السيهِيويان: البداية من كشك في الشارع
الفصل 331

السيهِيويان: البداية من كشك في الشارع - الفصل 331

الفصل 331: تعرّض شا تشو للضرب

لم يتفاجأ المدير يانغ والآخرون بذلك

فمع أن يوري قاد فريقًا هندسيًا إلى مصنع هونغشينغ للدرفلة الفولاذية من أجل تبادل وإرشاد تقني، فإنه من المستحيل أن يكشف بسهولة عن المعلومات الجوهرية

لأن ما أرادوا كسبه لم يكن أموال بيع المعدّات فحسب

فإن تعطّلت آلة، أو احتاجت إلى صيانة أو قطع غيار، وجب دعوتهم خصيصًا، وبذلك يواصلون جني المال

وكان الجانب السوفييتي معقولًا نسبيًا، إذ لديه فريق تقني محترف، فإذا لزم إصلاح أو صيانة يمكن تقديم طلب مباشرة، وبعد موافقة الجهات العليا يُدعون للقيام بها

ومع أنه كان كل ذلك يحتاج إلى مال، فإن الكفاءة كانت مقبولة

ولو نظر المرء بعد أعوام قليلة لوجد أن الأمريكيين أشد استغلالًا من السوفييت

إذ لا يقتصر الأمر على دفع المال، بل إنهم حتى لا يرغبون بالمجيء

فإذا تعطّلت آلة ولم يوجد من يصلحها لم يكن أمامهم سوى تركها معطّلة، فتُهدر الموارد

لذا لم يكن بدّ من دفع أسعار مرتفعة لاستقدام مهندسيهم

وعند حضورهم كانوا متعجرفين يزدَرون الجميع، وإذا أصلحوا الآلات أخلوا المكان ولم يسمحوا لرجالنا بالحضور، خوفًا من أن نتعلّم تقنياتهم

كان المدير يانغ قد واجه فرقًا هندسية مماثلة من قبل، وفهم معايير العمل عند أمثال يوري

كانوا يعلمون ما يجوز تدريسه وما لا يجوز

وطبعًا لم يكن هذا المعيار ثابتًا

فإن ارتاح فريق هندسي في مصنع ما، وانسجم مع العاملين، أو طاب لهم المزاج بعد بعض الشراب في المناسبات، أفصحوا قليلًا هنا وهناك

وكان السوفييت يدركون المشكلة الشائعة عند مهندسيهم، وهي حبّهم للخمر، لذا أصدروا حظرًا على الكحول

لكن الحظر قد يضبط الآخرين، أمّا السوفييت عشّاق الشراب فلا يضبطهم

وبسبب الموقع الجغرافي، كان الجانب السوفييتي يعيش شتاءً ثلاثة فصول من السنة، وللشراب أثر دافئ؛ وإن لم يُدفئ الجسد حقًا فإنه يخفّف الإحساس بالبرد

وفوق ذلك كانت سبل الترفيه قليلة، فلا شيء يُفعل في الجليد والثلج إلا الشرب في البيت، ولا سيّما في بعض الأرياف حيث كان ذلك أوضح

قد يثملون يومًا كاملًا، ولا يُدرى متى يصحون؛ وأحيانًا يستيقظون ليجدوا شخصًا مفقودًا، وفي كل شتاء كان يُعثر على سكارى متجمّدين على قارعة الطريق

لمح المدير يانغ الوقت، فرأى أن اجتماع التبادل أوشك على الانتهاء، فسار إلى المترجم وهمس له بكلمات

هزّ المترجم رأسه قائلًا: السيد يوري، يدعوكم المدير يانغ إلى الغداء، ويمكن متابعة اجتماع التبادل بعد الظهر

وما إن سمع مهندسو فريق يوري عن الطعام حتى لم يملكوا إلا أن يومئوا موافقين

كانت الساعة قد تجاوزت 11 فعلًا، وكانوا جائعين بعض الشيء

وازدادت عينا يوري بريقًا

فقد أمضى هنا أعوامًا، وازداد شعوره بعُمق الإرث الثقافي والمطبخي لدرجة تُشعِر المرء بوخز في فروة رأسه

كانت هناك أمور كثيرة تستحق أن يستكشفها

وخاصة في فنون الطهو، وقد صار ذلك أحد الأسباب الرئيسة لبقائه هنا

وقبل مجيئه إلى مصنع الدرفلة سمع يوري شائعات، مثل أن مصنع هونغشينغ للدرفلة الفولاذية يضم طاهًٍا استثنائيًا أطباقه لذيذة على نحو خاص

حسنًا، فلنذهب أولًا إلى الغداء

ابتسم يوري ابتسامة عريضة ولوّح لبقية المهندسين

وما إن رأوا ذلك حتى نهضوا جميعًا، وسارت المجموعة نحو المقصف رقم 1

وما إن دخلوا المقصف حتى طاف يوري بنظره من حوله، ثم هزّ رأسه راضيًا

جيّد جدًا، فمقصف مصنع هونغشينغ للدرفلة الفولاذية لا روائح غريبة فيه، والطاولات والكراسي نظيفة ومصفوفة بعناية تجعل المرء مرتاحًا

