الفصل 60
الليل الأبدي - الفصل 60
الفصل 60: شبهة قدوم شخص مألوف
كان رجلان أطول قامة، ودروعهما الذهبية لا تخفت في عتمة الليل، ولها شبهٌ بما يتناقله الناس في بعض الأقاليم عن الستة دينغ والستة جيا
شعر تشين مينغ أن هذين الرجلين ليسا عاديَّين، ففي جسديهما حيويّةٌ كثيفة، وروحهما وحرارة دمهما تفور حتى تتجاوز الدروع ولا تُحجَب
لم يسبق له أن رأى هؤلاء الأربعة، وأكثرُ من يشدّ النظر فيهم بطبيعة الحال هي المرأة التي تتقدّمهم
كان انطباع تشين مينغ الأوّل عنها أنها جميلة، تبهر العين من النظرة الأولى، وكلما أطال النظر زادت جاذبيتها للبصر
توقّفت لي تشينغ يويه، ووقفت هادئةً على حافة الطريق
انهدل شعرها الأسود كشلال، وقوامها رقيقٌ كغصن صفصاف، وأطراف ثوبها ترفّعها الريح، وفي هذا الليل الكثيف، وخارج البلدة حيث لا نبعَ نار، خُيّل للناظر أنّ وهج الأفق ينهض حولها كأنه يبدّد ضباب الليل
لم يُطِل تشين مينغ النظر، وحفّز وحشَ البرق الأرجواني لينطلق عابرًا
فتحت الوصيفة الصغيرة فمها تريد أن تقول شيئًا، لكنها تذكّرت كلام سيّدتها بأن لا مناسبة للتعرّف، فأطبقت شفتيها من جديد
التقط تشين مينغ بحدّته تغيّر ملامحها، وحتى عمق الليل لم يعد يعوق بصره كما هو الآن
وفي الوقت نفسه لاحظ أن تلك المرأة كأنها تتفحّصه
استغرب تشين مينغ، ولم يملك إلا أن رمقها بطرفة عين
كانت المسافة قريبةً جدًّا، حتى إنه رأى زخرفة المِشبك في شعرها بوضوح
كانت ترتدي كساء ريشٍ فضيًّا، من غير مساحيق، ووجهها متقَنًا لا مأخذ عليه، واقفةً هناك كقمرٍ صافٍ يشقّ السحاب، كأنها تشعّ في سواد الليل، وجسمها نقيّ الطلعة، رفيع الأناقة نادر المثال
قبل وقتٍ غير بعيد تعرّض تشين مينغ لهجومِ أحدِ أهل الطريق الخارجي القادرين على التبخّر إلى ضباب، وقبل عامين أثخنه فتىً بلباسٍ من الريش جراحًا حتى قارب الهلاك، وانتهى به المطاف في هذه البقعة القصيّة
لذلك كان في نفسه شيءٌ من النفور من أهل الطريق الخارجي
ومع أن صاحبة الكساء الفضي بالغةُ الفتنة، فإن تشين مينغ لم يزد على نظرتين هادئتين، ثم ساق دابته ومضى
التفتت لي تشينغ يويه تنظر إلى ظهره وهو يمضي مبتعدًا
كانت قد رأت من قبل أن لقاءهما غير مناسب، لكن الصدف جمعت بينهما هنا، وبينما ما زالت تفكّر أَتفتح الكلام أم تسكت، إذا به هو يمضي ببرودٍ تامّ، لا يتوقّف لحظة، ويندفع ماضيًا
قطّبت لي تشينغ يويه حاجبيها الرقيقين قليلًا، ولم تكن تضع نقابًا، فلا يعقل ألّا يعرفها، لكن عينَيه كانتا هادئتين عميقتين، بلا أدنى تموّج
فاجأها الأمر قليلًا، أتكون سنتان وبضعة أشهر كافيةً ليتبدّل المرء إلى هذا الحدّ، حتى تذوقَت باكرًا معنى أن تبقى الأشياء وتتبدّل الوجوه
قالت الوصيفة: سيّدتي، أهناك شيءٌ بينك وبينه؟ أشعر بأمرٍ غريب، أنتِ رأيتِ أن من غير المناسب اللقاء، بينما بدا هو أهدأ منك، بل أبرد، ولولا أننا سبقنا بالنظر إليه ما كان ليلتفت إليك، يا لها من برودةٍ وجفاء
