أصل الخطيئة
الفصل 77 - نصلُ الفجر

أصل الخطيئة - الفصل 77 - نصلُ الفجر

[هديةُ الحداد: نصلُ العهد]

بعد أن سكنت عاصفة الحقيقة التي ألقيتُها على مسامع ريو بجانب قبر أمه، ساد صمتٌ طويل لم يقطعه سوى حفيف الأشجار. نظرتُ إلى ريو؛ لم يعد ذلك الطفل الذي يطارد الفراشات، بل صار تنيناً يستعد للتحليق وسط النيران.

أخرجتُ من خلف وشاحي صندوقاً طويلاً ملفوفاً بجلدٍ قديم. "ريو.. اقترب." وقف الشاب ذو الشعر الأبيض أمامي بوقار. فتحتُ الصندوق، فانبعث ضوءٌ خافتٌ كأنه الفجر يخرج من عتمة الليل. كان نصلاً ذهبياً يلمعُ ببريقٍ ملكي، حوافهُ بيضاء كأنها نُحتت من غيومٍ مقدسة، ومقبضه مرصعٌ بحجرٍ ذهبيٍّ نادر.

"هذا النصل.. أهداه لي العجوز أرين قبل سنوات،" قلتُ وصوتي يحملُ ثقلاً لا يعرفه غيري. "في السنة الثالثة من تدريبنا، عندما أخبرتُه بالخفاء أنني أرعى طفلاً يحملُ في عروقه أملاً مفقوداً، لم يسألني أرين عن اسمك، بل ذهب إلى فرنه وصهر كرهه وأمله في هذا السلاح. قال لي: 'أعطه لمن سيغرسُ النور في قلب الظلام'."

أمسك ريو بالنصل. بمجرد أن لامست أصابعه المقبض، شعرنا باهتزازٍ في الهواء. لمعت عيناه الذهبيتان ببريقٍ جديد. "سيد راي.. هذا الجمال.. لا يستحقه إلا من يقدر قيمته،" همس ريو وهو يمرر يده على الحافة البيضاء الحادة. "أقسمُ بدمِ والدي، وبيدِ العجوز التي صنعته، أن هذا النصل لن يذوق الغمد حتى يغرق في دماء من خانوا 'دراكا'."

[العودةُ إلى دراكا : صدمةُ النورِ والزيف]

بعد أيامٍ من التدريب المكثف على السلاح الجديد، قررتُ أن الوقت قد حان. "ريو.. استعد. الليلة سنطأ أرض المدينة." تحركنا تحت جنح الضباب. كانت المرة الأولى التي يغادر فيها ريو حدود الغابة الشرقية منذ ثماني سنوات.

[ذكرياتُ الظل: ريومين والحدّاد]

بينما كنا نسيرُ نحو المدينة، استرجعتُ شريط الثماني سنوات. الثقة لم تُبنى في ليلةٍ وضحاها. في السنة الثالثة، عندما توسعت عصابة "ريومين" وأصبحت المنظمة الأقوى في ظلال دراكا، كنتُ أحتاجُ لعينٍ خبيرةٍ ومعداتٍ لا يملكها القتلة.

اعترفتُ ل أرين ( العجوز الذي صنع نصلي ) بحقيقة عملي مع سكايرو. لم يرتعب، بل ابتسم وقال: "أنا أصنعُ السلاح، وأنت تستخدمه.. نحن وجهان لعملةٍ واحدة." ومنذ ذلك اليوم، صار أرين هو "الرئة" التي تتنفس منها العصابة أخبار السوق والمعادن.

أتذكرُ عندما جاء سكايرو بنفسه إلى ذلك المتجر الصغير. كان المقر الرئيسي لريومين قد أصبح قلعةً تحت الأرض، تضجُّ بالمئات من المقاتلين والعلماء. "سيد أرين،" قال سكايرو وهو يعدل نظارته ببرود. "هذا المكان القذر لا يليق بعبقريتك. المقر الجديد يملكُ أفراناً سحرية وتقنياتٍ لم تشهدها دراكا. تعالَ لتعمل معنا ككبيرِ الحدادين." لكن أرين، برغم ضعفه، هزَّ رأسه برفضٍ قاطع. "شكراً لك يا سكايرو، لكنَّ جدران هذا المتجر تحملُ أنفاس تلاميذي الذين قُتلوا. أريدُ أن أبقى هنا، وسط غبار ذكرياتي، لأشهدَ نهاية بارون من هذا الثقب الصغير."

[دراكا: العودةُ المُرّة]

دخلنا المدينة. كان ريو يرتدي وشاحاً طويلاً يخفي شعره الأبيض المميز. توقف الشابُ مذهولاً وهو يرى شوارع العاصمة لأول مرة منذ ثماني سنوات. الأضواء، الزحام، والقصور البعيدة التي تتلألأ تحت ضوء القمر. "هل كل هذا الجمال.. بُني على كذبة؟" سأل ريو بصوتٍ يحملُ قهر السنين. "الجمالُ هو القناعُ الذي يرتديه القبح يا ريو،" قلتُ له وأنا أسحبُه بعيداً عن أعين الحراس. "لا تنظر للأضواء، انظر للدماء التي سُفكت لتضيء هذه الشوارع."

