أصل الخطيئة
الفصل 75 - نُدوبُ الرُّوح

أصل الخطيئة - الفصل 75 - نُدوبُ الرُّوح

[الوعاءُ الكامل: تشريحُ المسخ]

لم تكن عودتنا إلى المقر مسيرة نصر، بل كانت جنازةً صامتة. خيم فوقنا صمتٌ مطبق ومخنق، بينما كنا نتسلل عبر عروق "دراكا" الضيقة والرطبة، نحمل ثقل أجسادنا المحطمة وكبرياءنا المذبوح. لم يقطع هدوء القبو إلا أنين "نيرو" المكتوم الذي كان يشبه حشرجة الموت، والوقع الرتيب لخطوات "جينا" المثقلة بالألم وهي تجر قدميها فوق الحجر البارد. كنا مجرد أشباحٍ عائدة إلى ضريحها.

كان "سكايرو" ينتظرنا في القاعة المركزية، وجهه الذي كان عادةً قناعاً من البرود الفكري بدا شاحباً، ولا يزال مسكوناً بتلك اللمحة الخاطفة التي رآها من كيان "دان" المرعب. وبمجرد دخولنا، اندفعت أطقم الإسعاف التابعة للنقابة؛ فامتلأ الهواء فجأة برائحة المطهرات الحادة والوخز الإيقاعي للأدوات الجراحية. وُضع "نيرو" و"جينا" كدمى مهشمة على الطاولات، وبدأت صرخات الألم المكتومة تملأ المكان مع كل غرزة إبرة تخترق اللحم.

أما عينا "سكايرو"، فلم تفارقني لحظة واحدة. تقدم نحوي، والضوء المنبعث من المشاعل ينعكس على عدسات نظارته المحطمة، ثم مد يده وأمسك بكتفي؛ كانت يده ترتجف بشكلٍ ملحوظ.

"راي.. اخلع قميصك الآن،" قال بصوتٍ خافت ومشحون.

أطعتُ أمره دون كلمة. القميص الذي تيبس بفعل الدماء القانية وتمزق بفعل نِصال حراس "أسورا"، انسلخ عن جلدي بصوتٍ لزج ومقزز. تجمد "سكايرو" في مكانه، وعدل نظارته، وانحنى ليكون قريباً جداً لدرجة أنني شعرت بحرارة أنفاسه المتسارعة. بدأ يمرر أصابعه على صدري، أضلاعي، وظهري؛ تلك المواضع التي تلقت ضربات "دان" الكارثية ونِصال الفولاذ الملكي التي كان من المفترض أن تترك وراءها خريطة من الندوب والعظام المحطمة.

"مستحيل.." همس سكايرو، وبدت علامات الرعب الوجودي واضحة على وجهه. "لقد رأيته يضربك.. سمعتُ صوت أضلاعك وهي تتشظى كالزجاج الجاف. رأيتُ الفولاذ ينهش كتفك. ولكن هذا.."

تلمس سكايرو مساحات جلدي الملساء والكاملة. لم تكن هناك كدمة واحدة، ولا خدش، ولا حتى ذلك الخط الفضي الباهت الذي يتركه الجرح عند انغلاقه. كان جلدي يبدو كأنه قطعة من الحجر المصقول، بارداً ومثالياً بشكلٍ يثير الغثيان. وكأن جسدي لم يعد بشرياً، بل قطعة من الحديد المصهور الذي يعاد تشكيله باستمرار في فرنٍ من الطاقة المظلمة.

"أنت لا تتجدد كالبشر يا راي،" قال سكايرو، وصوته يرتجف بمزيج من الذهول والرهبة. "أنت تُعاد كتابتك. لقد أصبحت وعاءً يرفض الاعتراف بمفهوم الإصابة أصلاً. لم تعد رجلاً؛ أنت تتحول إلى سلاحٍ حي، مادةٌ من التحدي الصرف التي لا تقبل الكسر."

[أنينُ الظلال: حكايةُ لوكا]

تركتُ "سكايرو" غارقاً في حساباته، واتجهتُ نحو الركن المظلم حيث كانت ترقد "جينا". كانت تبدو كطيفٍ مكسور تحت وهج المصابيح الخافتة. الضمادات لفت خصرها وكتفها بإحكام، لتبدو بيضاء ناصعة فوق جلدها الشاحب كالمرمر. لم تكن تنظر إليّ؛ كانت عيناها متسمرتين في سقف القبو، وكأنها ترى ماضياً لم أكن أعرف عنه شيئاً.

جلستُ بجانبها، وأسندتُ مقبض "خطيئة" الأسود إلى جانب السرير. كان السيف يصدر طنيناً خفيضاً، اهتزازاً مفترساً بدا وكأنه يتناغم مع الإيقاع المظلم لقلبي النابض.

"لقد عاد.. الجزار قد عاد،" همست جينا، وصوتها يرتجف بمرارة طعمها يشبه طعم الدم القديم والحديد الصدئ.

