أصل الخطيئة
الفصل 65 - ظلُّ الجزار

أصل الخطيئة - الفصل 65 - ظلُّ الجزار

[بقايا الأرستقراطية: لوحةُ الفوضى]

لم تكن الغرفة الملكية مجرد مسرح لجريمة قتل عابرة؛ كانت بياناً وحشياً صارخاً، إعلاناً عن وجود قوة لا تعترف بقوانين البشر ولا بحرمة الملوك. السجاد المخملي الفاخر، الذي كان يفتخر "أدريان فاليريان" بنعومته وندرته، تشبع الآن بلزوجة الدماء الدافئة والثقيلة، متحولاً إلى مستنقع قرمزي يغوص فيه نعل الحذاء. الرخام الأبيض الذي صُقل بعناية ليعكس ضياء الشموع والثريات الكريستالية، صار الآن مرآة مشوهة تعكس أشلاءً لم تعد تشبه البشر في شيء.

جثة "أدريان" كانت ملقاة بإهمال في وسط الغرفة، كأنها دمية قماشية حطمها طفلٌ غاضب ثم ملّ منها. لكن الدقة في التقطيع، والطريقة التي فُصلت بها الأطراف عن الجذع، كانت تشي بشيءٍ أكثر رعباً من مجرد الغضب الأعمى؛ كانت تشي بالاستمتاع. لم يكن هناك أثر لقتال أو مقاومة؛ كان الأمر أشبه بعملية جراحية سادية نُفذت بدم بارد ودون ذرة رحمة.

خطوتُ خطوةً للأمام، ونبضات قلبي تضرب صدري بإيقاعٍ منتظم رغم الضغط الهائل. جينا كانت تقف خلفي، لكنني شعرتُ بروحها تهتز. ونيرو؟ كان قد تراجع خطوة، قوسه يرتجف في يده لأول مرة منذ عرفته.

وسط هذا الدمار، كان ذلك الرجل يجلس ببرودٍ قاتل. ضوء القمر يبرز شعره الأسود العميق كأنه قطعة من ليلٍ خالص، وعيناه.. عيناه الحمراوان كانت تلمعان بجمالٍ شيطاني، كياقوتٍ غُمس في دماء الأباطرة.

[المواجهة: عائلةُ القتلة]

وضع الرجل قدماً فوق الأخرى، ومسح خيطاً رفيعاً من الدم عن قفازه الجلدي، ثم نظر إلينا وابتسم ابتسامةً أظهرت صفاً من الأسنان البيضاء المثالية، لكنها كانت الابتسامة الأكثر رعباً التي رأيتها في حياتي.

"تأخرتم كثيراً يا عصابة ريومين.." قال الرجل، ثم انفجر بضحكة خافتة بدت وكأنها تأتي من بئرٍ عميقة. "ربما المكافأة ستكون لي وحده اليوم.. لقد أنجزتُ العمل بالنيابة عنكم."

في جزء من الثانية، وبغريزة البقاء، سحبت جينا خناجرها المزدوجة بلمح البصر، ورفع نيرو قوسه موجهًا سهمه نحو قلب الرجل. توترت عضلاتي واستعددت للهجوم، لكن الرجل لم يتحرك من مكانه قيد أنملة. لم يرمش حتى. ظل يراقبنا بمللٍ شديد واستهتار، وكأنه يشاهد مسرحية أطفال رديئة، وليس ثلاثة قتلة محترفين يوجهون أسلحتهم نحوه.

"أوه.. أنتم تعرفونني جيداً،" أضاف بنبرة تقطر هدوءاً سيكوباتياً. "لا أحب القتال بين الأشخاص الذين يشبهونني.. وخصوصاً لو كانوا مغتالين محترفين. أنتم عائلتي.. أليس كذلك؟"

التفتت عيناي نحو جينا، وصعقتُ مما رأيت. لم يكن هذا غضباً عادياً. كانت ملامحها تتقلص، وعروق وجهها برزت بشكل مخيف، وعيناها بدأت تفيض بدموعٍ تجمدت قبل أن تسقط من فرط الغل.

لاحظ الرجل ذلك، فاتسعت ابتسامته لتكشف عن جانبٍ أكثر سواداً في شخصيته.