هزّت لي تشينغ يويه رأسها وقالت: ما هذا الذي تهوّمين به؟ كنتُ وهو أصدقاءَ فحسب في ما مضى، ولا وجود لتلك التخاريف
أومأت الوصيفة وقد فهمت، ثم قالت: لقبه تسوي، أتريدين القول إنكم من الدائرة نفسها لا أكثر
قالت لي تشينغ يويه: حدثت أمورٌ كثيرة قبل عامين، وتفرّق المألوفون كلٌّ في طريق، فمنهم من صار من أهل الطريق الخارجي، ومنهم من سلك درب النشأة باكرًا، ومنهم من صار وجهًا لافتًا، ومنهم من أخذ يخبو شيئًا فشيئًا، وإن ظلّت أصوله العائلية مرموقة، لكن أشياء كثيرة تغيّرت، ولا أدري لماذا جاء هو إلى هنا
سألتها الوصيفة خافتةً حذرة: وذلك الشخص الذي مرّ الآن، ينتمي إلى أيّ صنفٍ منهم
قالت: شخصٌ كأنه شيءٌ من ضباب، هيا بنا، ومضت تقود الطريق نحو بلدة تشينغسونغ
…
قال تشين مينغ وهو في الطريق: غريب، ثمةَ مألوفٌ خفيف
وقيّم في نفسه، فرأى أن صاحبة اللباس الريشي رقيقةُ البنية، ولو لم تلجأ إلى وسائل أهل الطريق الخارجي غير المتوقّعة، فبالمقارنة الجسدية وحدها يحسّ أنه يستطيع أن يطيرها بقبضةٍ واحدة
هزّ رأسه، وربّت بالحربة الطويلة المكسورة على وحش البرق الأرجواني، وانطلق بعيدًا بسرعة
ثم قال: حسنًا، يمكنكِ أن ترحلي، وكان وفيًّا بكلامه، فبعد أن دار بوحش البرق الأرجواني دورةً واسعة، وصار يبعد عن قرية الشجرتين نحو 40 كيلومترًا، نوى أن يطلقها لحال سبيلها
تهلّل وحش البرق الأرجواني، فقد كان قد أعدّ نفسه لأسوأ الاحتمالات، على أن يبتلع المرارة مؤقّتًا ثم يردّ الصاع صاعين لاحقًا ويذيق هذا الفتى الويل حتى يصرخ طلبًا للرحمة
وإذا به يؤذَن له بالرحيل في هذه اللحظة، وهو ما لم يخطر له ببال
قال له: أما زلت لا تمضي؟ علامَ الشرود، وركله على مؤخرته
وثب وحش البرق الأرجواني غاضبًا مذعورًا مسافةَ عشرات الأمتار، ثم التفت، ورفع حافرًا يشير به إليه، وهو يزأر خافتًا بكلامٍ لا يُفهَم
قال تشين مينغ وهو يزن الحربةَ المكسورة بيده: علامَ العواء، أتراك لا تريد الحياة
فارتاع الوحش، وقَفز أكثر من عشرة أمتار، ودخل الغابة الكثيفة وغاب
سلك تشين مينغ طريق العودة، ولم يرجع على الطريق نفسه، بل لفّ مبتعدًا يجري، ودخل الغابة في أثناء الطريق فدفن درعه كلَّه وسيفه ورمحه وقوسه وسهامه وسائر عُدّته عميقًا، وتخلّى عنها تمامًا
ورأى أنه لا حاجة على ما يبدو إلى لبس الدروع بعد اليوم، فدمجُه أنواعًا شتّى من قوى النور السماوي وفرشُها على سطح الجسد أبلغُ نفعًا في الحماية من الدروع
فالدجاجة الذهبية العجوز التي خضعت لخمسة تحوّلات، حين تعرض حركة «جناح العنقاء المفرد» تقدر أن تشقّ درعه المتقَن، لكنها لا تخترق نورَه السماوي الحامي للجسد
تابع تشين مينغ طريقه خفيف العُدّة، يحمل سكينًا من حديد اليشم الشحميّ على ظهره، فقفزت سرعته قفزةً كبيرة
لضمان دعم المترجمين، اقرأ دومًا رواياتك من موقع مركز الروايات، مكتبة بلا إعلانات وأكبر منصة عربية للروايات.
