الفصل 17 - الباب
نزُل من عالم آخر - الفصل 17 - الباب
الفصل 17: الباب
اختلطت جميع الأصوات معاً، وتصادمت الأفكار المسعورة مع آخر ما تبقى من عقل الثعلبة الشيطانية وتمزقت. سمع "يو شنغ" أنين "هو لي" المتألم بجانب أذنه، لكن في ذهنه كان يتردد صدى أصوات أكثر جنوناً واضطراباً – شهية الثعلبة التي شارفت على فقدان السيطرة، جوع كأنه انتزاع للقلب، إغواء الظلام الفوضوي، و… نداءات تحثه على الهروب.
استنشق "يو شنغ" نفساً عميقاً فجأة، وانحنى بجسده ليندفع نحو فجوة ما بين الثعلبة وذلك الوحش، لكنه لم يهرب كما حثته "هو لي"، بل التقط من الأرض لوحاً حجرياً مكسوراً، واحتضنه ثم اندفع نحو جانب الوحش.
كان يعلم بالطبع أنه على الأرجح لن يستطيع هزيمة هذا الوحش، لكنه أدرك بوضوح أكبر أن الهروب من هنا بقوة قدمي البشر أمر مستحيل تماماً، بالإضافة إلى أن المكان مليء بالأنقاض التي تسد الطريق، والمخرج الواسع الوحيد المؤدي إلى خارج المعبد المهجور قد سُدَّ تماماً بجسد الوحش الضخم. في هذه الحالة، فإن الهروب المتهور لن يؤدي إلا إلى موت أسرع.
من الأفضل المخاطرة بالهجوم؛ لن ينتصر في القتال، ولكن بما أنه لا يخشى الموت، فلديه فرصة لانتزاع بعض النتائج قبل رحيله – وإذا حالفه الحظ وتشتت انتباه الوحش، فربما يمنح "هو لي" فرصة للتحرر من تلك القيود الرهيبة. كانت لا تزال تكافح للحفاظ على عقلها، وإذا أتيحت لها فرصة للتحرر، فقد تلوح فرصة للهجوم المضاد…
[Just me]
مرت كل هذه الأفكار في لمحة بصر. علم "يو شنغ" أن تفكيره لم يكن شاملاً، لكنه لم يهتم كثيراً. في ظل انعدام الخيارات، لم يجد بداً من القسوة على نفسه. انفجرت في هذا الجسد مرة أخرى قوة هائلة أربكته هو نفسه، وقذف ذلك اللوح الحجري الثقيل كأنه قذيفة باتجاه وحش اللحم والدم.
في الثانية التالية، لم يجد وقتاً للتأكد من "نتائج" ضربته؛ انبعث تحذير هائل من أعماق قلبه. "رأى" يو شنغ هجوم الوحش المضاد قبل ثانية واحدة، فقفز بجسده بقوة إلى الجانب.
ضرب ظل أسود يشبه السوط الفولاذي المكان الذي كان يقف فيه قبل قليل بقوة. كان ذلك "ذيل أفعى" انشق فجأة عن سطح جسد الوحش. في تلك اللحظة، تطاير التراب والحجارة، وتحول الحجر الصلب والطوب المحطم إلى غبار. شعر "يو شنغ" بصدمة قوية وهو في الهواء؛ اصطدمت قطع الحجارة الصغيرة بجسده مثل الرصاص، حتى أنها أصدرت صوتاً يشبه اصطدام المعدن بالحجر.
لم يبالِ "يو شنغ" بالألم في جسده، فبمجرد هبوطه تدحرج بسرعة متجنباً ملاحقة ذيل الأفعى، بينما لمحت زاوية عينه الاتجاه الذي تتواجد فيه "هو لي".
كانت الثعلبة الفضية تكافح بضراوة بين عدد لا يحصى من الأشواك السوداء وشظايا العظام، ونيران الروح الزرقاء الشاحبة المشتعلة بالقرب من ذيلها كانت تومض بشدة، وكأنها ستنفجر وتخرج عن السيطرة في الثانية التالية.
لكنها كانت لا تزال مقيدة بشدة – بدت تلك الأشياء التي تقيدها وكأنها صممت خصيصاً لها؛ فتدخل "يو شنغ" الجانبي لم يحقق أي نتيجة.
في الواقع، استطاع "يو شنغ" أن يحكم من نظرة واحدة أن هذه الفتاة الثعلبة أقوى منه بأضعاف مضاعفة، لكنها أمام ذلك الوحش لم تملك أي قدرة على الرد. من الواضح أنه كان هناك "تضاد" جلي بينها وبين ذلك الوحش.
