الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة
الفصل 1148 - أن تكون حيًا 1

الفولاذ والأسى صعود ملك المرتزقة - الفصل 1148 - أن تكون حيًا 1

الفصل 1148: أن تكون حيًا (1)

حلم بأنه يجلس على العرش، فوق الجميع، كشمسٍ يدور العالم حولها. كان التاج فوق رأسه من الذهب، مزدانًا بالفضة ومرصعًا بالياقوت. لمس قمة التاج، وشعر بملمس القماش الأحمر الناعم المبطن خلف الذهب والفضة. كان تاجه؛ لقد كان أميرًا، وكان حاكمًا، وكان يمارس سلطته.

امتدت صفوف طويلة ولامعة من المتوسلين حتى الأفق: فرسان بدروع صقيلة يضعون سيوفهم عند قدميه، يلتمسون شرف خدمته؛ ولوردات عظماء يركعون حتى تلامس ركبهم الرخام، ويهمسون بعهود الولاء. وخلف الأبواب المقوسة، تعالت هتافات الحشود المبتهجة، وتردد صدى صرخاتهم في أرجاء القاعة.

وكان لديهم سبب للاحتفال؛ فقد كان يقيم العدل بإيماءة من يده، ويحكم بحكمة استقاها من والده. بكى الفلاحون امتنانًا لمساعدته، وانحنى التجار إجلالًا لحمايته، حتى اللوردات المتناحرون غادروا حضرته راضين بوزن كلمته. كان الأمير الطيب، العادل، واللطيف.

استعرضت أمامه صفوف من الابتسامات، في ضباب كاليدوسكوبي من الرعايا السعداء الذين يصلون إلى "الخمسة" ليباركوا مخلصهم. شعر باسل بصدره ينتفخ بفرح عميق جعل عينيه تدمعان. أدار رأسه جانبًا، يبحث عن الظل الذي كان يقف دائمًا خلفه؛ أراد أن يرى ما إذا كان والده يراقبه، أراد أن يعرف إن كان فخورًا بما صار إليه ابنه.

ولكن حين التفت، لم يجد سوى فراغٍ باردٍ في استقباله. نظر حوله وبحث بلا جدوى، وبدأ القلق يتسلل إلى أعماقه.

كم من الوقت مضى؟ كم من الوقت بقي وحيدًا؟ وأين كان والده؟

نادى ابنه، مرة، ثم مرة أخرى وأخرى، لكن صوته ابتلعه الهتاف المدوي القادم من أسفل المنصة، وتذكر أنهم كانوا بعيدين جدًا. رفع يده ليصمت الجماهير، ليهدئ الضجيج حتى يتمكن من سماع وقع خطوة، أو نَفَس، أو سعلة، لكن كل ذلك ذهب سدى. أمرهم بالهدوء، وتوسل إليهم، ثم طالبهم بذلك، لكنهم كانوا صمًا عن رغباته.

خنقت نوبة من الذعر حلقه عندما اقتربت الحشود أكثر فأكثر، وانفتحت الأبواب التي كانت تحرس القاعة فجأة ليتدفق المزيد منهم، ولم يبدُ عليهم الترحيب كما كانوا من قبل. بحث عن أعمامه ليحموه، وعن الجنود ليذودوا عنه، لكن الحجر المحيط به كان عاريًا. كان وحيدًا في القمة، محاصرًا في مركز عاصفة لن تتوقف عن الصراخ من أجل أميرها.

والاسم الذي كانوا ينادون به لم يكن اسم والده، بل كان اسمه هو: "باسل! باسل! باسل!"

لقد كان هو الأمير.

بدأ الحشد يتدفق نحو أميرهم، وفقدت الوجوه وضوحها حتى انصهرت في كيان واحد، جدار من الأيدي الممدودة والأفواه الفارغة. صرخ مناديًا والده، وأعمامه، صرخ مستنجدًا بالآلهة، لكن لم يجبه أحد. وفي غياهب ذلك الرعب، تذكر ضوءًا أكثر رقة؛ ذكرى من اللافندر والحرير، ومن الأيدي الدافئة. نادى والدته، بكى من أجلها بدموع ساخنة ملتهبة شوشت بريق الذهب في القاعة، بينما أغمض عينيه بإحكام خوفًا، متذكرًا فجأة أنه لا يزال طفلًا.

ثم استُجيب دعاؤه.

