أصل الخطيئة
الفصل 86 - عازف الموت

أصل الخطيئة - الفصل 86 - عازف الموت

[البداية: العازفُ والموت]

لم يتوقف جان عن العزف. كانت أصابعه تتحرك فوق مفاتيح البيانو ب انسيابيةٍ مرعبة. كنا نقفُ في صحن القاعة الكبرى، والمكانُ كان غارقاً في ظلالٍ لا يكسرها إلا ضوء القمر الساقط من القبة المحطمة.

"هل أعجبكم العرضُ الخارجي؟" قال جان دون أن يلتفت إلينا، وصوته يترددُ ك الصدى بين الجدران العالية. "كانت تلك مجرد.. مسودات. الآن، ستبدأُ المسرحيةُ الحقيقية."

وفجأة، وبضربةٍ واحدةٍ عنيفة على مفاتيح البيانو، سُمع صوتُ طــــــــرن! هائل. اهتزت الأسلاكُ الفولاذية التي تملأ السقف، وبدأت الجثثُ الملقاةُ في الزوايا تتحرك. لم تكن تتحرك ك الموتى الأحياء ب عضلاتها، بل كانت "تُسحب" ب عنفٍ من الأعلى.

مئاتُ الأجساد.. جنودُ بارون، سكانُ المنطقة، وحتى رفاقنا الذين سقطوا عند الباب.. جميعهم وقفوا فجأة. الخيوطُ كانت مغروسةً في مفاصلهم، وفي أعناقهم، وفي جفونهم. تحولوا إلى "دمى بشرية" في مسرحيةٍ سادية يُديرها عازفٌ من الأعلى.

"ياللمتعة!" صرخ دان، واندفع للأمام وهو يضحك بجنون. لم يستلَّ سلاحه بعد؛ كان يستخدم يديه العاريتين لتمزيق أي جثةٍ تقترب منه. رأيتُه يقتلعُ رأس جنديةٍ كانت تُسحبُ ب الأسلاك نحو حنجرته، ثم يرمي الرأس ك القذيفة على مجموعةٍ أخرى.

كان دان يقاتلُ ب وحشية، لكنني كنتُ أعلم.. هو لا يخرجُ قوته بالكامل. كان "يتسلى". كان يمزقُ الأطراف ويستمتعُ ب صوت تمزق الخيوط من اللحم، وكأنه ينتظرُ الطبق الرئيسي (جان) ل يفرغ فيه جوعه الحقيقي.

أما ريو، فقد كان في حالةٍ من الذهول القاتل. "نصلُ الفجر" في يده كان يشع ب ضياءٍ مذهب، يقطعُ الخيوط والجثث ب دقةٍ ملكية. كان يقاتلُ ل يحمي ظهري، وعيناه تلاحقان حركة الأسلاك التي تسقطُ من السقف ك المطر الأسود.

"لا تنظر ل وجوههم يا ريو!" صرختُ وأنا أشطرُ جثةً كانت تحاولُ طعني ب خنجرٍ مربوط ب سلك. "إنهم مجرد أدواتٍ الآن.. اقطع الخيوط أولاً!"

توهجت عيني الحمراء ب أقصى طاقتها. بفضل "عين الخطيئة"، لم أكن أرى الجثث؛ كنتُ أرى "شبكة الطاقة" التي يُديرها جان من الأعلى. كل حركةٍ يقوم بها على البيانو كانت ترسلُ ذبذباتٍ عبر الأسلاك لتتحكم في طرفٍ معين.

كان جان ينظرُ إلينا من شرفته العالية، يبتسمُ ب برودٍ وهو يرى دماءنا تلطخُ رخامه. "الشبح.. أنت ممتعٌ حقاً،" قال جان وهو يرفعُ وتيرة العزف. "تتحركُ وكأنك ترى أفكاري.. لكن هل تستطيعُ مجاراةُ ألفِ جثةٍ في آنٍ واحد؟"

انطلقت الخيوطُ نحوي ك السهام. التفَّ سلكٌ حول معصمي وشدهُ بقوةٍ كادت أن تخلعه. لم أتردد؛ تركتُ السلك يمزقُ جلدي ويصلُ للعظم، مستغلاً "التجدد الهائج" ل أبقى ثابتاً. قطعتُ السلك ب نصلي، وانطلقتُ نحو السلالم المؤدية ل جان، لكن الجثث كانت تتراكمُ ك الجبال لتمنعنا.

