الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة
الفصل 1149 - أن تكون على قيد الحياة 2

الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة - الفصل 1149 - أن تكون على قيد الحياة 2

الفصل 1149: أن تكون على قيد الحياة (2)

كسر باسل صومه ببرتقالة. فبعد ليلة كانت ظلمتها كثيفة بما يكفي لابتلاعه بالكامل، كان يتوق إلى شيء من الحلاوة. وبما أنه لا توجد كعكة بالعسل في قلعة تتعافى من حصار، كان عليه أن يكتفي برذاذ الحمضيات اللاذع والمنعش. قشرها بأصابع مرتعشة، محاولًا فصل فصوصها دون أن تنفجر عصارتها، لكن محاولته ذهبت سدى؛ إذ لسعت عينه قطرة من قشر الحمضيات، فلعن في سره وهو يمسح التهيج بغضب.

لم يستمتع بما تبقى منها، بل التهم الفصوص كاملة، مبتلعًا اللب كأنه يحاول دفن ذكرى الحلم تحت ثقل الفاكهة. غير أن تلك الحلاوة لم تستطع تهدئة الفراغ المؤلم في معدته.

جلس على تلة عشبية، موليًا ظهره للفوضى المتزايدة في جيش والده. كانت الشمس، التي أشرقت قبل ساعات كقرص برتقالي متورم، تتسلق الآن سماءً مقببة يمتزج فيها الرمادي الداكن بالأزرق الباهت. ومن خلفه، كان المعسكر يضج بهمسات ودقات منظمة تعلن عن نصر في طور التشكل.

ومع هزيمة القوة الرئيسية للرابطة وتأمين الطرق أخيرًا، بدأت عربات الإمداد في الوصول، محملة بأولى شحنات الدقيق الحقيقي والبطاطس والبيض الذي لم يروه منذ شهور. دُعي لمشاركة والده وجبة البيض في ذلك الصباح، وهو تقليد صغير كانا يعتزان به، لكن باسل اعتذر؛ إذ لم يظن أنه قادر على النظر في عيني ألفيو دون أن يرى ذلك "العدم" الذي كان يقف خلف الكرسي في حلمه. فكر في نفسه: "أنا رجل ناضج تقريبًا"، وكان هذا الضيق يلسعه أكثر من عصير البرتقال، ومع ذلك ظل مضطربًا بسبب شبح في عقله. لقد كان حلمًا، مجرد حلم.

ردد هذه التعويذة مئة مرة منذ استيقاظه، لكن الرعب ظل راسخًا في نخاعه. كانت هناك أشياء غريبة تحدث له؛ فهل كان ينزلق نحو الجنون؟ أم كان شيطانًا؟ تخيل نفسه جالسًا أمام الكاهن العارف بكل شيء، محاولًا العثور على الكلمات المناسبة: "أشعر بالنار تتحدث إلي، وأحلم بأمي وهي تغرس تاجًا من الجليد في رأسي حتى تتحول عيناي إلى حديد".

بدا الجنون التفسير الأكثر رأفة بحاله، فحتى المس الشيطاني لم يكن ليكون أفضل. لم يستطع منع الحلم من التكرار خلف جفونه، وكانت رؤية والدته هي الأسوأ على الإطلاق؛ إذ بدت جائعة وفارغة، وتاجها الفضي مائلًا ومصدأً.

لم يفعل شيئًا للتغلب على خوفه. كان باسل يكتب إليها كلما استطاع، لكن الرسل كانوا ترفًا نادرًا حين يكون المرء مختبئًا في أعماق أحراش الجنوب. والرسائل القليلة التي تمكنت من عبور تلك المسافات روت قصة قاتمة؛ فوالدته لا تزال تشتعل غضبًا بسبب رفضه البقاء خلف جدران القصر الآمنة. وفي رسالتها الأخيرة، كانت كلماتها لاذعة بشكل خاص: "لقد حملتك في أحشائي تسعة أشهر، وكان ألم الشهر التاسع عظيمًا، ومع ذلك، فإن هذه الإهانة التي وجهتها لي تحرقني أكثر من اليوم الذي وهبتك فيه الحياة".

