السيهِيويان: البداية من كشك في الشارع
الفصل 359

السيهِيويان: البداية من كشك في الشارع - الفصل 359

الفصل 359: إرث عمره آلاف السنين، هل تفهم ما معناه؟

قالوا إن تشن جون طاهٍ عظيم، يطلب من نفسه الكثير، فلا يكتفي بأن يكون الطعم ممتازًا، بل يجب أن تبدو الأطباق جميلة أيضًا، وانظروا فقط إلى طبق الأضلاع أمامكم، لونه فاتن ويبعث على الشهية

ثم قال يوري وقد هتف: يا للعجب، ما اسم هذا الطبق؟ من يخبرني ما اسمه؟ وهو يشير بحماس إلى طبقٍ أمامه

نظر المترجم سريعًا وقال: يا سيد يوري، الطبق الذي أمامك اسمه التوفو على طريقة مابو، والذي على اليسار لحم خنزير مطهوّ على البخار بطحين الأرز، والذي على اليمين مفاصل خنزير مطهية مع فول الصويا

قال يوري باندهاش: التوفو على طريقة مابو؟ إنه توفو، فكيف صار أحمر زاهيًا إلى هذا الحد؟

كان يوري في السابق لا يحتمل الفلفل الحار كثيرًا، لكن بعد بضعة أيام في مصنع الدرفلة صار لا يأكل بلا توابل حارة

وبدا له أن طبق التوفو مابو هذا مثالي للأكل مع الأرز، أليس كذلك؟

وبالطبع يناسبه أيضًا الخبز الكبير المطهوّ على البخار، فالخبز الكبير على البخار هنا في مصنع الدرفلة أطيب من الأرز

وجذبت كاترينا التي إلى جانبه مفاصلُ الخنزير المطهية مع فول الصويا، فقد بدا اللحم مرنًا وكأنه شديد اللذّة

قالت كاترينا بإعجاب: يوري، صديقك الطاهي مذهل فعلًا، كل طبق هنا كأنه عمل فنّي، أدقّ بكثير من طعامنا في الديار

وافقها يوري بقوة وقال: بالضبط، كنتُ أظن أن الطعام هنا يشبه طعامنا، كأنهما متقاربان في الوزن، هذا نحو 250 غرامًا وذاك نحو 300 غرام، لكن تشن جون يقول إن بلادهم واسعة وغنية، ومطابخهم ذات إرث يمتد لآلاف السنين، وحتى لو حاولتُ أن أعدّ كل صنف مرة واحدة فلن أستطيع تذوّقها كلها قبل أن أغادر مصنع الدرفلة

ثم قال بنبرة أسف: من المؤسف ألّا أتذوّق كل هذا الطعام الشهي

وشعرت كاترينا بحزن صديقها فغيّرت الموضوع سريعًا: يوري، اسم التوفو مابو غريب، هل اخترعه طاهٍ اسمه مابو؟

وكان يوري يراه لأول مرة ولا يعرف عنه أكثر مما تعرفه كاترينا، فلم يجد إلا أن ينظر إلى المترجم طلبًا للنجدة

وبدا المترجم في حيرة، فهو مترجم فحسب، فما شأنه بأصول الطبخ

وظل اسم التوفو مابو على هذا النحو منذ زمن، ونادرًا ما يفكر أحدٌ في صلة هذا الطبق بكلمة «مابو»

فقال المترجم مترددًا: ربما… لعلّه من ابتكار شخص اسمه مابو

وابتهجت كاترينا كأن تخمينها أصاب، فأشارت إلى طبق آخر وسألت: وما اسم هذا اللحم المقطّع على هيئة مربعات؟

فعاد يوري ينظر إلى المترجم

وكان في مصنع الدرفلة يأكل وينسى، لا يهتم بأسماء الأطباق، لأن كل طبق لذيذ ومدهش إلى حد يستحيل معه تذكّر اسم كل واحد

فقال المترجم بصبر: هذا أعرفه، اسمه الرسمي لحم دونغبو، وهو طبق شائع نسبيًا، قوامه من لحم خنزير مزيجٍ من الأحمر والدهن، لونه يشبه العقيق، غنيّ لكنه غير مِعْدي، وطريّ في الفم دون أن يتفكك

ولأن لحم دونغبو شائع نسبيًا كان المترجم يعرف عنه شيئًا

فقالت كاترينا مهتمة بمخترعي الأطباق: إذن اخترعه شخص اسمه دونغبو؟

فكّر المترجم لحظةً ثم هزّ رأسه مؤكدًا: نعم، طوّره سو شي، وهو أديب مشهور من أسرة سونغ الشمالية، وكان لقبه الأدبي «المقيم في دونغبو»، لذلك سُمّي الطبق لحم دونغبو

