتحدث”

وبمزاج جيد، جلس روان على مقعد حجري قريب، ودعا الكائن المجنح ذا الشعر الفضي للجلوس معه بلطف

لقد تولى زمام المبادرة كعادته

“مم… مم!”

ولم تدرك سيليستين المكرمة حتى أنها في بيتها هي، فاتّبعت الدعوة بصورة لا واعية وجلست أمام المنقذ

وبدت متحفظة قليلًا

واكتشف روان أن هذا الكائن المجنح ذو الشعر الفضي ساذج بعض الشيء، لكن هذا جعله أسهل في كسبه

كان ذلك مثاليًا تمامًا

وبعد ذلك، استخدم كل ما لديه من جاذبية ليخوض حديثًا متحمسًا مع الكائن المجنح ذي الشعر الفضي

من الولاء المطلق للإمبراطور والإيمان الديني، إلى العادات والقصص الطريفة من مختلف أنحاء الإمبراطورية، بل دعاها حتى لتذوق النبيذ الجيد المصنوع في إقليمه

وشمل هذا أيضًا دعوات سياسية وكثيرًا من كلمات المديح التي بدت عفوية

مما جعل الكائن المجنح ذا الشعر الفضي يبتسم بين حين وآخر

وكانت عينا سيليستين المكرمة الزرقاوان تحملان عاطفة عميقة، وهي تصغي إلى حديث المنقذ بإمعان شديد، من دون أن يفوتها شيء

وكانت تومئ موافقة من وقت إلى آخر

حتى لو كانت هناك أمور كثيرة لم تفهمها أو لم تهتم بها كثيرًا

لكنها كانت سعيدة جدًا

ولم تكن قد شعرت بهذه السعادة منذ وقت طويل

“إن البقاء مع السيد المنقذ أمر يبعث على السعادة حقًا”، هكذا فكرت سيليستين المكرمة في داخلها

أما من جهة روان

فقد كان اللقاء ممتعًا للطرفين، وتمكن من كسب ذلك الكائن المجنح ذي الشعر الفضي الذي بدا ساذجًا بعض الشيء، وكانت النتائج مبهجة

بل إنهما توصلا إلى تفاهمات مثل التحالف السياسي والتقدم والتراجع معًا

وكان ذلك مثاليًا للغاية

ولم يكن ينقصهما إلا التشابك القريب والرفقة الدائمة

“يا سيليستين المكرمة

لقد سعدت جدًا بالحديث معك اليوم، وأعتقد أننا نستطيع العمل معًا لصنع مستقبل أفضل للإمبراطورية”

ألقى روان نظرة على الوقت، فقد صار متأخرًا

وكان الوقت قد حان لإنهاء اللقاء

فالعلاقة بين الناس ينبغي أن تكون بقدر مناسب، ومن الأفضل إنهاء الحديث في الوقت الملائم لتجنب الوصول إلى فترة صمت ثقيلة ومحرجة

نهض روان، وبادر إلى إنهاء اللقاء: “ربما ينبغي لي أن أغادر الآن، وأتطلع إلى لقائك مرة أخرى”

ثم تذكر شيئًا وأضاف: “آه، بالمناسبة، غدًا هو احتفال النصر، وأنا أدعوك بإخلاص إلى حضوره ومشاهدة المراسم معي”

وبوصفها السامية الحية للإمبراطورية، كانت سيليستين المكرمة أيضًا قوة سياسية لا يستهان بها، ومن الطبيعي أن يكون لها مقعدها الخاص للمشاهدة

لكن وجودها إلى جانبه ومشاركته الحضور معًا سيمنح أفضل أثر

وذلك يمثل أيضًا إعلانًا سياسيًا يناسب مصالحه تمامًا

وفوق ذلك، عندما تُنفذ خطته الانقلابية وتثير ردود فعل أو اضطرابات، فإن هذا سيجبر الكائن المجنح ذا الشعر الفضي على مواجهتها معه أيضًا

“السيد المنقذ”

أومأت سيليستين المكرمة بحزم: “أنا… سأصل في الموعد”

أظهر روان ابتسامة لطيفة وقال: “إذًا سأغادر الآن، وأتطلع إلى حضورك”

وبهذا استدار واتجه نحو الباب

“هل انتهى الأمر هكذا ببساطة؟”