تذكر أنه عرض تلك الرسالة على والده، فزفر ألفيو نفسًا بطيئًا وثقيلًا، وتقلصت شفتاه بالطريقة التي يفعلها حين يدرك استحالة القتال. تمتم والده قائلًا: "ربما يجدر بك الاستسلام للجحيم السادس حين نعود إلى البلاط، فأنا أشك في أنني سأكون هناك لأؤنس وحدتك".

ففي النهاية، كان الأمير هو من سمح للصبي بالبقاء، ومن المحتمل أن تضعهما الأم في الأغلال قبل أن تُقام أول وليمة للنصر. بدأ ألم خافت ونابض يطرق خلف عيني باسل، وبدا العالم صاخبًا جدًا وثقيلًا جدًا. أسند باسل رأسه على ذراعيه المتقاطعتين، محاولًا منشئ ركن مظلم خاص به لا يصله العالم، لكنها كانت محاولة يائسة. ربما كان كل ذلك خطأ؛ فإثارة المسير وحكايات الكشافة لم تكن تستحق الثمن الذي يدفعه الآن، ولم يكن لديه أحد ليبوح له بما في صدره.

«وها أنا ذا كنت أظن أن زانثيوس منحني لقب "الجبل المتأمل" عن جدارة»، جاءه صوت خشن من خلفه. رفع باسل رأسه محدقًا في ضوء الصباح الرمادي، فإذا به المندوب الثالث، يتقدم بصعوبة فوق المنحدر متكئًا بثقله على عصا خشبية.

كان يتحرك بتمايل إيقاعي مؤلم، وفخذه لا يزال مغطى بضمادات سميكة حتى بعد أسبوعين من الراحة المفترضة. تخلى عن درع المندوب الثقيل، واكتفى بقميص من الزرد الحديدي المتقن الذي يعكس الضوء الخافت. بلا خوذة، ولا واقيات للساقين، ولا درع للصدر، وهو ما يتعارض تمامًا مع اللوائح الخاصة بالضباط في الخدمة الفعلية، لكن باسل شك في أن يجرؤ أحد في الفيلق الثالث على محاسبة الرجل الذي صمد في الحصن طوال تلك المدة.

بأنين ينم عن جهد هائل وزفير مسموع، خفض أساك جسده ليجلس على الأرض الرطبة بجانب الصبي. سأله باسل وهو يراقب الزاوية المحرجة لساق أساك المصابة: «ألن يؤلمك الأمر حين تضطر للوقوف مجددًا؟». أجاب أساك بابتسامة متشنجة وهو يستقر في جلسته: «سيؤلمني كالجحيم».

لقد فحص طبيب المعسكر، أغالانثيوس، حالته فور فتح الأبواب، وكانت التقارير تحمل أخبارًا متباينة؛ فالساق تتعافى بشكل جيد، أما الذراع -التي رفض أساك إبقاءها ثابتة خلال الاختراق النهائي- فكانت كارثة. أمر المعالج بستة أشهر من السكون التام لكليهما، وقد استقبل أساك الخبر برعونة حمار تعرض للركل، رغم علمه أن التذمر لن يعيد العضلات إلى سابق عهدها.

قال أساج وهو يثبت عينيه الرماديتين اللتين تتخللهما خطوط خضراء غريبة وبارزة كالعشب على الصبي: «إذًا، هل ستخبرني بما يزعجك؟ أتذكر ابن أخي بابتسامة دافئة، لا كشخص يجلس على تلة يعد أصابعه كالمفجوعين».

فتح باسل فمه، وكلمات الكابوس تخدش حنجرته. أراد أن يخبره بكل شيء؛ كيف كانت النار تهمس في أذنه، وكيف بدت عينا والدته الجوفاوان في الظلام، وإحساس الأسنان الذهبية وهي تغرس في دماغه بينما كانت الحشود تصرخ باسمه. لكن كيف له أن يفعل؟ فإذا تحدث، سيظن أساج أنه مجنون، أو الأسوأ من ذلك، ممسوس. "يا عمي، حلمت بك وبالأب تختفيان في الهواء، وحلمت بتاج من الجليد حول دمي إلى ذهب منصهر".