أسرة سونغ الشمالية؟

ما إن قال ذلك حتى شهق جميع المهندسين الموجودين

يا لها من خلفية تاريخية طويلة لطبقٍ واحد

قال يوري مزهوًّا: أرأيتِ يا كاترينا، إن تشن جون بارع بحق

وكان يتصرّف كأن براعة تشن جون هي براعته هو

قالت كاترينا بدهشة: كأن لكل طبق هنا تاريخًا وثقافة، أليس كذلك؟ وشعرت أن وجبة اليوم فتحت لها بابًا جديدًا إلى العالم

ومنذ وصولها إلى هذه البلاد وهي تستمتع بتجربة العادات المحلية، وتحب الاستكشاف وتعلّم ثقافة المكان خارج العمل

لكنها عادةً ما تكون مشغولة، تقضي معظم وقتها في التبادل داخل المصانع المختلفة، فلا يتاح لها الكثير من الفراغ

أما اليوم فكان بحق فتحًا للبصر

وبينما يتحادثون دُفع باب الغرفة الخاصة ودخلت ليو لان حاملةً طبقين

طبق بيض مقلي بالفلفل الحار، وطبق قلب كرنب بارد متبّل

وقد خطف قلبُ الكرنب البارد أنظار كاترينا على الفور

فخيوط الكرنب مغموسة بطبقة من زيت الفلفل الأحمر، تبدو غاية في الجمال

قال يوري: كاترينا، أعرف هذين الطبقين، دعيني أعرّفك بهما، لكنه لم يكمل، فقد كانت كاترينا متلهّفة للأكل أكثر من الاستماع

وبحركةٍ ماهرة تناولت عيدان الطعام ولوّحت ليوري: حبيبي، أنا جائعة، هيا نأكل بسرعة

وقالت ذلك ثم التقطت قبضةً من قلب الكرنب البارد ووضعتها في فمها

حارّ، مقرمش، منعش، وفيه لمسة حلاوة

وقد غلبت النكهاتُ القوية كاترينا تمامًا، فما كانت تتوقع أن يكون طبقٌ باردٌ بسيطٌ لذيذًا إلى هذا الحد، إنه أمرٌ غير معقول

آه… إنه حار، حار جدًا، لكن طعم هذا الفلفل رائع

فابتسم يوري وهو يرى ذلك وقال: عليكِ أن تتقبّلي الفلفل هنا، فهو يمنح متعة غير متوقعة، هيا هيا، جرّبي هذا الطبق أيضًا

وأخذت كاترينا نفسًا وهي تهزّ رأسها، ورغم أنها وجدت قلب الكرنب البارد حارًا للغاية فقد كان مُرضيًا بحق

وبعد عدة لقمات حوّلت كاترينا اهتمامها أخيرًا إلى أطباق أخرى

وعندها بدأ يوري يأكل أيضًا، فغدت الغرفة الخاصة أكثر هدوءًا، ولم يبقَ إلا صوت الأكل ورؤوسهم منحنية

وألقت كاترينا نظرة على الأطباق فوق الطاولة، وأرادت تجربة التوفو مابو، لكنها خافت أن يكون حارًا جدًا، فجرّبت لقمة من لحم بنكهة السمك

ممم

كان الطبق رائعًا، ليس حارًا فحسب، بل فيه أيضًا لمسة حلاوة

وحين دخلت خيوط اللحم فمها انبعث عطرٌ خاص، حلوٌ حامض، والتوابل موزونة بإتقان، ومع المكونات الجانبية بدا الطبق كأنه مسحور يرقص على لسانها

لقد اتّسعت عينا كاترينا من فرط الطعم الأخّاذ

لم يكذب يوري، فهذا نائب مدير الكافتيريا طاهٍ بارع حقًا

لا بد أنه يملك لمسة سحرية

ولاحظ يوري عندها ردّ فعل صديقته، فنظر إلى ذلك الاتجاه وابتسم راضيًا

لقد عرف هذا الطبق، لحم بنكهة السمك، وهو طبق يرضيه ويحبّه كثيرًا

وكان ردّ فعله عندما تذوّقه أول مرة قريبًا من ردّ فعل كاترينا الآن

والأعجب أن اسمه لحم بنكهة السمك، ولا سمك فيه أصلًا

وكان تفسير المترجم أن المرء لا يجد زوجةً في «كعكة الزوجة»، فمن الطبيعي ألا تجد سمكًا في «لحمٍ بنكهة السمك»

وهذا ما حيّر يوري طويلًا