وضعت يد على كتفه؛ كانت قوية، حانية، وتمتلك دفئًا مألوفًا أوقف الارتعاش في أطرافه. تنفس بصعوبة وهو يلتفت نحو تلك اللمسة بنشيج من الارتياح: "أمي! أنتِ هنا!"

ضغط وجهه ضد كفها، وفرك رأسه بيدها كما كان يفعل عندما كان طفلًا صغيرًا. تجمدت الحشود المتقدمة، وانخفض صخب الأصوات إلى صمت مفاجئ خانق. نعم، هنا يجب أن يكون، مع والدته. ما الذي يجعله أميرًا؟ لم يكن سوى صبي.

لكن عندما رفع عينيه لينظر إليها، آملًا أن يرى ابتسامتها، تحول الارتياح إلى رماد.

لم تعد المرأة التي تقف فوقه هي الأميرة النبيلة والطيبة التي يتذكرها؛ بل بدت هزيلة حتى العظم، وجلدها مشدود فوق وجنتيها كحرير مبلل على خشب. لم تكن عيناها برك الدفء التي عهدها، بل حفرًا فارغة من الظلال، منتفخة وخشنة من البكاء. وكان إكليل الفضة الذي ترتديه دائمًا مائلًا بشكل غير متساوٍ على صدغها، ومعدنه متآكلًا وصدئًا، لكنه لا يزال حادًا.

"أمي؟"

مد يده لأعلى، وكانت يداه الصغيرتان تتعثران بالذهب الثقيل فوق رأسه. كلا، لم يعد ذهبًا، بل صار حديدًا. لم تكن هناك أحجار كريمة أو ياقوت في تلك الزخرفة، بل كان هناك فقط حديد السيف والخوذة.

أصبح التاج فجأة ثقيلًا جدًا على جبينه. لماذا أراد ذلك التاج؟ لقد كان باردًا. لم يرغب في أن يكون أميرًا، فوالده هو الأمير. أين هو؟ أين والده؟

مـركَــز الرِّوَايــات والمترجم يتمنّون لكم قراءة ممتعة ولا تنسوا الصلاة على النبي ﷺ.

"لا أريده. أمي، من فضلكِ، لا أريد أن أكون كذلك. انزعيه!"

حاول رفع التاج ليتخلص منه، لكن يدي والدته تحركتا بقوة مفاجئة لم يتوقعها من ذراعيها النحيفتين. انغرزت أصابعها في الحلقة الحديدية، وبدلاً من رفعه، دفعت به للأسفل. دفعت التاج بقوة جعلت المعدن ينهش جبينه، مثبتةً رأسه ضد العرش، في المكان الذي قُدّر له أن يكون فيه.

بدأت الحشود التي وقفت صامتة تعود للهدير مرة أخرى، بصوت أعلى، وأبرد، وأقوى. كان يجرح يديه وهو يحاول دفع يدي والدته بعيدًا، محاولًا الانزلاق والهرب تمامًا كما فعل حين فر من البلاط.

لكن المزيد والمزيد من الأيدي انضمت إليها، مثبتة إياه على العرش، حتى لم يعد بإمكانه سوى النضال بلا جدوى. وصلت أصابعهم إلى معصمه، وقدمه، وخده، وعنقه، وتسربت برودة لمستهم إلى جلده.

أصبح التاج، الذي كان خفيفًا ونبيلًا على جبينه، يمتلك فجأة أسنانًا؛ بدأ ينغرس داخل جمجمته، والمعدن البارد يتسرب عبر جلده، ويقطع شعره، ويطحن عظامه. شعر بالمعدن ينبض ضد دماغه، وأحس بألم نابض جعله يصرخ، رغم أن لا صوت خرج من حلقه. بكى، لكن دموعه كانت حمراء، تتدفق على خديه لتلطخ صدره، وتسيل على ساقيه كالماء.

انبثق المعدن البارد من وجهه، وتفجرت الشظايا من أذنيه ومزقت سقف حلقه، محطمةً أسنانه وقاطعةً كل عصب. شعر بكل ثانية من ذلك الألم. وكلما كافح أكثر، زادت الأيدي الطيفية التي تثبته، مجبرة التاج على التعمق أكثر حتى صار معدنًا أكثر منه صبيًا. صار معدنًا أكثر منه لحمًا. مجرد معدن. مجرد أمير.