"أوه.. جينا.. مابكِ؟" سأل الرجل بنبرة تمثيلية من الحزن. "لا زلتِ حزينة بسبب قتلي لـ لوكا؟"

ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، صمتٌ كان يسبق العاصفة. أكمل الرجل وهو يميل برأسه وكأنه يحاول تذكر تفاصيل غائبة: "لقد مرت فترة طويلة.. منذ كم عام؟ 3 أو 4؟ لا أتذكر حقاً.. فالرؤوس التي أسقطتها منذ ذلك الحين جعلتني أنسى ملامح شقيقكِ الصغير."

كانت كلمات الرجل كأنها طعنات خناجر مسمومة تغرس مباشرة في قلب جينا المفتوح. اهتز جسدها بالكامل، وبدت وكأنها على وشك الانفجار وفقدان عقلها ومهاجمته دون تفكير أو خطة، لولا أن ثقل هالة ذلك الرجل المرعبة كان يثبت الجميع في أماكنهم كالمسامير، ويذكرنا بأن أي حركة متهورة تعني الموت المحتم.

[لقاءُ الجبابرة: الارتجافُ الأول]

نهض الرجل من مقعده ببطء شديد، وفي تلك اللحظة فقط أدركتُ حجمه الحقيقي وهيمنته الجسدية. لم يكن مجرد قاتل رشيق؛ كان وحشاً بشرياً. كان ضخماً، بنفس ضخامة جسدي تقريباً، ونفس الطول الشاهق الذي يطغى على من حوله. عضلاته كانت تتحرك تحت ملابسه كأفاعٍ حية.

بدأ يتقدم نحوي بخطواتٍ موزونة وهادئة، وكل خطوة يخطوها كان الرخام تحت قدميه يئن بصوت مكتوم وكأنه يدرك ثقل من يطأ عليه. لم يكن يمشي، بل كان ينساب كالظل القاتل.

توقف أمامي مباشرة. كانت المسافة بيننا لا تتعدى بضعة سنتيمترات. استطعتُ رؤية التفاصيل الدقيقة في قزحية عينيه الحمراوين، ورائحة الدم التي تفوح منه ممزوجة برائحة الموت البارد. أمال رأسه قليلاً للأسفل لينظر في عيني مباشرة بملامح حادة وقاسية تشبه أنصال السيوف المصقولة.

"أوه.. شخص ضخم.. بنية قوية.. وملامح حادة.." همس وهو يقترب أكثر، حتى شعرتُ ببرودة هواء أنفاسه تلامس وجهي. "وعينان جميلتان.. غريبتان.. تماماً كما قيل لي وكما وصفتك الشائعات."

في تلك اللحظة، حدث شيءٌ لم أعهده في نفسي منذ زمن طويل. شعرتُ بارتجافة خفيفة، كهرباء باردة تسري في أعماق عظامي وتصعد لعمودي الفقري. لم يكن خوفاً بالمعنى التقليدي، لم أكن خائفاً من الموت. بل كانت استجابة بيولوجية بدائية لجسدي، "غريزة" تحذرني من أنني أقف أمام كائنٍ يتفوق عليّ في التطور والوحشية. كان جسدي يصرخ بأن هذا "المفترس" يختلف عن كل من واجهتهم.

ابتسم الرجل بحماس مرعب وهو يرى تلك اللمعة الخفيفة من الحذر في عيني. اتسعت حدقتاه بمتعة. "هذا جيد.. جيد جداً. منذ زمن لم أجد أحداً لا يرتجف رعباً أو يهرب أمامي عندما أنظر لعينيه.. أنت قوي يا فتى.."

[الرحيلُ المستخف]

التفت الرجل ببرود تام ولا مبالاة نحو نيرو، الذي كان يحاول الحفاظ على ثبات قوسه وتماسكه بصعوبة بالغة، والعرق يتصبب من جبينه.

"هيه يا كيرو.." قال الرجل مستخدماً اسماً خاطئاً متعمداً وبكل استخفاف، وكأن نيرو نكرة لا يستحق حتى تذكر اسمه. "قل لقائدك (سكايرو) إنني أخذتُ هذه المهمة لي. أخبره أن يطور عصابته جيداً، ويعلمكم كيف تكونون أسرع، فربما في المهمة التالية -إذا كنتم محظوظين- يستطيع أحدكم الوصول قبل أن أنتهي من تقطيع فريستي واللعب بأشلائها."