نظرت سيليستين المكرمة إلى ظهر المنقذ العريض، وشعر قلبها فجأة بفراغ خفيف

كانت تتمنى لو بقي آسو مان معها وقتًا أطول قليلًا

ولسبب ما، حين تكون إلى جانب المنقذ، كان قلبها يشعر بالخفة والفرح

وربما لأن ذلك الكيان النقي النبيل يختلف عن الآخرين؟

ظل ذلك الكائن المجنح ذو الشعر الفضي يحدق في الفراغ، وقلبه يحمل شيئًا من التردد في الفراق

ثم اندفعت المشاعر المتجاوزة التي أخفاها طويلًا في قلبه، وتحولت إلى رغبة خفيفة لم يعد قادرًا على كبتها

“المن… السيد المنقذ”

نادَت سيليستين المكرمة المنقذ فجأة، وكان صوتها يرتجف قليلًا: “هل يمكنك أن تنتظر لحظة؟”

استدار روان لينظر إلى حليفته، وكانت عيناه ثابتتين وقويتين، ينتظر منها أن تكمل كلامها

وربما كان لديها أمر مهم لتقوله

“أنا… لا أعرف كيف أخبرك، وربما ستشعر أنني قد لوثت نقاءك…”

جمعت سيليستين المكرمة شجاعتها، وظهر احمرار على وجهها الهادئ الشاحب، بل أغمضت عينيها أيضًا

ثم اخترقت الخجل في قلبها وقالت بحزم: “هل… هل يمكنك أن تعانقني؟”

؟؟؟

“هسس~”

نظر روان إلى الكائن المجنح ذي الشعر الفضي المرتجف أمامه، وكانت أذناه قد احمرتا أيضًا

فشهق، وشعر بالخدر يسري في جسده كله

ألم يقولوا إن الكائن المجنح ذا الشعر الفضي نقي وخال من العيوب ولا يُمس؟ فكيف طلب مثل هذا الأمر؟ ماذا يحدث بالضبط؟

كان المفترض أن يكون الأمر تحالفًا سياسيًا، لكن اتضح أنها تريد القرب منه أيضًا، ولو قالت ذلك منذ البداية لكان القرب النفسي والجسدي أوثق بكثير

لقد فهم روان تلك الدعوة الواضحة جيدًا، فقد مر بمواقف مشابهة كثيرة

انهارت هيئة المنقذ الوقورة تمامًا، وتبخرت هيئة الحكيم عنه تقريبًا، وكاد يكشف طبيعته الأخرى

أما سيليستين المكرمة فكانت تقف هناك، يغمرها الخجل والخوف، وكأن كل أفكارها توقفت

وكأنها تجمدت في مكانها

ولم يصمت روان سوى أقل من ثانية قبل أن يمشي نحوها

ثم مد ذراعيه وعانق الكائن المجنح ذي الشعر الفضي المرتجف، وكانت قامتها الطويلة الرشيقة لا تصل إلا إلى ذقنه

شعرت سيليستين المكرمة بحرارة عناق المنقذ، ولم تجرؤ على الحركة، كطائر صغير

لقد اختبرت مثل هذه اللحظة مرات لا تحصى في أحلامها، وكان قلبها يشتاق دائمًا إلى مثل هذا العناق

لقد كان دافئًا جدًا، كأنه ضوء يحميها

وفي الوقت نفسه

كان روان قد اشتاق إلى هذا القرب منذ زمن

فتحرك بغريزته وبمهارة مألوفة على طول ذلك المسار

لكنه توقف فجأة بعد ذلك

وفي هذه اللحظة أيضًا، رفعت سيليستين المكرمة رأسها نحوه بنظرة تحمل شعورًا بالذنب وقالت: “أعتذر لأنني لوثت نقاءك”

خفض روان نظره نحو الكائن المجنح ذي الشعر الفضي

ولم يجد في عينيه أي أثر لرغبة عابرة، بل وجد مودة نقية خالصة

فشعر روان بتنميل في رأسه، وصرخ في قلبه

يا للهول، هذا حب خالص…

ولم يتوقع أبدًا أنه، وهو المختار الذي مر بعواصف لا تُحصى، سيصادف حبًا خالصًا؟

لقد أربكه هذا تمامًا