"لقد مللتُ من هذه العرائس!" زأر دان فجأة. تغيرت هالة دان؛ الأرضُ من حوله بدأت تتشققُ من ضغط الطاقة. أمسك ب عشرة خيوطٍ كانت تحاولُ تقييده، وبدلاً من قطعها، قام ب سحبها ب قوةٍ غاشمة جعلت جان يترنحُ فوق البيانو ل ثانية.

كان دان يشدُّ الأسلاك ب يديه العاريتين، والدمُ يقطرُ من كفيه ب سبب حدة الفولاذ، لكنه كان يضحك. "جان! انزل ل تقابلني ك الرجال، أو سأهدمُ هذا المقر فوق رأسك اللعين!"

بدأ دان ب تحطيم الجثث ب سرعةٍ مرعبة، كان يحولهم إلى غبارٍ ولحمٍ مفروم في ثوانٍ. كان قتالاً قذراً، دموياً، ومهيباً. ريو كان يغطيه ب ضرباتٍ ضوئية تقطعُ أي خيطٍ يحاولُ الالتفاف حول دان. كنا نعملُ ك آلةٍ واحدة ل تطهير الساحة.

بعد دقائقٍ شعرتُ وكأنها ساعات، سكنت القاعة. كانت الساحةُ مغطاةً ب أكوامٍ من الجثث الممزقة والخيوط المقطوعة التي تشبهُ شبكة عنكبوتٍ مدمرة. كنا نقفُ وسط المسلخ، نلهثُ من الجهد، ودان يمسحُ الدم عن وجهه ب نظرةِ غضبٍ مكتوم.

توقف العزفُ فجأة. ساد صمتٌ مرعب، صمتٌ أقوى من صوت القتال. وقف جان ب بطء من خلف البيانو، ونفض غبار المعركة عن قفازاته البيضاء. نظر إلينا ب عيونٍ جاحظة، وابتسامةٍ اتسعت ل تكشف عن جنونٍ لا حدود له.

"أحسنتُم.." قال جان وهو يصفقُ ب يده ب برود. "لقد نظفتم المسرح من الممثلين الفاشلين. لكن لا تظنوا أنكم انتصرتم."

مشى جان إلى حافة الشرفة، وأخرج خيطاً ذهبياً طويلاً من كمه، لفه حول إصبعه ب بطء. "هذه الجثث.. كانت مجرد إحماء ل أصابعي. الليلةُ يا 'شبح'.. ويا 'سارق القلب'.. قد بدأت للتو. أنتم الآن في مملكتي، وفي مملكتي.. الأوتارُ لا تتوقفُ عن العزف حتى ينقطعُ آخر عرقٍ في قلوبكم."

أشار جان ب يده ل الأسفل، وفجأة، بدأت الجدرانُ نفسها تخرجُ منها أسلاكٌ ضخمة، وبدأ المقرُ يهتزُّ كأنه كائنٌ حي يستيقظ.

"استعدوا.." همستُ ل ريو ودان وأنا أشدُّ على نصل "خطيئة". "الجزارُ سيبدأُ ذبحهُ الحقيقي الآن."

[البداية: أوتارُ الذهبِ الملعونة]

ساد صمتٌ قصير بعد تمزيقنا للدمى البشرية، لكنه كان صمتاً مشحوناً بكهرباء الموت. كان جان يقف على شرفته، يراقبنا بعيونٍ جاحظة تخلو من أي بريقٍ إنساني. وفجأة، وبحركةٍ مسرحية، مد يده نحو الجدران الحجرية المحيطة بنا.