التزمتُ الصمت، تاركاً الظلال تلتف حولنا. وفجأة، انفجر صمام الأمان في قلبها، وبدأت جينا تتحدث بكلماتٍ متلاحقة ومضطربة، وكأنها تحاول إفراغ سمٍّ ظل ينهش في روحها لسنوات.

"لم أولد قتيلة يا راي،" بدأت حديثها وعيناها لا تزالان معلقتين في الفراغ. "ولدتُ في أحشاء 'دراكا' المتعفنة والرطبة، في الأزقة التي لا تصلها الشمس أبداً. الجوع.. هل تعرف الوجه الحقيقي للجوع؟ إنه ليس مجرد رغبة في الطعام؛ إنه وحشٌ يسكن في نخاع عظامك، ينهش كرامتك حتى لا يبقى منك سوى غلافٍ خاوٍ. عندما كنتُ في العاشرة، وأخي الصغير 'لوكا' في الرابعة، تخلى عنا والدانا. تركونا في زقاقٍ متجمد تحت المطر، ورحلوا دون التفاتة واحدة، تاركين طفلين لـ تلتهمهما المدينة."

أغمضت عينيها، وشقت دمعةٌ ثقيلة طريقها عبر الغبار على خدها. "أنا من ربى لوكا. كان هو نوري، القطعة الوحيدة من روحي التي لم تتلوث بقذارة 'دراكا'. سرقتُ الخبز، تعلمتُ نشل المحافظ، واستخدمتُ خنجراً صدئاً لتهديد التجار.. كل ذلك لكي لا يسمع لوكا زئير الوحش في معدته. كان يتبعني كظلي، طفلاً بريئاً وجميلاً في عالمٍ مصنوع من الأنياب والمخالب. كبرنا في العصابات، تعلمنا كيف ننجو، ولوكا.. كان يملك هبةً من السماء؛ كان عبقرياً في التخفي، أسرع وأهدأ من أيٍّ منا."

[المجزرة: صرخةُ الشيطان]

أصبح تنفس جينا ضحلاً، وتشنج جسدها وكأنها تتلقى ضرباتٍ غير مرئية. وبدت حرارة الغرفة وكأنها انخفضت عدة درجات.

"قبل سنوات، كنا نحتفل بغنيمةٍ كبيرة في مقر عصابتنا. كنا نضحك، نشرب.. كنا نظن أننا أسياد العالم السفلي،" قالت بصوتٍ تحول إلى همسٍ رتيب ومرعب. "وفجأة، لم يفتح الباب؛ بل انصهر وتلاشى. دخل هو. كان ضخماً كالجبل، يفيض بالماليخوليا والجنون، وتلك الضحكة.. يا إلهي، تلك الضحكة لا تزال تتردد في كوابيسي في كل مرة أغمض فيها عيني. بدأ يقتل. لم يكن يعدم الناس فحسب؛ بل كان يفككهم. حطم الرؤوس بالجدران، مزق الأطراف بيديه العاريتين، وكأنه منتشٍ برائحة الدم وموسيقى تحطم العظام."

قبضت على أطراف سريرها حتى ابيضت مفاصلي. "حاولتُ إنقاذ لوكا. هجمتُ عليه بكل ما أملك. لكن بضربةٍ واحدة.. ضربةٍ واحدة عارضة، حطم خصري وأرسلني طائرةً عبر الغرفة كدمية محطمة. كنتُ ملقاةً في التراب، مشلولةً، مجبرةً على المشاهدة. لوكا.. لوكا الصغير والشجاع.. حاول طعنه بخنجره الصغير."

بدأ صدر جينا يعلو ويهبط بحدة، وتحول صوتها إلى نحيبٍ ممزق. "أمسك ذلك الوحش بلوكا من رقبته. رفعه في الهواء كقطعة لحم. وبينما كان لوكا يرفس ويحاول التماس الهواء، نظر إليّ ذلك الشيطان. ابتسم. كان يتذوق الرعب في عيني. ثم بدأ يكسر عظام لوكا.. واحداً.. تلو.. الآخر. كان يريدني أن أسمع الصوت. كان يرتشف صرخات توسلي وكأنها نبيذٌ فاخر. وفي النهاية.. وبينما كنتُ أرجو السماء أن تأخذ روحي بدلاً منه.. قبض على رأس لوكا بيده الأخرى.. وقطعه. رمى رأس أخي بجانبي، ثم رحل وهو يصفر لحناً جنائزيّاً وكأنه كان في نزهةٍ ممتعة. ظللتُ ملقاة في دماء أخي لساعات، أنظر في عينيه الميتتين وأرى الرعب المتجمد فيهما إلى الأبد. هذا هو 'دان' يا راي. لم يقتل أخي فحسب؛ بل ذبح روحي. واليوم، عاد لينهي ما بدأه."

