الفصل 63 - فجرُ الاغتيال
أصل الخطيئة - الفصل 63 - فجرُ الاغتيال
[الغابة الشرقية – خيوطُ الفجر الأولى]
لم يكن الضباب مجرد ظاهرة جوية هنا؛ بل كان يزحف بين الجذوع الضخمة للأشجار القديمة كأنه أنفاسُ الموتى الباردة. البرودة القارسة التي تنهش الغابة الشرقية لم تكن مسألة طقس، بل كانت عرَضاً للعزلة الموحشة التي تقبع خلف "شلالات الصدأ".
في البقعة الصغيرة التي خلت من الأعشاب أمام الكهف، وقف ريو. كان جسده الضئيل يرتجف بعنف، لم يكن ذلك ارتعاش الخوف الذي شل قلبه سابقاً في الحانة؛ بل كان اهتزاز الألياف العضلية التي دُفعت إلى نقطة الانهيار المطلق.
كنتُ أقف أمامه، جسدي الضخم يحجب الضوء الرمادي الضعيف للشمس الصاعدة، ووشاحي الأسود يرفرف بإيقاع بطيء مع الريح القارسة.
"مرة أخرى يا ريو.. ارفعها،" أمرتُ بصوت خرج أعمق من المعتاد، يتردد صداه ببرود بين الصخور الصماء المغطاة بالطحالب.
صر ريو على أسنانه، وصدر منه صوتٌ مخنوق وهو يرفع الصخرة الثقيلة للمرة المئة. كانت يداه الصغيرتان مكسوتين بطبقة من الدماء الجافة والطين الرطب. عضلات كتفه كانت تتشنج مثل سلك مشدود يوشك على الانقطاع في أي ثانية.
في تلك اللحظة، قمتُ بتفعيلها.
غمرت الحرارة المألوفة والحارقة المساحة خلف جفوني. انقلب العالم الرمادي فوراً إلى طيف من البيانات القرمزية. لم أعد أرى ريو كطفل بشري. عبر "الأعين القرمزية"، تحول إلى مخطط بيولوجي: شبكة من الألياف العضلية المتوترة، وتدفق دماء متسارع، ونقاط ضغط تشتعل بألم حاد. كنتُ أرى التمزقات الدقيقة تتشكل في عضلاته الدالية، وحمض اللاكتيك يغمر جهازه العصبي، والنبض السريع واليائس لقلبه.
حسبتُ بدقة باردة عدد الثواني المتبقية له قبل أن ينهار جهازه الدوري. رأيتُ الشروخ الشعرية التي تختبر قدرة عظام معصمه تحت الثقل.
"أنزلها.. ببطء،" أضفتُ بنبرة خالية من أي دفء. "السيطرة على الجاذبية هي الخطوة الأولى للسيطرة على الخصم. إذا أسقطتها، فلن تتعلم شيئاً سوى الفشل."
أطاع ريو الأمر، وذراعاه ترتجفان وهو يصارع الرغبة في الإفلات. بمجرد أن لمست الصخرة الأرض، انهار على ركبتيه، يشهق طلباً للهواء وكأن رئتيه قد احترقتا.
نظرتُ نحو مدخل الكهف وقلت: "تذكر هذا الشعور يا ريو. القوة لا تولد في الراحة. القوة تُنتزع انتزاعاً من باطن الألم."
خرجت والدته حاملة وعاءً فخارياً من الماء. تجمدت عندما رأتني. كانت عيناها تحملان مزيجاً معقداً ومرعوباً من الامتنان والفزع. كانت تدرك تماماً ما يحدث. هي تعلم أنني لا أربي رجلاً ليقطع الحطب أو يحرث الأرض. أنا أصقل سلاحاً. وضعت الماء وتراجعت إلى الظلال، غير قادرة على مشاهدة عملية سلخ براءة ابنها طبقة تلو الأخرى.
نظرتُ مجدداً للصبي: "استرح لعشر دقائق. ثم تركض حتى تخذبك ساقاك.. سأعود."
[مقر عصابة ريومين – وقت الظهيرة]
تركتُ ريو لرحمة الغابة وانطلقتُ عائداً نحو المدينة. الانتقال من الغابة الصامتة إلى قاع "دراكا" كان صدمة للحواس. دخلتُ مقر عصابة "ريومين" في وقت الذروة. كان القبو هجوماً حسياً؛ ضجيج صراخ الرجال، الطعم المعدني للحديد المسنون، والضباب الخانق لدخان التبغ الرخيص.
ومع ذلك، بمجرد أن وطأت قدمي الأرضية الحجرية، انخفض الضجيج. انتشر صمتٌ نسبي من المدخل كتموجات الماء. الهالة التي كنتُ أحملها -والتي صُقلت في مجزرة الساحة وترسخت بالمكافأة الفلكية على رأسي- خلقت ثقلاً مادياً في الغرفة. حتى أعتى القتلة في العصابة، الرجال الذين قد يذبحون رقاباً لأجل قطعة نحاسية، أشاحوا بنظرهم عني. لقد فهموا غريزياً هرمية المفترسين، ولم أعد في مستواهم.