كان يشعر بالبرد، برد شديد. كان جليدًا؛ كان التاج دائرة من الموت المتجمد. وفي خضم كل ذلك، كانت الحشود تهتف وتحيي اسمه: "باسل! باسل! باسل!"

لقد كان الأمير.

كانوا ينادون باسمه بينما الحديد المنصهر يتسرب من أنفه. كانوا يصلون من أجل روحه بينما انشقت جمجمته، واندفعت دماء حياته لتتألق مثل الياقوت في ضوء النافذة المفتوحة. توقف عن الرؤية لأن عينيه قد انتُزعتا، وتوقف عن السمع لأن أذنيه سُدّتا بمعدن ثقيل وصامت. لم يعد بإمكانه التحدث، لأن فمه لم يعد ملكه.

لم يكن بإمكانه سوى الشعور بالأيدي، الآلاف منها، تلمسه وتمسكه، بخشونة ولين في آن واحد. كانت مثل ريح الشتاء. كان يتوق إلى الدفء، يتوق إلى النار. أراد أن ينطوي في أحضان والده وأن يكذب عليه الرجل، ليخبره أن كل شيء سيكون على ما يرام، وأن العالم ناعم وأن التاج ليس سوى قصة خيالية. كان مجرد فتى، وكان سيصدق الكذبة بكل سرور.

بدلًا من ذلك، استيقظ فجأة، ينتحب في صمت الليل الأجوف.

ولم يجلب له الإدراك بأنه كان مجرد كابوس أي راحة؛ فلم يكن أحمق، وكانت حقيقة غياب والده دليلًا كافيًا على أن الأمر لم يكن حقيقيًا، ومع ذلك، ظل الرعب متجذرًا في صدره. كان يعلم أنه مجرد حلم، ومع ذلك لم يستطع بطريقة ما اعتباره كذلك.

لم يحاول العودة إلى النوم، فلم يقدر على ذلك. كان السرير مبللًا بعرقه، وكلما أغمض جفنيه، شعر بتلك البرودة المعدنية تزحف على شعره، تنتظر فقط أن يغط في النوم ثانية.

لم يغير فتح عينيه أو إغلاقهما الكثير، فلم يستطع رؤية شيء؛ إذ كانت الظلمة تفرض سيطرتها على الغرفة، وقد استيقظ قبل شروق الشمس. كانت الشموع قد غارت منذ زمن بعيد في شمعها المذاب، ولم يستطع سوى تمييز ظلال الخيام من خلال النافذة، بينما كانت الرياح العاصفة في الخارج تضرب المطر ضد الحجر.

كان يفتقد الضوء، ويفتقد النار. لم يكن يهتم بالأشياء الغريبة التي تحدث عندما يقترب كثيرًا من اللهب؛ لم تكن حقيقية، ولا يمكن أن تكون كذلك. كان مجرد فتى يصلي لـ "الخمسة"، وكان على الشياطين أن تتصارع مع الحاكمة لتأخذه.

كان والده بخير، ووالدته آمنة. كان أعمامه قد عادوا، حتى جارزا عاد إلى الكنف قبل أيام فقط. احتضنه تورغان بضحكة وجعله يتأرجح بفأسه، وكان أساج يستمتع بإخباره القصص، أما إدريك… حسنًا، كان يكتفي بالشرب ويمرر له رشفة من النبيذ كلما غفل والده عنه.

كان كل شيء كما ينبغي أن يكون. لم يكن هناك حشد هائج، وكان والده لا يزال الأمير. ولماذا لا يكون كذلك؟ وهو الذي لم يخسر معركة واحدة، ابن النساج والمحارب معًا. كان سيسحق أعداءه ويجلب لهم النار. نعم، النار؛ نار رهيبة وقاسية.

تلك الأشياء لم تكن حقيقية، بل كانت أكاذيب الظلام. لم يكن شريرًا؛ فقد قال العم جارزا إن النار هي المفترس العظيم، شيء من الخراب، وباسل لم يكن خرابًا. كان يكره النار، وسيظل يرفضها حتى رمقه الأخير.

كان ابنًا بارًا. نعم، وسيكون أميرًا صالحًا، دون أي خوف من النار. لأنها لم تكن سوى ذلك؛ مجرد نار بسيطة.

لكن الطريق لا يزال طويلًا حتى يصبح أميرًا، فوالده سيعيش حياة مديدة. كان عليه أن يفعل ذلك.

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف مركز الروايات بريئ منها .

 من مركز الروايات . تذكّر  أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

 مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.