أصل الخطيئة
الفصل 82 - تحالفُ الشياطين

أصل الخطيئة - الفصل 82 - تحالفُ الشياطين

[الهبوط: ارتطامُ الجحيم]

لم تكن قفزة "دان" من فوق ذلك المبنى مجرد حركةٍ جسدية عادية؛ بل كانت سقوطاً لنيزكٍ من الجنون المحض فوق الساحة. حين ارتطمت قدماه بالأرض، لم يصدر صوتاً عادياً، بل دوى انفجارٌ ميكانيكي هز أركان الضاحية بأكملها. شعرتُ بالرخام الصلب تحت قدمي يتأوه، وتحطمت الأرضية تحت وطأة هبوطه، وتطايرت الشظايا كأنها قذائف، بينما غطى الغبار الكثيف المكان لفترة وجيزة، كأن الطبيعة نفسها كانت تحاول إخفاء هذا المسخ عن الأعين أو لفظه بعيداً عنها.

وسط ذلك الغبار، انقشع الظل ليظهر "دان" واقفه ببرودٍ يثير الاشمئزاز. كان لباسه الأبيض ناصعاً بشكلٍ مستفز، وكأنه لم يمر عبر جثثٍ وأشلاء قبل قليل، وهو ما تناقض بحدةٍ مقززة مع دماء "رونان" التي كانت لا تزال دافئة وتلطخ الرخام الأبيض. جسده العضلي الضخم كان يفيضُ بطاقةٍ خام، طاقة غير مستقرة لدرجة أنها جعلت الهواء من حولي يطنُّ في أذنيَّ كصوت آلاف الحشرات الجائعة، وشعرتُ بأن ذرات الأكسجين نفسها أصبحت ثقيلة وصعبة الاستنشاق.

بدأ يدورُ حول "ريو" ببطء، بوقفةٍ مفترسة تشبه ذئباً جائعاً يتفحصُ قرباناً ملكياً. لمحتُ ريو وهو يشدُّ على نصل "الفجر" بيدٍ ترتجفُ من فرط الإرهاق والنزيف؛ كانت جروحه عميقة، ووجهه شاحباً، لكن عينيه الذهبيتين ظلتا ثابتتين كالشمس، ترفضان الانكسار أو إظهار الوهن أمام هذا الكيان الذي يفوح منه الموت.

"همممم.." دندن دان بصوتٍ رخيم وعميق، وهو يميلُ برأسه بزاوية غير طبيعية كأنه يدرسُ لوحةً فنية مشوهة. "ريومين.. لديكم عضوٌ مثيرٌ هنا.. قوي.. تفوحُ منه رائحةُ 'العدالة'.. رائحةٌ مقززة، أليس كذلك؟" ثم اقترب من ريو وغمغم، واستنشق الهواء بعمقٍ مبالغ فيه، لتتسع ابتسامته لدرجةٍ كشفت عن أسنانه بشكلٍ جعل فرائص نيرو ترتعد فوق السطح. "لكن.. انتظر.. ثمة شيءٌ آخر. رائحةُ دماءٍ ملكية.. دماءٌ قديمة.. دماءٌ طاهرة تتسخُ الآن بلمسك يا راي. يا لها من مفارقة!"

[الصدام: شراراتُ الإبادة]

لم أعد أحتملُ كلماته أو وجوده المستفز أكثر. في لحظةٍ واحدة، انفجرتُ من مكاني، محولاً جسدي إلى خطٍ أسود لا تدركه الأبصار البشرية. سحبتُ نصل "خطيئة" الأرجواني الذي بدأ يصرخ في يدي طالباً الذبح، ووجهتُ طعنةً مستقيمة نحو قلبه. لكنه، وبحركةٍ ميكانيكية باردة وسريعة بشكلٍ لا يُصدق، رفع ساعده المكسو بقطعٍ معدنية غريبة وصدَّ ضربتي ببرود.

بُووووووووم!