مشيتُ مباشرة نحو الطاولة الرئيسية في نهاية القاعة. كان سكايرو، جينا، ونيرو متجمعين حول خريطة مفصلة وعدة مخططات معمارية.
"وصل البطل،" قال سكايرو بصوتٍ جهوري قطع الهمهمات المتبقية، مشيراً إلى كرسي فارغ. "اجلس يا راي. لدينا صيدٌ لا يسبح في شباكنا كثيراً."
جلستُ متجاهلاً صرير الكرسي، وركزتُ نظري على الخريطة. فعّلتُ عيناي لجزء من الثانية، حافظاً كل ممر، ومخرج، ونافذة مرسومة على الورق.
"ما هي المهمة؟" سألتُ قاطعاً المجاملات.
"عقد اغتيال ملكي،" تدخلت جينا، ضاربة بظفرها المشذب على رسم لقصر ممتد الأطراف. "هذا قصر 'فاليريان' في الضاحية الشمالية. النبيل 'جوليان فاليريان' يريد إزالة عقبة.. تحديداً، أخوه الأكبر، أدريان."
دفعت صورة عبر الطاولة. كانت تظهر رجلاً بملامح متغطرسة. "غداً عند الفجر، من المقرر إعلان أدريان وريثاً شرعياً للقب العائلة والخزانة. جوليان يريده ميتاً قبل شروق الشمس. المكافأة هي 5,000 قطعة ذهبية، تُسلم فور تأكيد الموت."
"خمسة آلاف؟" همس نيرو وهو يمسح قطرة عرق من جبينه. كانت يداه ترتجفان قليلاً. "هذا.. مبلغ عبثي من الذهب. لكن قصر فاليريان ليس حانة. إنه حصن. لديهم حراس خاصون من النخبة، وربما فرسان متقاعدون. الهجوم المباشر هو انتحار لأي شخص غير جيش."
ضحك سكايرو، صوتٌ خشن يشبه النباح، وضرب بقبضته على الطاولة. "بالضبط. ولهذا السبب راي هو من سيقود. لا نحتاج لجيش. نحتاج لـ 'شبح'." نظر إليّ، وابتسامته حادة. "المهمة ستبدأ في تمام الساعة الثانية عشرة منتصف الليل. الفشل غير مقبول. نحن لا نريد الذهب فقط يا راي. نريد النفوذ والسيطرة على جوليان بمجرد أن يصبح اللورد الأعلى. امتلاك نبيل يساوي أكثر من سرقة بنك."
عزيزي القارئ، إذا رأيت هذا النص في موقع آخر، فاعلم أنهم عجزوا عن حذف اسم مَركز الرِّوايات.
كنتُ أصغي وأنا أحلل المتغيرات. المسافة، دوريات الحراس، ونقاط الانسحاب. المال لا يعني لي شيئاً، لكن النفوذ الذي تحدث عنه سكايرو كان أداة مفيدة.
"سأكون مستعداً،" قلتُ، ووقفتُ فجأة. لم أنتظر الإذن بالانصراف. استدرتُ وخرجتُ من القبو، تاركاً خلفي موجة من الإعجاب الممزوج بالخوف.
[الغابة الشرقية – وقت العصر]
كانت الشمس تميل نحو الأفق عندما عدتُ للغابة. وجدتُ ريو ملقىً على الأرض بجانب الشلال، صدره بالكاد يتحرك. بدا وكأنه جثة. كان جلده شاحباً، وشفافاً من شدة الإنهاك، وأطرافه ممدودة بزوايا غير طبيعية. لقد أتم التعذيب الجسدي الذي كلفتُه به، لكنه لم يتحرك إنشاً واحداً منذ أن انتهى.
اقتربتُ منه بصمت. لم أكن بحاجة للمسه لأتحقق من حالته. مسحت عيناي مؤشراته الحيوية. كان معدل ضربات قلبه بطيئاً ولكنه منتظم. كان إيقاعاً غريباً ومقاوماً. جسده بدأ يتكيف بالفعل. معدل تعافي أنسجته العضلية كان أسرع من الإنسان العادي. الإمكانيات كانت هناك، مدفونة تحت الضعف.
"انهض يا ريو،" أمرتُ، وصوتي يقطع صوت تساقط المياه.
رفرفت عينا الصبي لتفتحا. استغرق لحظة للتركيز، ولكن عندما رآني، أجبر جسده الميت على الحركة. أنَّ بألم، متدحرجاً على جنبه ودافعاً نفسه للأعلى مستنداً على صخرة طحلبية حتى وقف على ساقين ترتجفان.
"سيد.. راي.." قال بصوت مبحوح وجاف كأنه يصفر. "لقد فعلت.. كل ما.. طلبت." كان هناك مزيج من الألم والكبرياء المكسور في نبرته.
