أصل الخطيئة
الفصل 62 - عهدُ النصل

أصل الخطيئة - الفصل 62 - عهدُ النصل

[مقر عصابة ريومين – وقت الفجر]

كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل بجبن عبر شقوق القبو المظلم، ورائحة الدم لم تكن تفارق ملابسي. دخلتُ المقر بخطواتٍ ثقيلة، لكنها ليست ثقل التعب، بل ثقل "التمثيل". كان القبو يضج بالحركة، فرجال العصابة بدأوا بالعودة من "مهمة التطهير" والوجوه يعلوها مزيج من الإرهاق والنشوة بالدماء.

ما إن دخلتُ وحيداً حتى تسمرت الأنظار عليّ. كان الجميع يعلم أن "غارمو" و"فولك" كانا معي في نفس المنطقة، لكنني كنتُ العائد الوحيد من ذلك الجحيم.

"راي!" صرخ سكايرو وهو يتقدم نحوي بخطوات واسعة، وعيناه تتفحصان الدماء الكثيرة التي صبغت وشاحي. "أين غارمو وفولك؟ ولماذا عدت وحدك؟".

أنزلتُ رأسي قليلاً، وأطلقتُ زفيراً طويلاً مشحوناً بالأسى المصطنع والغضب المكتوم. "لقد سقطا.. تعرضنا لغدرٍ لم أحسب له حساباً."

ساد الصمت فوراً. صدمة الخبر جمدت الجميع، فغارمو لم يكن مقاتلاً سهلاً وفولك كان بارعاً في المراقبة. سألني سكايرو بحدة وهو يشد على قبضة يده: "كيف؟! من تجرأ على لمس رجال 'ريومين' في عقر دارنا؟".

"كنا ننهي تصفية الحانة.." بدأتُ أسرد كذبتي ببرود، وصوتي يخرج أجشاً. "وفجأة، ظهر شخصان من الظلال. لم يكونوا من الرعاع، كانت حركاتهم توحي بأنهم قتلة محترفون أو مرتزقة مأجورون من النخبة. انقضا على غارمو وغرزا الخناجر في ظهره قبل أن يدرك وجودهما. أما فولك، فقد حاول التدخل لكن أحدهما كان قناصاً ماهراً، أطاح برأسه بضربة واحدة قبل أن يرمش."

تابعتُ وأنا أشيح بنظري بعيداً: "استطعتُ قتل أحدهما بشق الأنفس وتحطيم جمجمته، لكن الثاني كان كالشيطان.. سريعاً جداً ومزوداً بقنابل دخانية. حاولتُ ملاحقته عبر الأزقة، لكن الفجر كان قد حل، واختفى في زحام الهاربين والجنود."

ضرب سكايرو الطاولة بقبضته حتى تصدع الخشب. "تباً! يقتلون رجالي ويفرون؟!" صرخ بغضب عارم التفت فيه نحو الأتباع: "ابحثوا في كل زاوية! أريد رأس الشخص الذي هرب! لا يهم من يكون، ريومين لا تترك دماء رجالها تذهب سدى!".

انصرف الجميع في حالة من الاستنفار والبحث عن "القاتل الوهمي". مشيتُ نحو غرفتي بتثاقل، بينما كان نيرو يراقبني من الزاوية بعيون مليئة بالرعب؛ فهو يعلم أنني "الشبح" القادر على صنع المعجزات والمجازر، لكنه أضعف من أن ينطق بحرف. استلقيتُ على سريري الخشبي، وأغمضتُ عيني. كان الجزء الأصعب من الخطة قد انتهى بنجاح: الصمت المطلق.

[العاصمة – وقت العصر]

استيقظتُ والعصر قد حل. خرجتُ من المقر متخفياً بعباءة قديمة ووشاح يغطي أغلب ملامحي، فالعاصمة لم تعد مكاناً آمناً لـ "الشبح". مشيتُ في الشوارع الجانبية، أراقب حركة الجنود الذين يملأون الميادين.

توقفتُ أمام جدار حجري كبير حيث تجمع الناس يتهامسون برعب وفضول. تقدمتُ قليلاً لتصطدم عيناي بملصق ضخم يحمل رسماً تقريبياً لي، وكلمات كتبت بدم بارد:

[مطلوب حياً أو ميتاً: الشبح]

[الجريمة: إعدام حارس ملكي وتدنيس الساحة الكبرى]

[المكافأة: 10,000 عملة ذهبية]

شعرتُ بـ "أعين الخطيئة" تنبض تحت الوشاح. 10 آلاف عملة ذهبية! هذا المبلغ كفيل بجعل الأخ يقتل أخاه في دراكا. كنتُ أسير وسط مدينة أصبح كل من فيها عدواً محتملاً لي. الجميع يطمع في هذا الذهب، والملك بارون لم يدخر جهداً في جعل رأسي أغلى ما في المملكة.