موجةٌ ارتدادية عنيفة من المانا السوداء دفعتني للخلف عدة أمتار، لكنني لم أتوقف. استخدمتُ قوة الدفع لأدور حول نفسي وأوجه ركلةً مشحونة بطاقة "العدم" نحو رأسه، فصدها بكفه العارية وكأنه يصد ذبابة. دَوى صوت انفجار طاقة هزَّ جدران القصر المجاورة وحطم ما تبقى من نوافذ الشرفة الرخامية. تراجعنا عن بعضنا؛ كنتُ ألهث بحدة، وعيني الحمراء تشتعلُ بوهجٍ جنوني يتغذى على حقدي، بينما وقف هو ينفضُ الغبار المتخيل عن كمه الأبيض بهدوءٍ جعل دمي يغلي في عروقي.

"هاهاهاهاها!" انفجرت ضحكته لتمزق سكون الليل، ضحكة شعرتُ بصداها يرتجف في نخاع عظام نيرو المختبئ فوق السطح. "منذ ثماني سنوات لم أستمتع هكذا! يالك من ممتعٍ حقاً يا أيها الشبح! لقد نضجتَ لتصبحَ وحشاً يليقُ بطموحاتي. ذلك النصل.. 'خطيئة'.. بدأ يعترف بك كخالقٍ للدمار."

توقف فجأة عن الضحك، وبدأ يمسحُ ثيابه بعناية مفرطة وكأن هندامه أهم من أرواحنا. "لكنني لم آتِ للقتال الليلة، على الأقل ليس معكم. لو كنتُ أريدُ قتالكم، لقلعتُ رؤوسكم جميعاً في تلك اللحظة التي كنتم فيها مشتتين بتمثيليةِ هذه الجثة الضعيفة المسماة برونان."

نظر إلى جثة رونان، وإلى العين التي حشوتُها في فمه، ثم رمقني بنظرة إعجابٍ مريضة ومخيفة. "لكن.. أعجبتني جداً حركتك بوضع علامتي المميزة. أنت تشبهني يا راي.. مهما حاولتَ إنكار ذلك بوشاحك الأسود وشعاراتك الواهية عن المنظمة والولاء.. فإن هذا القتل يعجبك.. هذا التشويهُ يغذي شيئاً مظلماً وجائعاً في أعماقك. نحن من طينةٍ واحدة."

[الصراع الداخلي: مرآة الشيطان]

ساد صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى صوت تقطر الدماء من نصل ريو. في تلك اللحظة، ولأول مرة منذ سنوات، تراجعتُ ذهنياً إلى الداخل. سألتُ نفسي بصوتٍ خافت لم يسمعه غيري: "هل أنا حقاً استمتعُ بهذا؟ هل كان اقتلاع عين رونان ضرورة استراتيجية لتمويه بارون.. أم كانت لذة مكبوتة لرد الصاع صاعين؟" أحسستُ ببرودةٍ تسري في روحي حين لم أجد إجابةً شافية، لكنني طردتُ الفكرة فوراً، وركزتُ بصري على الشيطان الذي أمامي.

"لم أستطع دمج 'قلب التنين' اللعين في جسدي بعد،" قال دان بنبرةٍ فجائية حملت شيئاً من الضيق الصادق. "إنه يرفضُ جسدي البشري، يحتاجُ لشيءٍ أكبر.. لوسيطٍ أنقى لكي يكتمل الالتحام. لكن.. في ظل هذه الفوضى، لدينا فرصةٌ ذهبية يا راي. الفرصةُ التي نقطعُ فيها رقاب بارون وحراسه ونستحوذُ على هذه المملكة الملعونة. أنت وأنا.. تخيل ما يمكننا فعله برأس هذا الهرم."

مدَّ يده الضخمة والملطخة بالدماء نحوي، وعيناه تلمعانِ بإغراءٍ شيطاني لا يقاومه إلا من ذاق الويل. "راي.. صافحني، وأقسم لك أننا سنمحي حكم بارون من هذه الأرض خلال ساعات. لن نترك حجراً فوق حجر، وسنجعل 'دراكا' ساحةً لألعابنا."