"جيد. التكييف الجسدي هو الأساس،" قلتُ، وأنا أمد يدي داخل طيات وشاحي الأسود. "الآن يبدأ الدرس الذي سيبقيك حياً."
سحبتُ سكيناً قصيراً. كان قطعة خبيثة من العمل – نصله أسود مطفأ، مصمم لعدم عكس ضوء القمر، ومقبضه ملفوف بالجلد الخشن لحيوان مفترس.
"هذه ليست لعبة. هذا ليس للتدريب،" قلتُ وأنا أمده له من المقبض. "هذا للقتل. من اليوم فصاعداً، هذا الفولاذ هو امتداد لذراعك. لا يغادر يدك أبداً."
أمسك ريو بالسكين. رأيتُ يده تهبط قليلاً تحت الوزن غير المتوقع للسلاح. قبض عليه، ومفاصل أصابعه تبيض.
تحركتُ خلفه، أصحح وقفته بدفعات خشنة. "الاغتيال ليس قتالاً يا ريو. امحِ تلك الفكرة من عقلك. القتال للحمقى الذين يبحثون عن المجد. الاغتيال هو جراحة. إنه إجراء طبي سريع لإنهاء حياة."
نقرتُ على نقطة في صدره، أسفل القفص الصدري مباشرة. "هنا. طعنة للأعلى. تخترق الحجاب الحاجز وتضرب القلب." نقرتُ على نقطة خلف أذنه. "هنا. تقطع الاتصال بين الدماغ والجسد. صمت فوري." نقرتُ على باطن معصمه. "هنا. ينزفون حتى الموت في دقيقتين."
"لا تتردد،" قلتُ له، وأنا أنظر بعمق في عينيه. "التردد هو المسافة الفيزيائية بين حياتك وموتك. إذا سحبت هذا النصل، يجب أن تكون مستعداً لدفنه في اللحم. هل تفهم؟"
قضيتُ الساعات الأربع التالية أحفر ميكانيكا القتل في عقل طفل. صححتُ زاوية معصمه، وتوزيع وزنه، وطريقة تنفسه. علمتُه كيف يسكت خطواته، وكيف يندمج مع ضجيج الغابة الخلفي. كان ريو يمتص المعلومات كإسفنجة جائعة. راقبتُ عينيه وهما تتغيران. بريق الطفولة الساذج كان يتلاشى، ويحل محله التركيز البارد والمحسوب لمفترس قيد التدريب.
[مقر ريومين – الليل (الساعة 11:00 مساءً)]
هبط الليل على العاصمة كالكفن. عدتُ للمقر، حيث كانت التجهيزات في مراحلها النهائية. تحولت الأجواء من الضوضاء الصاخبة إلى تركيز حاد مشحون بالأدرينالين.
كان نيرو في الزاوية، يغمس رؤوس سهامه بدقة في قارورة من سائل داكن لزج – سم شلل. وكانت جينا تصقل نصليها الطويلين، صرير حجر الشحذ هو الصوت الوحيد الذي تصدره. أما أعضاء فريق الهجوم الآخرين من النخبة فكانوا يربطون دروعهم الجلدية الخفيفة، ويسودون وجوههم بالسخام، ويتفحصون معداتهم.
مشيتُ نحوهم. بدأ دمي يطن. دون أمر واعٍ مني، بدأت عيناي تتوهجان بضوء خافت في ظلال غطاء رأسي، استجابة للعنف الوشيك.
"هل الجميع جاهز؟" سألتُ، وأنا أشد أربطة النصل الثقيل على ظهري. كان وشاحي الأسود مسحوباً للأعلى، مخفياً النصف السفلي من وجهي.
"نحن بانتظار إشارتك يا راي،" قالت جينا وهي تقف. سحبت قناعاً جلدياً فوق وجهها، تاركة عينيها الحادتين فقط ظاهرتين. "الخيول مجهزة عند البوابة الغربية. سنصل لمحيط قصر فاليريان قبل الموعد بخمس عشرة دقيقة."
أومأ سكايرو من الطاولة. "اجعلوه عملاً نظيفاً. لا شهود."
تحركنا بصمت تام. لم نكن نبدو كعصابة بعد الآن؛ كنا نبدو كوحدة شبه عسكرية. انزلقنا إلى شوارع "دراكا"، نندمج مع الظلام بين مصابيح الشوارع الوامضة. كنتُ في المقدمة، أقود التشكيل.
في عقلي، كانت خريطة قصر فاليريان قد تراكبت بالفعل فوق الواقع. كنتُ أرى مسارات الدوريات، والنقاط العمياء، وموقع الهدف. المدينة كانت تنام حولنا، غافلة عن حقيقة أن عاصفة من الدم والفولاذ تتحرك عبر عروقها، متجهة شمالاً لقطع رأس إرثٍ كامل. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، وفجر الاغتيال قد بدأ.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.