"لقد أفسدتم ألحاني البسيطة.." همس جان، وصوته تردد وسط القاعة. "الآن.. سأعزفُ لكم بـ 'أوتار القمة'. ارقصوا.. ارقصوا.. أريدُ رؤية رقصة الموت!"

صـــــــــــــرير!

فجأة، انشقت الجدران الرخامية الضخمة وكأنها ورقٌ رقيق. برزت منها خيوطٌ ذهبية سميكة، تتوهج ببريقٍ مريض. لم تكن خيوطاً عادية؛ كانت تتحرك بسرعةٍ تجعل الهواء يصفر بحدة، وبمجرد ملامستها للأعمدة الحجرية، كانت تقطعها كأنها ورق. سقطت كتلٌ صخرية ضخمة حولنا، والغبارُ بدأ يملأ المكان، بينما كانت تلك الأوتار الذهبية تتقاطع في الفضاء لتشكل "متاهةً من الشفرات".

[رقصةُ الموت: النزيفُ تحت الأضواء]

بدأ الهجوم. الخيوطُ الذهبية كانت تنطلق من كل اتجاه؛ من السقف، من الأرض، ومن خلف التماثيل المحطمة. كانت تتحرك بأنماطٍ هندسية معقدة، تجبرنا على القيام بحركاتٍ بهلوانية مستحيلة للبقاء على قيد الحياة.

رأيتُ دان يندفع للأمام، لم يكن يهرب، بل كان يهاجم الفراغ. وفجأة، انطلق سلكٌ ذهبي من زاويةٍ ميتة وضرب كتفه الأيسر. تشاااااااااااااك!

اخترق السلكُ العضل والعظم، وخرج من الجهة الأخرى لـ يغرس في الأرض. توقعتُ أن يتوقف دان، أو يصرخ، أو حتى يتراجع. لكنه فعل العكس تماماً. لم يحاول حتى نزع السلك؛ بل استمر في الركض والقفز، والدمُ يتطايرُ من كتفه المصاب ليصبغ ثيابه البيضاء بلونٍ قرمزي وحشي. كان يضحك، ضحكةً مجنونة تختلطُ مع صوت تمزق لحمه.

"هذا هو الألم الذي أحبه!" صرخ دان وهو يلتوي في الهواء لتجنب سلكٍ آخر كاد أن يشطر خصرَه. "جان! هل هذا كل ما تملك؟ أريد المزيد!"

أما ريو، فكان يقاتلُ ب يأس. نصلُ الفجر في يده كان يرسمُ أنصاف دوائر من الضوء لصدي الأسلاك، لكن سرعة الأوتار الذهبية كانت تفوقُ قدرته على التحمل. رأيتُ التعب يغزو ملامحه، والأسلاك بدأت تخدشُ درعه الملكي في كل مكان.

شعرتُ بـ غضبٍ بارد يكتسحُ كياني. نظرتُ لـ ريو المتعب، ولـ دان الذي كان يمزق جسده ب رعونة، ثم رفعتُ نظري نحو جان الذي كان يصفقُ ب يده منتشياً ب مشهد دمائنا.

في تلك اللحظة، حدث شيءٌ في أعماقي. لم يعد الأمر يتعلقُ بـ "التجدد الهائج" فقط؛ بل كان استجابةً لـ نداء "الخطيئة" المكبوتة بداخلي.

تحولت عيناي ب بطءٍ لـ اللون الأحمر الداكن، وخرج بخارٌ كثيفٌ وساخن من مسام جلدي. عيني الحمراء توهجت ل درجة أنها أضاءت العتمة حولنا، ونصل "خطيئة" بدأ يرتجفُ ب جنون، متحولاً لـ وهجٍ أحمرٍ داكنٍ يشبهُ الدماء المتجمدة.

لقد تجاوزتُ حدود البشر.

انطلقتُ نحو الأوتار الذهبية. لم أعد أتفاداها؛ كنتُ أقطعها. نصلي الأحمر كان يصطدم ب أوتار الذهب فيصدرُ صوتُ انفجاراتٍ مانا هزت القاعة.

طراااااااااخ! طراااااااااخ!