موقع مَــركُز الرَّوَايــات يضمن لكم أفضل ترجمة، الرجاء دعمه بقراءة الفصول داخله. markazriwayat.com

نظرتُ إلى تلك اليد الممدودة. في عقلي، كانت الأفكار تدورُ بسرعةٍ مذهلة كتروس ساعةٍ مجنونة. دان يملكُ القوة الغاشمة التي تفتقر إليها "ريومين" لاختراقِ درع بارون الزمكاني وتقنية الانعكاس مباشرةً. هو ليس عدواً في هذه اللحظة؛ هو أداة. أداةٌ انتحارية، خطرة جداً، لكنها المفتاح الوحيد لقصِّ جذور المملكة دون استنزاف جيشنا الصغير. إذا كنتُ سأستغله، فعليَّ أن أجعله يظن أنه هو من يمسك بزمام المبادرة.

[المقامرة الكبرى: الرقص مع الذئب]

"بالتأكيد،" قلتُها بنبرةٍ خلت من أي تردد، نبرة صلبة كالجليد. تقدمتُ وصافحتُ يده الضخمة. شعرتُ ببرودة معدنه تخترقُ جلدي، وكأنني ألمسُ جثةً لا تزال تتحرك. لمحتُ ذهول ريو ونيرو؛ جحظت عيناهما بذكاء مشوب بالذعر والرفض. "راي؟ ماذا تفعل؟" صرخت عينا ريو بذهول. التفتُّ إليهما لثانية واحدة، منحتُهما ابتسامةً خفيفة، ابتسامة أدركا فحواها فوراً بفضل سنوات التدريب: "إنه فخٌ للاستخدام. سنمتطي ظهر هذا الشيطان حتى نصل للقصر، ثم نذبحه."

"جميل! رائع!" صرخ دان بفرحٍ طفولي مخيف وتصفيقٍ مريب. "لن تندم يا راي. وبما أننا فريقٌ واحد الآن.. دعني أخلصك من الأعباء الزائدة. سأقتلُ ذو الشعر الأبيض هذا الآن لأنه يفوح برائحة الضعف، وقم أنت بقتل ذلك الجرذ الضخم الذي يختبئ في الأعلى ويراقبنا برعشة الخائفين."

في تلك اللحظة، خرج نيرو من مخبئه فوق السطح رغماً عنه، وجسده يرتجفُ بشكلٍ لا إرادي. لقد كان دان يعلمُ مكانه ويحدد موقعه ب دقةٍ منذ اللحظة التي هبط فيها. وبدون سابق إنذار، انقضَّ دان على ريو. وبسرعةٍ لم يملك ريو المنهك أي وسيلة لصدها، أمسكه دان من رقبته وبدأ يرفعه للأعلى بيدٍ واحدة، مسبباً صوتاً مخيفاً في فقرات رقبة ريو.

"توقف!" صرختُ بصوتٍ حازمٍ هز الساحة، وتقدمتُ خطوةً واثقة نحوه، واضعاً يدي على مقبض سيفي مرة أخرى. "لا تقتله. إنه قطعةٌ أساسية في خطتي لاستغلال الفوضى التي سنحدثها في صفوف الجيش. إنه دليلنا داخل الأنفاق التي لا تعرفها."

نظر دان إليَّ باستغراب، وهو لا يزال يحمل ريو المعلق كالدمية بين يديه. "لماذا؟ إنه ممل.. ورائحتهُ تذكرني بأشياءٍ حاولتُ نسيانها."

"ستأتي معي الآن يا دان،" قلتُ بنبرةٍ آمرة لا تقبل الجدل، نبرة جعلت دان يميل برأسه باهتمام. "سنذهبُ إلى المقر الرئيسي لعصابة ريومين. هناك سنضعُ المخطط النهائي للهجوم. أنت تملكُ القوة الغاشمة لتمزيق الحراس، وأنا أملكُ المعلومات، التكتيك، والجيش المنظم. تعاونُنا الليلة يعني أن سقوط بارون لن يستغرق أكثر من ساعات."