جعلت هذه الفكرة باسل يرتعش. قيل إن والده يحمل في عروقه دماء "النسيج" والمحارب، وهي سلالة إلهية؛ فهل من الممكن أن يفسد ذلك الدم في الجيل التالي؟ هل يمكن أن يتلطخ ابن الحاكمة بلمسة شيطان؟ أم كان الأمر مجرد جنون؟

قال أساج فجأة وهو يمد ذراعه السليمة ليمسح على شعر باسل: «أفهمك يا فتى. من الطبيعي أن ترتعد، فالخوف جزء لا يتجزأ من الإنسان كأنفاسه، أتعلم؟ الجميع يحملونه؛ جارزا، وإدريك… حتى أنا، وربما أنا أكثرهم جميعًا».

نظر باسل إليه بشك، فبالنسبة له، كان أساج هو كتلة الحديد في الحصن؛ صلبًا لا ينكسر وباردًا.

«ماذا؟ ألا تصدقني؟»، تنفس بصوت مسموع وتابع: «كنت مرعوبًا، وهذه هي الحقيقة. كنت خائفًا كفأر مبلل في جحر ثعبان. وكيف لا أكون كذلك؟ في كل مرة كنت أنظر فيها من فوق السور، كنت أرى جدارًا حقيقيًا من الرماح. كنت أطفئ شمعتي ليلًا وأفكر: "لدي عائلة تنتظرني، وها أنا هنا أحاول محاربة نصف الجنوب". وأحيانًا، كنت أستيقظ صارخًا من كوابيس قتال اليوم السابق».

تلاقت عينا باسل مع عيني أساج عند ذكر الأحلام. كان يدرك في أعماقه أن كوابيسه كانت نوعًا مختلفًا من الرعب عن كوابيس القائد، لكن وجود أرضية مشتركة بينهما منحه شعورًا بالراحة.

سأل باسل بصوت خافت: «كيف كنت تستمر؟». أجاب أساج وهو يهز كتفه متألمًا: «لأنه لم يكن لدي خيار آخر. لم أكن غبيًا لأعتقد أن كل شيء على ما يرام». ثم تتبع بعينيه الشمس والسحب المحيطة وتابع: «أتعلم كم عدد الرجال الذين استيقظوا وهم يصرخون كالمجانين في الظلام؟ كان ذلك بسبب أولئك الأوغاد في الخارج؛ فقد كانوا يقرعون الأواني الحديدية على طول الجدار لمحاكاة هجوم وهمي وسرقة راحتنا. أتمنى فقط لو أنني طعنت المزيد منهم قبل أن يختفوا، فقد سلبوني ساعات النوم القليلة التي كانت متبقية لي لعدة أشهر».

كانت فكرة مؤلمة؛ فباسل لم يكن الوحيد الذي يرتجف في الظلام. كانوا في حالة حرب، والموت ضيف لا يطرق الأبواب أبدًا. ومع ذلك، كانت مخاوف باسل قلقًا دائمًا، طنينًا لا يمكن لأي منطق إخماده. فالموت شيء يمكن فهمه، أما حلمه… فلا.

سأل باسل بصوت متردد: «ماذا عن أبي؟ هل هو خائف أيضًا؟». عند هذه الكلمات، زاغت عينا أساج على الفور، وانقبض فمه في خط مستقيم وصارم. وللحظة، خشي باسل أنه قد تجاوز حدودًا غير مرئية، ثم لدهشته الشديدة، انطلقت ضحكة خافتة وخشنة من شفتي أساج المتشققتين.

قال أساج وسط نوبة من الضحك الجاف: «أبوك؟ أوه يا باسل، ربما هو الأكثر رعبًا بيننا جميعًا. هل تظن أن هذه الحرب كانت سهلة عليه؟ وهو يعلم أن مسؤولية تصحيح كل شيء تقع على عاتقه؟ آه، سأخبرك بسر، اتفقنا؟». ثم انحنى مقتربًا، وبريق من الخبث يلمع في عينيه الرماديتين: «لقد رأيت والدك يتبول على نفسه ذات مرة».