كانت الأوتار الذهبية قوية ل درجة مرعبة، لكن "خطيئة" كان يلتهمها. كنتُ أتحركُ كـ الوميض الأحمر وسط الغابة الذهبية، أقطعُ كل وترٍ يقتربُ من ريو أو دان. كل ضربةٍ مني كانت تتركُ خلفها أثراً من النار الحمراء التي لا تنطفئ.

توقف جان عن الضحك فجأة. اتسعت عيناه ب ذهول وهو يرى أوتاره "المقدسة" تتساقط كـ القش تحت نصلي. قبض ب يده على حافة الشرفة ل درجة أن الرخام تفتت تحت أصابعه.

"توقف! تبًا لك يا أيها الشبح!" صرخ جان ب صوتٍ مليء ب الحقد والجنون. "هل تعرفُ ما الذي تدمرُه؟ هذه الأوتار.. لقد صنعتُها من أمعاءِ وأعصابِ جثثٍ ملكية! لقد قضيتُ سنواتٍ في معالجتها ب السحر والدم ل تكون غير قابلة ل الكسر! كيف تجرؤُ على تدنيس فني ب قذارتك؟"

لم أجبه. كان عقلي في حالةٍ من التركيز الكامل. بـ ضربةٍ أخيرة دائرية، أطلقتُ موجةً من الطاقة الحمراء الداكنة التي اجتاحت القاعة ب أكملها.

ششششسسسسسست!

تقطعت كل الأوتار الذهبية في آنٍ واحد، وتساقطت على الأرض كـ قطعٍ من الحلي الرخيصة. ساد هدوءٌ مفاجئ وثقيل. كنا نقفُ وسط الحطام؛ دان يلهثُ والدمُ يغطيه، وريو يسندُ نفسه على سيفه، وأنا.. كنتُ أقفُ تحت الشرفة مباشرةً، وهالتي الحمراء لا تزالُ تتبخرُ من جسدي.

[سيدُ المسرح الحقيقي]

نظر جان إلينا من الأعلى ب صمتٍ طويل. لم يكن غاضباً الآن ب الطريقة المعهودة؛ بل كان هدوءهُ أرعب من جنونه. بدأ ب حركاتٍ بطيئة ومنتظمة.

رفع يديه ل الأعلى، وبدأ يربطُ شعره الطويل المنسدل ل الخلف ب ربطةٍ جلدية، كاشفاً عن وجهه الشاحب المشوه ب ندوبٍ دقيقة. ثم، وب برودٍ تام، بدأ يخلعُ قفازاته البيضاء الملطخة ب الدماء.

كانت يداه تحت القفازات مرعبتين؛ كانت الأصابعُ طويلة ب شكلٍ غير طبيعي، ومغطاةً ب طبقةٍ من الجلد القاسي الذي يشبهُ الحراشف، وأظافرهُ كانت حادةً كـ الإبر.

قفز جان من الشرفة العالية. لم يطير، بل هبط ب خفةٍ كأنه ريشة، واستقام في وقفته أمامنا مباشرة. كان جسده نحيلاً لكنه مشدودٌ كـ وترِ القوس، وعيناه كانتا تشتعلان بـ رغبةٍ في التشريح.

"لقد أثبتم أنكم جمهورٌ متعب.." قال جان وهو يطقطقُ رقبتَه ب صوتٍ مسموع. "لكن العرضُ الحقيقي لم يبدأ بعد. الأوتارُ كانت مجرد ديكور. الآن.. أحتاجُ أن أريكم ما معنى أن تكون سيد المسرح.. سأقومُ ب تشريح أرواحكم وأنا أنظرُ في عيونكم."

رفع جان يديه العاريتين، وبدأت مانا سوداءُ لزجة تخرجُ من أطراف أصابعه، مانا لم أشعر ب مثلِ قذارتها من قبل.

"استعد يا ريو.. وتجهز يا دان،" همستُ وأنا أرفعُ نصل "خطيئة" ل مستوى عيني. "هذه المرة.. الجزارُ لن يقاتلُ ب الأسلاك.. سيقاتلُ ب يديه."