[الغابة الشرقية – الروتين الخفي]

مرت الأيام، وأصبحت حياتي تقسيماً دقيقاً بين الموت والحياة.

في كل فجر، وقبل أن تستيقظ العاصمة، كنتُ أنطلق نحو الغابة الشرقية. أحمل معي المؤونة، اللحم، والماء العذب. كنتُ أتسلل كالشبح بين الأشجار حتى أصل إلى الملاذ السري خلف الشلال.

كانت الأم تستقبلني دائماً بابتسامة تملأها الدموع والشكر. "شكراً لك يا سيد راي.. لولاك لكان مصيرنا أن نكون طعاماً للديدان الآن." كانت تقولها وهي ترتب المكان البسيط الذي صنعتُه لهما.

أما ريو… فقد كان قصة أخرى.

في كل يوم، ومنذ اللحظة التي أضع فيها قدمي في مكانهم، كان يقترب مني وعيناه تلمعان بتحدٍ لا ينتمي لطفل. "سيد راي.. أرجوك، دربني. أريد أن أكون قوياً مثلك."

كنتُ أنظر إليه ببرود وأرد بكلمة واحدة: "لا."

كان يلح، يتبعني وأنا أجمع الحطب، يراقب حركاتي وأنا أتدرب في الخفاء، ويسألني: "لماذا ترفض؟ لقد قلتَ لي في الحانة أن القوة تحتاج للألم، وأنا مستعد للألم!".

كنتُ أصمت. كنتُ أعلم أن الألم الذي أتحدث عنه ليس مجرد جروح في الجسد، بل هو تمزيق للروح. لم أكن أريد لهذا الطفل أن يذوق مرارة "المسلخ الذاتي" أو برود القتل في سن مبكرة. كنتُ أريده أن يعيش ما تبقى له من طفولة في هذا المخبأ.

[بعد أسبوع – لحظةُ الانكسار]

تكرر المشهد لسبعة أيام متواصلة. ريو لم يكلّ ولم يملّ. كان يحاول تقليد حركاتي بغصن شجرة، يسقط، ينجرح، ثم يقف مرة أخرى وعيناه مثبتتان عليّ.

في اليوم الثامن، وقبل أن أغادر مع شروق الشمس، وقف ريو أمامي، ساداً طريقي بجسده الصغير. لم تكن هناك دموع في عينيه هذه المرة، بل كان هناك إصرارٌ مرعب، إصرارٌ يذكرني بنفسي عندما كنتُ أحاول إعادة تركيب أعصابي الممزقة.

"سيد راي.." قال بصوت هادئ، هدوء يسبق العاصفة. "إذا لم تدربني، سأخرج من هذه الغابة وأذهب للعاصمة. سأحاول القتال وحدي، وسأموت. إذا كنتَ تريد حمايتي حقاً، فعلمني كيف أحمي نفسي.. وإلا فدعني أموت بشرف بدلاً من الاختباء كالجرذان."

نظرتُ إليه طويلاً. صمته، وقفته، وتلك النظرة في عينيه… كلها كانت تخبرني أن هذا الطفل قد ماتت براءته فعلياً في تلك الحانة، وما بقي هو "نصل" خام ينتظر من يصقله.

أغمضتُ عيني، وشعرتُ بثقل القدر. تنهدتُ بعمق، ثم وضعتُ يدي على مقبض نصلي الثقيل.

نظرتُ في عينيه مباشرة، وقلتُ بكلمة واحدة هزت سكون الغابة:

"حسناً."

اتسعت عينا ريو، وساد صمتٌ عميق، بينما كانت الأم تراقب من بعيد بخوف ممزوج بالفخر. لم يكن يعلم ريو أن هذه الكلمة هي تذكرته إلى الجحيم، وأن الأيام القادمة ستجعله يتمنى لو أنه ظل مختبئاً.

"لكن تذكر يا ريو.." أضفتُ وأنا أستل نصلي ببطء ليلمع تحت ضوء الشمس المتسلل عبر الأشجار، وصوتي يحمل تحذيراً أبدياً: "من اليوم، ستنسى معنى الراحة، وستتعلم أن القوة ليست عطاءً.. بل هي انتزاعٌ من بين أنياب الموت".