أرخى دان قبضته قليلاً، ورمقني بنظرة فاحصة، نظرة ذئبٍ يحاول شم رائحة الفخ. "ماذا تعني بقولك هذا يا راي؟ أن آتي لعقر دار من يريدون قتلي؟ هل تظنني أحمقاً لا يعلمُ أن سكايرو وجينا يطبخون موتي منذ سنوات؟ هل تظن أنني سأدخل زنزانةً أسميتموها مقراً؟"

أجبتُه ببرودٍ صقيعي، وعيناي ثابتتان في عينيه: "إن أردتَ أن تستحوذ على 'قلب التنين' وتخضع المملكة، فعليك استغلال المنظمة بأكملها. ريومين هي الجيش الذي سيفتحُ لك الأبواب التي أُغلقت في وجهك، وسيوفرُ لك الغطاء اللازم بينما تمزقُ أنت النخبة. أنا لا أطلبُ منك الثقة.. أنا أعرضُ عليك تحالفاً استراتيجياً مؤقتاً. اختر يا دان.. إما أن تظلَّ وحشاً تائهاً يطارده الجميع في الأزقة، أو تصبح القوة العظمى التي تجلس على عرش 'دراكا' قبل الفجر."

[العهدُ المظلم: السيرُ في ظلال الفناء]

نظر دان إلى ريو، ثم رماه بقسوة على الأرض الرخامية ليرتطم جسده بالأنقاض. ثم اقترب مني ببطء حتى تلاقت أنفاسنا، وكان طوله الفارع يجبرني على رفع رأسي قليلاً، لكنني لم أتراجع شبراً واحداً.

"حسنٌ.. لك ذلك يا 'شريكي' الجديد. سآتي لقصركم الصغير، لأرى كيف سنحرقُ هذا العالم معاً،" همس دان بصوتٍ عميق ومرعب جعل ذرات الهواء تهتز من حولي. "لكن.. تذكر جيداً يا راي.. إن فكرتَ ولو لثانيةٍ واحدة أنك أنت من يمسك الرسن.. أو إن أحسستُ بقطرةِ غدرٍ واحدة في ذلك المقر.. سأقتلعُ عينيك الجميلتين بيدي هاتين، وسأجعلك تأكلهما وأنت تسمع صراخ أصدقائك وهم يُطحنون حولك."

ابتسمتُ له ببرودٍ مصطنع، رغم القشعريرة التي سرت في عمودي الفقري وشعرتُ بها كإبرٍ من الجليد. "اتفقنا. لنتحرك، الوقت ليس في صالحنا."

انطلقنا جميعاً في ظلام الليل الدامس، كنتُ في المقدمة، ودان يتبعني بخطواتٍ ثقيلة وواثقة كوقع طبول الحرب. كنتُ أشعرُ بثقله خلفي، كمن يمشي وبجانبه إعصارٌ محبوس في زجاجة قد ينفجرُ في أي لحظة ويمحو كل شيء. ريو ونيرو كانا يتبعاننا بذهولٍ صامت، يدركانِ أنني قد أدخلتُ الشيطان الأكبر إلى بيتنا، ليس بدافعِ اليأس، بل كخطوةٍ أخيرة ومقامرةٍ كبرى لاستغلالِ قوته في سحقِ العرش الملكي، قبل أن نجدَ في المقر الطريقة المناسبة لخنق هذا الوحش في ظلامنا للأبد.

بدأت دراكا تتغير ملامحها في نظري؛ لم تعد مجرد مدينة، بل أصبحت مسرحاً لـ "مأدبة أرواح" كبرى، حيث تجتمع الشياطين لتصفية حساباتها القديمة فوق جثث الأبرياء.