الفصل 8 - أرمينيا تنتظرنا
احياء الإمبراطورية الساقطة - الفصل 8 - أرمينيا تنتظرنا
في شوارع عاصمة سولار، هيليوس، تجمّع سكان الأحياء المختلفة عند زوايا الطرقات وبين الدكاكين المغلقة، يتهامسون فيما بينهم وكأنهم يخشون أن يسمعهم أحد.
كان المشهد أسوأ مما يوحي به اسم العاصمة؛ فمدينةٌ يُفترض أن تكون واجهة الإمبراطورية تحولت إلى بقايا مدينة منهكة تحمل آثار التعب والإهمال في كل زاوية.
الأزقة التي كانت يومًا نابضة بالحركة باتت تعج بقطاع الطرق الذين يترصدون المارة، واللصوص المختبئين بين الحشود، والمتسولين الذين يمدّون أيديهم عند المفارق.
وكلما اقتربت الطرق من محيط القصر، ازداد عدد الفقراء وتكاثرت الوجوه الشاحبة، وكأن الثراء المحصور خلف الأسوار يسحب ما تبقى من الحياة خارجها.
أما المناطق الحضرية التي كانت تُعد مزدهرة سابقًا، فقد انكمشت إلى خيام متلاصقة وأكوام حجارة رُصفت على عجل، تتشاركها عائلات كاملة بحثًا عن مأوى يقيها الريح والبرد.
أما النبلاء…
فقد عاشوا أفضل سنواتهم فوق معاناة السكان، يفرضون الضرائب ويستنزفون ما تبقى من الناس دون أن يقدموا شيئًا في المقابل.
لكن حتى ذلك لم يدم.
فمع انهيار المقاطعات وانفصال أجزاء واسعة من الإمبراطورية، بدأت الأزمة تخنق الجميع، حتى بعض النبلاء أنفسهم.
…
في أحد أحياء هيليوس الفقيرة، اجتمع عدد من المتسولين والفقراء داخل منزل شبه متهالك تضيئه مصباح زيت خافت.
جلسوا في دائرة ضيقة، بينما التف الهمس بينهم كالدخان.
وفي طرف الغرفة جلس رجل لا يشبه بقية المتسولين تمامًا.
كانت ثيابه بالية مثلهم، لكن عينيه بقيتا ثابتتين بشكل غريب.
كان اسمه…
سيرو.
لم يتكلم في البداية، واكتفى بمراقبة الباب الخشبي المهترئ كأنه يتوقع اقتحامه في أي لحظة.
في تلك الأثناء، رسمت فتاة تدعى روز خطوطًا فوق التراب بإصبعها وهي تهمس:
"البوابات أصبحت فخًا… لكن لكل مدينة بطن."
رفعت عينيها ببطء.
"ومن يعرف البطن… يعرف الطريق."
رفع سيرو رأسه أخيرًا.
"وأنا أعرفه."
تبادلت المجموعة النظرات بتردد.
كان من السهل أن يدّعي أي متسول امتلاك طريق سري ليبدو مهمًا، لكن سيرو لم يهتم بنظراتهم.
أخرج من جيبه قطعة معدن صغيرة صدئة تشبه جزءًا من قفل قديم.
"هذا من سلاسل مجرى التصريف القديم."
نظر إلى القطعة للحظة قبل أن يكمل:
"وجدته قبل أشهر عندما كنت أبحث عن مكان أختبئ فيه من برد الليل."
ثم أشار بيده نحو الشمال.
"خلف بيوت الخيام المتلاصقة قرب الجدار المائل يوجد لوح خشبي مدفون تحت الحجارة… ومن هناك يمكننا الدخول إلى المجرى."
تقدم شاب يلقبونه بمسمار وسأل بتردد:
"حتى لو دخلنا… كيف سنخرج من المدينة؟ الحراس منتشرون في كل مكان."
أجاب سيرو بهدوء:
"لن نخرج من البوابات."
ثم ظهرت ابتسامة خافتة على وجهه.
"بل سنجعلهم يركضون نحوها وحدهم."
وهكذا بدأت الخطة.
اتفقوا على نشر شائعة واحدة في الوقت نفسه داخل عدة أحياء:
"صندوق الضرائب سُرق، واللصوص يهربون نحو البوابة الشرقية."
حينها سيتجه الحراس بالكامل نحو الشرقية، بينما تتحرك مجموعتهم بهدوء إلى الاتجاه المعاكس…
ناحية باب الماء.
قسموا أنفسهم إلى مجموعات صغيرة لا تلفت الانتباه؛ ثلاثة أو أربعة فقط في كل دفعة، يحملون أكياس خبز أو حطبًا أو قطع قماش بالية، كأي فقراء عاديين.
وقبل أن ينتهي الاجتماع، قال سيرو جملة واحدة فقط:
"أرمينيا تنتظرنا."