مشينا في الأزقة الجانبية، أتجنبُ دوريات حراس أسورا التي صارت أكثر كثافة. كان ريو يراقبُ الناس باهتمام؛ رأى المتسولين، ورأى النبلاء في ثيابهم الحريرية. كان يمتصُ كل تفصيلة، وصدره يضيقُ غضباً مع كل مشهدِ ظلمٍ يصادفه.

مَرْكُـز الرِّوايات يحذّركم من أن هذه الأحداث خيالية ولا علاقة لها بالواقع.

[متجرُ الأسرار: أنفاسُ النهاية]

وصلنا إلى متجر العجوز أرين. المتجر الذي كان ملاذي لثماني سنوات. دفعتُ الباب، لكن الجرس لم يرن هذه المرة؛ كان صامتاً، كأن الحياة غادرت المكان. "سيد أرين؟" ناديتُ، لكن الصمت كان هو الجواب الوحيد. دخلتُ إلى الغرفة الخلفية، حيث تفوح رائحة الزيت المحروق والأعشاب الطبية المرّة. هناك، على فراشٍ خشبيٍّ صلب، كان أرين يرقد. كان جسده قد ذبل تماماً، وعروقه برزت فوق جلده الشاحب كخريطةٍ لموتٍ وشيك.

"أرين.. لقد عدت،" قلتُ وأنا أقترب من فراشه. فتح العجوز عينيه ببطءٍ شديد، كان بصرُه مشوشاً، لكنه ما إن لمح ظلي حتى حاول الابتسام. "راي.. أيها الشبح اللعين.. هل جئتَ لتشهدَ انطفاء شعلتي الأخيرة؟"

"لم آتِ وحدي يا أرين،" قلتُ وتنحيتُ جانباً لأكشف عن ريو الواقف خلفي. "لقد أحضرتُ لك الطفل الذي أخبرتك عنه.. الطفل الذي صنعتَ له نصل الفجر."

[الذهولُ الملكي: لقاءُ التنينِ والحداد]

التفت أرين بجهدٍ خرافي، وعندما وقع بصره على ريو، حدث شيءٌ غريب. ارتجف جسد العجوز بالكامل، واتسعت عيناه لدرجةٍ مرعبة. حاول رفع يده المرتجفة نحو وجه ريو. "آرثر…؟؟" صرخ بصوتٍ مخنوقٍ بالدموع والذهول. "سيدي الملك.. هل عدتَ من قاع البحر لتغفر لي؟"

انحنى ريو ومسك يد العجوز برفق. "أنا لستُ آرثر يا سيد أرين.. أنا ابنه، ريو. وقد أتيتُ لأشكرك على هذا النصل."

سقطت دموع أرين الساخنة على يد ريو. ضحك ضحكةً مريرة ممزوجة بالسعال. "ريو.. نعم.. ريو. أنت تشبهه لدرجةٍ تحرق القلب. نفسُ الملامح، نفسُ العيون الذهبية التي تشعُ عدلاً.. لكن.." توقف أرين وتفرس في وجه ريو بدقة ".. ملامحك حادة.. هناك وحشيةٌ تسكنُ تحت جلدك.. أنت لستَ طيباً كوالدك يا بني. لقد تربيتَ على يدِ شيطان، وهذا ما جعل منك السلاح الذي يحتاجه هذا العالم."

[حكايةُ الدمِ المفقود: جرحُ أرين]

أغمض أرين عينيه واستند برأسه للخلف. "آرثر كان قلباً يسيرُ على الأرض.. ولهذا قتلوه. كنتُ الحداد الملكي الأول، كنتُ أصهرُ الحب في دروعه..، بعد موته لم يكتفِ بارون بقتله، بل أرسل أبناءه، موريل وسيريل، إلى ورشتي. قتلوا تلاميذي الصغار.. أولئك الأطفال الذين كانوا ينادونني 'جدي'.. ذبحوهم أمام عيني لأنهم رفضوا الكشف عن مكان الدروع الملكية المخبأة."

اشتعل الغضب في صدري كالحمم البركانية. شعرتُ بنصل "خطيئة" يهتز في غمدِه خلف ظهري، وعيني الحمراء بدأت تتوهجُ بوميضٍ شيطاني. أرين أكمل بصوتٍ محطم: "تركوني حياً لأتعفن في ندمي، ظنوا أنني انتهيت. لكنني بقيتُ أتنفس لكي أرى هذه اللحظة."

[ من أنا ؟ ]

ساد هدوءٌ جنائزي في الغرفة. نظر أرين إليّ بعينين ذابلتين لكنهما ثاقبتان. "راي.. أنت لستَ مجرد قتّالٍ مأجور. منذ اليوم الأول الذي دخلتَ فيه متجري، رأيتُ في عينيك ثقلاً لا يمكن لبشريٍّ في هذا العالم أن يحمله. عيناك تحملان حزناً غريباً، كأنك لا تنتمي لهذه الأرض، كأنك تحمل خطايا عالمٍ آخر بالكامل."

سكتُّ لدقائق. كانت أنفاس العجوز المتهدجة هي الصوت الوحيد. شعرتُ بريو ينظر إليّ بتمعن. لقد حان الوقت لتفريغ جزءٍ من الصندوق الأسود الذي يسمى "ذاكرتي"…