ولكن في البداية، في تلك المساحة الفارغة خارج المعبد، اندفعت دون تردد محاولةً "إنقاذه" – ورغم فشل محاولة الإنقاذ في النهاية، إلا أنها كانت تريد حقاً المساعدة حينها.
ومضت الذكرى سريعاً، فجز "يو شنغ" على أسنانه بقوة، وأراد الاندفاع مرة أخرى، ليجرب الطريقة القديمة في مقايضة حياته بانتزاع بعض الأجزاء من ذلك الوحش.
لم يكن يعرف من أين أتت القوة الإضافية والقدرة على التعافي في جسده، لكنه تذكر أنه قبل ظهور هذه التغييرات لأول مرة، قضم قطعة من لحم ذلك الوحش.
لم يكن متأكداً مما إذا كان هناك رابط بين الأمرين، لكن في الوقت الحالي لا يوجد طريق آخر، وبما أنه لا يخشى الموت، فلا بأس من تجربة كل التخمينات الجريئة في ذهنه.
"لا… تهتم بي!" في هذه اللحظة، جاء صوت "هو لي" مرة أخرى، "إنه لا يستطيع… قتلي، أنت، اهرب بسرعة!"
"لا بأس، هو لا يستطيع قتلي أيضاً،" بصق "يو شنغ" بعض الدم، كانت جراحاً أصيب بها عندما ارتطمت الحجارة المتطايرة بذقنه. التفت ونظر إلى الثعلبة الفضية، وعلى وجهه ابتسامة مبهجة، "بعد قليل، ربما أموت، لكن لا تقلقي، سأعود لأبحث عنكِ."
توقفت حركات "هو لي" الكفاحية للحظة، وبدت وكأنها غارقة في الحيرة.
لكن "يو شنغ" لم يشرح شيئاً، بل تقدم نحو الوحش بخطوات خفيفة، وازدادت الابتسامة على وجهه وضوحاً.
كانت تلك الابتسامة تحمل نوعاً من السعادة التي يشعر بها المرء وهو ذاهب إلى مأدبة.
"ألا تحب إقناع الناس بالأكل؟" نظر إلى وحش اللحم والدم أمامه، وتمتم في نفسه، "حسناً، السيد قادم ليأكل!"
قفز في الهواء، وانقض كذئب جائع نحو طاولة تلك المأدبة.
ارتعشت عشرات العيون في جسد ذلك الوحش بشدة، ولأول مرة، بدا وكأن لمحة من التردد و… الانكماش قد ظهرت في تلك العيون الفوضوية والمسعورة.
أصدرت أفواهه المتعددة زئيراً غامضاً، ثم انشقت عدة "ذيول أفعى" تشبه المجسات وتحمل حراشف سوداء من ذلك الجسد المتراكم باللحم، وطعنت "يو شنغ" وهو في الهواء.
شعر "يو شنغ" بجسده يُخترق، إصابات قاتلة، لم يعرف عددها بدقة، شعر بحياته تبدأ في التلاشي، والدم الدافئ يسحب الحيوية من جسده.
لكن تلك "الشهية" التي لا توصف انبعثت من أعماق قلبه. تجاهل الألم في جسده، وتجاهل كل المقاومة والقلق المتعلق بالموت؛ احتضن ذيل أفعى كان قد غرز في بطنه، واتسعت زوايا فمه، ثم خفض رأسه وقضم—
أطلق الوحش صرخة غريبة وحادة، وهز ذلك الذيل بعنف، وكأنه يحاول التخلص من حشرة سامة قاتلة ملتصقة به.
ومع ذلك، تمسك "يو شنغ" بذلك الذيل بقوة، رافضاً تركه مهما اهتز الخصم بعنف. ارتطم بالأرض بفعل حركة الذيل، ثم حطم جداراً مهترئاً بجانبه. لم يتأذَّ جسده القوي في هذا الارتطام القاتل، بل جعله الألم أكثر يقظة.
وفي تلك اللحظة، ارتفع ذيل الأفعى عالياً مرة أخرى، وقذفه نحو ثقب كبير مائل في جدار المعبد.
ومض ضوء ذهبي غريب فجأة في حافة الرؤية.
رفع "يو شنغ" رأسه بصعوبة وسط صوت الرياح الهادر حول أذنيه، ورأى ذلك اللون الذهبي يقترب منه بسرعة. قبل أن يتمكن من تمييز ماهيته، رفع يده لا شعورياً لصدّه.