…
في القصر الإمبراطوري، اجتمع عدد من النبلاء حول مائدة ضخمة داخل قاعة الولائم الخاصة بالإمبراطور ثيودور.
جلس الإمبراطور فوق كرسيه العريض يراقب الحاضرين بعينين ثقيلتين، ثم رفع يده ببطء.
"تفضلوا… كلوا قبل أن يبرد الطعام."
بدأ الجميع بالأكل وسط ضحكات باهتة ونظرات حذرة متبادلة.
لكن أحد الرجال لم يشاركهم ذلك التظاهر المريح.
لم يكن الأعلى صوتًا، ولا الأكثر زينة، ومع ذلك فرض حضوره نفسه فوق الطاولة.
كان ذلك اللورد كاسيان فالمير.
رجل في منتصف الأربعينيات، عريض الكتفين، ذو شعر أسود مشدود إلى الخلف بخيط فضي، ولحية قصيرة مرتبة بعناية.
أما عيناه الضيقتان بلون العسل الداكن، فكانتا تحملان نظرة رجل اعتاد التفكير أكثر من الكلام.
مسح كاسيان فمه بمنديل أبيض، ثم وضعه فوق الطاولة بهدوء.
رفع نظره نحو الإمبراطور وانحنى انحناءة خفيفة قبل أن يقول:
"مولاي… أخشى أن برد المدينة سبق برد الطعام."
ساد صمت خفيف داخل القاعة.
ثم أكمل وهو يشبك أصابعه:
"هيليوس لم تعد كما كانت."
نظر نحو النبلاء للحظة.
"الأحياء القريبة من الأسواق تنهار يومًا بعد يوم، والناس لم يعودوا يتحدثون عن التجارة أو الحصاد…"
ثم قال ببطء:
"بل عن الهروب."
تجهمت ملامح بعض الحاضرين.
أما كاسيان، فأكمل بثبات:
"سمعت الاسم يتكرر في أكثر من حي…"
رفع عينيه نحو ثيودور مباشرة.
"أرمينيا."
ساد الصمت للحظة أطول هذه المرة.
"ولهذا تحركت مسبقًا."
تابع بنبرة هادئة:
"شددت الحراسة على المخارج غير الرسمية، وراقبت باب الماء والممرات التي يستخدمها الفقراء للهروب."
ثم أضاف:
"أعدنا كل من حاول الخروج… دون دماء."
خفض صوته قليلًا:
"لأنهم إن خرجوا اليوم يا مولاي…"
ثبت نظره على الإمبراطور.
"فلن يخرجوا وحدهم."
"… ستخرج معهم هيبة سولار."
تجهم وجه ثيودور بشدة، بينما بدأ القلق يظهر على وجوه بعض النبلاء.
وفجأة ضرب الطاولة بعنف.
"إذن اقتلوا كل من يحاول الهرب!"
ساد التوتر داخل القاعة.
"وأجبروهم على العمل إن لزم الأمر!"
لكن كاسيان قاطعه بهدوء:
"جلالتك… هذا سيزيد الوضع سوءًا."
اشتعل الغضب في عيني ثيودور.
"هل تقاطعني يا كاسيان؟!"
ثم أشار نحوه بعنف.
"نفذ أوامري فقط… أو غادر هذه المائدة."
ساد الصمت مجددًا.
ثم مال ثيودور نحو الحارس الواقف قربه وقال بصوت منخفض:
"نادِ إدريان."
تجمد الحارس لثانية قبل أن ينحني سريعًا.
"وأخبره أن ينتظرني في غرفة العرش."
انسحب الحارس فورًا، بينما بقيت المائدة غارقة في صمت ثقيل لا يُسمع فيه سوى احتكاك أدوات الطعام.
أما كاسيان…
فظل جالسًا في مكانه، وعيناه لا تغادران الإمبراطور.
وكأنه أدرك أن سولار بدأت تسقط أسرع مما توقع الجميع.
نهض ثيودور فجأة، فاهتزت الكؤوس فوق الطاولة.
ثم قال بصوت بارد:
"من يحاول الهرب من العاصمة…"
التفت نحو الحاضرين.
"فليكن موته عبرة للبقية."
وغادر القاعة يتبعه الحرس.
أما كاسيان، فبقي مكانه للحظة قبل أن يهمس لنفسه:
"حين تتحول العاصمة إلى مقصلة…"
رفع عينيه نحو الباب المغلق.
"… حتى الحجارة ستهرب منها."
وفي مكان آخر من المدينة، قرب باب الماء، بدأت أولى المجموعات بالتحرك وسط الظلام.
ثلاثة أشخاص فقط.
يحملون كيس خبز وحطبًا رطبًا كأي عمال فقراء عاديين.
لم يكن في ملامحهم ما يكشف نيتهم…
باستثناء تلك النظرة الواحدة.
نظرة شخص يعلم أن الفرصة قد لا تتكرر مرة أخرى.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.