[عَهدُ الهاوية: الحِقدُ المقدّس]

اشتعل غضبٌ بارد ومتبلور في مركز كياني؛ حقدٌ مقدس تجاوز كل ما شعرتُ به تجاه الملك أو أبنائه. قبضتُ على مقبض "خطيئة" بقوةٍ جعلت غلاف الجلد يئن تحت الضغط. ومض الضوء القرمزي المظلم لـ "العين الحمراء" في الظلال، عاكساً العنف الخالص الذي كان يطبخ في أفكاري.

"أقسمُ لكِ يا جينا،" قلتُ، وصوتي كان غريراً ومنخفضاً، وكأنه يتردد من قاع الهاوية نفسها. "هذا الشيطان الذي يتخذ من صرخات الأطفال تسلية.. سأجعله يصرخ. سأجعله يصرخ صرخةً تهتز لها أركان 'دراكا'. لن أكتفي بقتله؛ سأنتزع قلبه من صدره بيدي هاتين، وسأجعله يتمنى لو أنه لم يتنفس يوماً، وسأريه أن الموت الذي وزعه كالألعاب كان رحيماً مقارنةً بما ينتظره."

وقفتُ ومشيتُ نحو النافذة العالية والضيقة للمقر، أنظر إلى القصر الملكي الذي يلمع في الأفق البعيد. كان الغضب موجوداً، فرناً مستعراً، لكني أجبرته على التحول إلى تركيزٍ سريري بارد. لم أكن جاهزاً بعد. حراس "أسورا" الستة الذين واجهناهم كانوا تذكيراً قاسياً بالفجوة في القوة. "خطيئة" كان ليفياثان من الطاقة، لكني كنتُ لا أزال في البداية؛ ألمسُ قشور قوته الحقيقية. "العين الحمراء" كانت سيفاً ذا حدين يهدد بحرقي قبل أن أصل إلى هدفي.

[الجحيمُ المطهوُّ ببطء: توقيعُ الجزار]

في الصباح التالي، أصيبت مدينة "دراكا" بشللٍ من الرعب. انتشر خبر مقتل اللورد "فينسينت فانس" في الأحياء الراقية كالطاعون. كانت التفاصيل بشعةً لدرجةٍ منعت التقارير الرسمية من نشرها، لكن الهمسات في الحانات كانت واضحة: وُجد اللورد ممزقاً في مكتبه المحصن، وعينه اليسرى المقتلعة مغروسة في أعماق حنجرته؛ توقيع "دان" الذي لا يخطئه أحد.

الملك بارون، الذي استشاط غضباً واهتز كيانه، أمر بإغلاقٍ تام للأحياء النبيلة. وبدأ ابناه "موريل" و"سيريل" في تحريك ميليشياتهم الخاصة، وتصدعت أقنعتهم المتغطرسة تحت وطأة عودة "الجزار". الطبقة المخملية في "دراكا"، التي قضت سنوات تدهس رقاب الفقراء، كانت الآن ترتجف خلف الأبواب الحديدية.

دخلتُ غرفة العمليات الرئيسية حيث كان "سكايرو" غارقاً في جبلٍ من تقارير المخابرات. رفع رأسه، وكان وجهه شاحباً من قلة النوم. "العالم يشتعل يا 'بيهيموث'. بارون يطالب بالدم، والمدينة أصبحت برميلاً من البارود. ما هي خطوتنا؟ لا يمكننا البقاء في الظلال للأبد."

نظرتُ إليه ببرودٍ مطلق وخالٍ من أي تعاطف إنساني. كان وهج عيني الحمراء خافتاً ومستمراً كالجمر في الظلام.

"سننتظر يا سكايرو،" قلتُ، وصوتي يخلو من أي حرارة بشرية. "لن نندفع نحو أنياب حراس أسورا كالماشية العمياء. أحتاجُ وقتاً لأفهم ثقل 'خطيئة'. أحتاجُ أن يعتقد بارون أننا موتى، أو الأفضل من ذلك، أننا غير مؤثّرين."

ابتسامةٌ مفترسة ومظلمة ارتسمت على شفتي؛ ذلك النوع من الابتسامات الذي لا يصل إلى العينين، والذي يعد بفناءٍ مدروس ومنظم.

"الانتقام وجبةٌ يجب أن تُطهى على جمرِ جحيمٍ بارد. سأجعلهم يشعرون براحة الأمان المؤقتة. سأجعلهم يظنون أن 'الجزار' هو مشكلتهم الوحيدة. وعندما يصلون إلى قمة غطرستهم، عندما يظنون أن العاصفة قد مرت.. سأريهم كابوساً لن تجرؤ أي كتب تاريخ على تدوينه. سأحرق عرش بارون حتى يصير رماداً، سأفكك دان قطعةً قطعة، وسأستعيد حق ريو وآرثر.. قطرة دمٍ واحدة تلو الأخرى."