أمسكت يده بشيء ما – كان مقبضاً.
يو شنغ: "…؟"
اختلط صوت صرير خفيف مع هدير الرياح، وظهرت في ذهن "يو شنغ" فجأة صورة باب – باب عادي جداً، يؤدي إلى مكان ما، يؤدي إلى…
بمجرد أن خطر بباله لا شعورياً مكان معين، فُتح ذلك الباب بفعله.
في الثانية التالية، سقط "يو شنغ" وذلك الذيل المغطى بالحراشف السوداء داخل الباب فوراً، ثم مع صوت صرير حاد، انغلق الباب بقوة.
قُطع ذيل وحش اللحم والدم مباشرة بواسطة الباب الذي ظهر واختفى فجأة. تردد صدى عواء مضطرب كفيل بإصابة السامعين بالجنون في الوادي. بدا أن هذا الجرح قد أفقده صوابه؛ زأر وسط أنقاض المعبد، واصطدم بكل شيء، وقضم بجنون كل ما وقع في بصره، بما في ذلك جسده هو نفسه. وبعد وقت طويل، هدأ ببطء، وتحول جسده مرة أخرى إلى ظل مظلم وعدمي، وتلاشى تدريجياً في الليل.
اختفت تلك الأشواك السوداء وشظايا العظام دون أثر، وسقطت الثعلبة الفضية المثقلة بالجراح على الأرض، هامدة دون حراك، وكأنها فارقت الحياة.
بعد بضع دقائق، فتحت "هو لي" عينيها ببطء، ونظرت حولها بذهول. بدت عيناها ذات اللون الذهبي المحمر وكأنها فقدت تماماً الروح "البشرية".
وبعد برهة أخرى، تركزت نظرتها على مكان ما في الأنقاض.
كانت تلك الدرجة التي جلست فيها سابقاً مع "ولي نعمها".
جرت جسدها الضخم كأنه ثعلبة شيطانية، وتحركت ببطء نحو هناك. رأت الأكياس البلاستيكية وبقايا الطعام المتناثرة أسفل الدرج، فخفضت رأسها، وبينما كانت تصدر أنيناً، ابتلعت كل تلك الأشياء في بطنها.
لكنها كانت لا تزال جائعة جداً.
بدا ذلك الصوت المغوي وكأنه شيطان لا يرحل، يحثها في أعمق أعماق الجوع—
"كلي، أنتِ تعلمين أين يوجد ما يملأ بطنكِ…
"لقد دفنتِهم في الغابة…
"عظام، لحم، ودم…
"اذهبي، كلي، ولن تشعري بالجوع بعد ذلك…"
نکست الثعلبة رأسها، وأصدرت أنيناً يشبه البكاء، ثم انكمشت تحت الدرج، ومدت عنقها ببطء، وبدأت تقضم الطوب والحجارة المحطمة بجانبها، ونبشت الطين والخشب المتعفن من تحت الأنقاض، وحشرتها ببطء في فمها، تقضمها مراراً وتكراراً.
"لست جائعة… لست جائعة… أحدهم أعطاني طعاماً… سيعود بعد قليل ويحضر لي المزيد… لست جائعة…"
استمرت في القضم هكذا، حتى فقدت وعيها تدريجياً، تماماً كما حدث في سنوات عديدة مضت.
أيقظ شعور السقوط المستمر "يو شنغ" من حالة الذهول. كان لا يزال يحتفظ بـ "شعور" الإمساك بمقبض الباب في يده، لكن في الثانية التالية، أدرك أنه قد تجاوز حداً ما.
اتسعت عيناه بذهول، ورأى نفسه ملقى بجانب الطريق. في بصره كانت تظهر مصابيح الشوارع المألوفة، وأعمدة الكهرباء، والبيوت القديمة المنخفضة في طريق "ووتونغ".
كان السور الخارجي القديم والباب الخاص برقم 66 طريق "ووتونغ" يقعان في مكان غير بعيد، شامخين في ضوء الصباح الباكر الباهت.
التفت برأسه بصعوبة، ورأى طيف باب يتلاشى تدريجياً. في أعماق ذلك الطيف، بدا وكأنه لا يزال يرى ذلك الوادي المحاط بسواد الليل، وأنقاض المعبد، و…
الثعلبة البيضاء التي كانت تحرك جسدها بصعوبة وسط الأنقاض.
حاول "يو شنغ" مد يده نحو تلك الثعلبة البيضاء.
لكن آخر ما تبقى من الظل تلاشى قبل أن تلمسه أطراف أصابعه.