وانظر إلى الأرضية، فهي نظيفة جدًا أيضًا

بهذه الشروط الصحية ازداد توقّع يوري

فقد أمضى هنا أعوامًا، وزار مقاصف كثيرة، ولم يرَ مقصفًا نظيفًا إلى هذا الحد

ومن الواضح أن مسؤول المقصف في مصنع هونغشينغ يضع معايير عالية للنظافة

وحين بلغوا غرفة الضيافة الخاصة وجلس الجميع، بدأ طاقم المطبخ بتقديم الأطباق

وما إن قُدّمت حتى أخذ مهندسو الاتحاد السوفييتي يستنشقون معًا

يا للعجب

كان العطر فاتنًا إلى حدّ أنه استثار ديدان الجوع في بطونهم

راقب المدير يانغ ردود أفعال يوري والآخرين فلم يتمالك إلا أن يرفع ذقنه اعتزازًا

أيها الصغار، سأجعلكم تسيل لعابكم حتى الموت

ولعل الوقت كان وقت طعام، أو لعل فطور المدير يانغ لم يكن جيّدًا، فبعد لحظة الزهو لم يملك إلا أن يبتلع جرعة كبيرة من اللعاب

يبدو أن استقبال اليوم كان متفوّقًا أكثر مما ينبغي

وفي الواقع كانت فِراسة المدير يانغ دقيقة؛ فمعيار هذا الاستقبال تجاوز المعتاد كثيرًا

وليبهر يوري والآخرين من الوجبة الأولى، بذل تشن جون جهدًا كبيرًا هذه المرّة

فعادةً يكفيه في الاستقبال أن يستخدم نحو 80% من مهارته

لكن اليوم تمنّى تشن جون لو استطاع أن يطلق 120% من مهارته

فطاهٍ من المستوى الثاني، ومعه أحدث دفعة من التوابل التي كافأه بها النظام، رفعت استقبال اليوم إلى ما يفوق نطاق مهارة طاهٍ من المستوى الثاني المعتادة

سواء من ناحية اللون أو العطر أو الطعم، كان مُرضيًا إلى أقصى حد

ولتعزيز أناقة الأطباق مضى تشن جون إلى حدّ تصميم تقديم فريد لكل طبق، وكان ذلك جنونًا بحق

وقد أذهلت هذه الخطوة يوري والآخرين، وحتى العاملين في المطبخ مثل شا تشو كادوا يُصعَقون

أيمكن فعل هذا حقًا

أيمكن فعل هذا إلى هذا الحد

ساعد شا تشو، لكنه فَتُرَ دون أن يقصد

فهو حين يواجه تشن جون لا يملك إلا أن يشعر بالعجز

وكان هذا الإحساس مختلفًا عند شا تشو عنه عند عمّال الخدمات مثل ليو لان

فليو لان وأمثاله لم يبدؤوا أصلًا تعلّم الطبخ تعلّمًا رسميًا، لذا حين يواجهون تشن جون يشعرون كضفدع في بئر يلمح القمر الساطع، فيرى كل شيء مدهشًا للغاية

أما شا تشو فمختلف، إذ صقل مهارته في الطهو بجدّ، وحين واجه تشن جون بدا كذبابة مايو الصغيرة أمام سماء فسيحة

وكان العطر الغنيّ الشهيّ يتسلّل إلى الأنوف فيجعل يوري والآخرين كأنهم احتسوا فودكا، سكارى قليلًا

ومع هذا التقديم المتقن، ورغم أن يوري وفريقه يبتلعون ريقهم، لم يجرؤ أحد على التقاط سكين أو شوكة أو عيدان طعام

قال المدير يانغ وهو راضٍ عن ردود الأفعال، وكاتمٌ ابتسامة: الرفيق يوري، والرفيق ميخائيل، والرفاق جميعًا، تفضّلوا نبدأ الأكل، عندنا مثل يقول: كُلوا وهو ساخن

وسرعان ما ابتلع المترجم ريقه وهو ينقل كلام المدير يانغ

فعاد يوري والآخرون من نشوتهم، وأمسكوا على عجل بأدوات الطعام أمامهم

بل إن يوري تناول عيدان الطعام بألفة، ومن غير أن يتكلّف المجاملات مع المدير يانغ والآخرين خطف على عَجَل قطعة من الطبق الأقرب إليه

رفع المدير يانغ حاجبه دهشةً وهو يرى يوري يُحسِن استعمال عيدان الطعام

هذا الأجنبي طريف، لا يكتفي بأنه يستخدم العيدان على نحو صحيح، بل يمسكهما بثبات أيضًا، إنه حقًا مهندس، يتعلّم كل شيء بسرعة