استدار بظهره لنا، ليبتعد بخطوات واثقة، وكأنه ينهي محادثة مملة مع خدم. وقبل أن يخرج، توقف وتحدث دون أن يلتفت: "أوه صحيح.. نصيحة صغيرة.. لا تنسوا تغطية جثة أدريان جيداً.. المنظر الفني الذي تركته خلفي قد يسبب الكوابيس للصغار ولذوي القلوب الضعيفة."

نطق نيرو بصوتٍ مخنوق من الغيظ والإهانة، ووجهه محتقن بالدم: "لكن.. اسمي.. هو نير—"

لكن الرجل لم يكلف نفسه عناء الالتفات أو التوقف لسماعه. أكمل سيره واختفى في ظلام الممر الطويل كأنه شبحٌ عاد إلى جحيمه، تاركاً إيانا نتخبط في بحر من الأسئلة والرعب.

اقتربتُ من بقايا "أدريان" لأفهم لماذا طلب منا تغطية الجثة. عندما نظرتُ إلى وجهه، تجمد الدم في عروقي. لم يكن مجرد قتل.. بل كانت رسالة.

الرجل قد اقتلع عين أدريان اليسرى بدقة جراحية، ولم يلقِ بها، بل حشرها داخل فم الضحية المفتوح، لتظهر وكأن أدريان يموت وهو يتذوق بصرَه. كانت هذه هي البصمة الوحشية التي يتركها خلفه دائماً.

[العودة]

عدنا إلى المقر، وكان الجو مشحوناً بالرعب والغضب المكتوم. عندما دخلنا على "سكايرو" وقصصنا عليه ما حدث، رأيتُ شيئاً نادراً في عينيه: القلق.

ضرب سكايرو الطاولة بقبضته لدرجة أن الخشب انحنى تحت ضغطه، وصرخ بصوتٍ هز جدران المقر: "تباً لك يا دان! ذلك اللعين لم يكتفِ بمضايقتنا، بل يتحدى سلطتي في هذه المنطقة!"

نظرتُ إلى سكايرو وسألتُ بجدية: "من هذا يا سكايرو؟ لم يسبق لي أن شعرتُ بضغطٍ نفسي مثل الذي يبعثه ذلك الرجل."

تنهد سكايرو بعمق، وأخرج سيجارة وأشعلها بيد مرتجفة قليلاً، ثم نفث الدخان وهو ينظر للفراغ بنظرة مظلمة وثقيلة: "إنه (دان).. المغتال الذي تخشى مملكة 'دراكا' بأكملها ذكر اسمه في العلن. إنه كابوس يمشي على قدمين. مطلوب في كل مقاطعة، ورأسه يساوي ثروة لا تحصى. هذا الرجل قتل أكثر من 5 نبلاء من الطبقة العليا في ليلة واحدة، داخل قصورهم المحصنة، ودون أن يطلق إنذاراً واحداً."

أخذ سكايرو نفساً عميقاً آخر وأكمل: "قتله ليس مجرد مهمة أو عمل، بل هو طقس متوحش يمارسه لمتعته الخاصة. إنه يترك دائماً تلك العلامة المقززة (العين في الفم) ليبين للعالم أن الجميع تحت نظره، وأنه يرى كل شيء.. والأسوأ من ذلك، أنه ليس مجرد قاتل مأجور.. إنه سيكوباتي لا يرحم، مريض يستمتع بالألم، ولا يقتل إلا من يراه خصماً قوياً يستحق أن يمنحه (المتعة) قبل الموت."

ثم التفت سكايرو إليّ، ونظر في عيني مباشرة بنظرة تحذيرية حادة لم أرها منه من قبل، وقال بصوت منخفض وخطير: "اسمعني جيداً يا راي.. بما أنه اقترب منك شخصياً، وتحدث معك، وامتدح عينيك.. فهذا لا يعني إعجاباً.. هذا يعني أنه وضعك رسمياً في (قائمة صيده). ومن يدخل قائمة دان، لا يخرج منها أبداً.. إلا جثة ممزقة ومشوهة في صندوق."

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

 مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.