تحت الثلج، دخل القرية صامتًا، وكان قد خرج في أوّل الليل، وها هو يعود الآن وليس متأخّرًا كثيرًا
كان مزاج تشين مينغ حسنًا، فبئس ما كان، لقد سوّى جبل الديك الذهبي بمفرده
قال: بعد عدوٍ طويل في ليلٍ مديد، بين سيرٍ وقتال، أشعر بالجوع قليلًا، فأكل أولًا بعضَ ثمار تلة الثور البري، ثم نضج لحم البقر في القِدر النحاسي وهو يفور بالبخار
في الجبل كان وحش البرق الأرجواني يشتعل غيظًا، يصطدم بالأشجار صدمةً وراء صدمة، حتى إن بعض الأشجار الغليظة قَطعَها باندفاعه
طارت بومةٌ بيضاء، تُسكّنه وتدعوه إلى إطفاء الغضب، فلا حاجة إلى الاشتعال
ثم همست تسأله: هل ذهبتَ إلى لقاء سيّد الجبل، أيمكن نيل الدواء العظيم لليَن واليانغ
قال وحش البرق الأرجواني: خنزير الجبل العجوز فيه أمرٌ مريب، فررتُ قبل أن أقترب
نبّهته البومة البيضاء: سمِّه سيّد الجبل في هذه الناحية، وما الذي فيه من أمر
قال: لقد استُبدل خنزيرُ الجبل العجوز
دهشت البومة: وبمن استُبدل
قال وحش البرق الأرجواني: أظنّه على الأغلب ذاك العجوزُ الأشعث الأبيض الذي كان يبكي عند القبور في ذلك العام، لم يمت ولم يهرب، بل صار هو سيّد الجبل
قالت: فماذا نصنع، وقد شاع الخبر بين الجميع، فبقايا جذور الأشجار العتيقة في جبل السواد والبياض، وما بقي من سوقها، غذّاها النور السماوي فتحوّلت إلى دواءٍ عظيم لليَن واليانغ، والجميع يضغط للمطالبة به، وأهل الطريق الخارجي بالذات أشدّ الناس طمعًا في هذا العُشب الحامل لطاقة الين واليانغ، فإذا كثر الطامعون، أيمكنك أن تحوزه
قال متنهّدًا وقد عجز: ليت أحدَ الكبار يتدخّل، أما أنا فلا أستطيع وحدي
ثم ارتجف من الغيظ وقال: اذهبي وتحسّسي لي رجلًا بعينه، يبدو أنه نَشِئَ أربعَ أو خمسَ مرّات، استبعدي أبناءَ هذه الناحية، فلهجته تكشف أنه من المدينة العظمى حيث أسرُ النُّبلاء، انظري من جاء مؤخرًا إلى هذه البقاع من جبل السواد والبياض، فإذا وقع في يدي حطّمتُ رأسه ركلًا
ولمّا استعاد تذكّره الآن أحسّ كأنه سينفجر في مكانه، ثم أسرع يعدو إلى الينابيع الساخنة، كأنه يريد أن يغسل العار
وكان تشين مينغ يتكلّم في العادة بلهجةٍ محليّة خالصة، ومنذ أن صارت تتراءى له من حينٍ إلى آخر مشاهدُ منكسرة وصورٌ ضبابية، استطاع لهجةَ البعيد أيضًا، وفي هذه الليلة تظاهر بالطابع الغريب بطبيعة الحال
وأثناء جرده للغنائم عثر مصادفةً بين صفحات كتاب على أوراقٍ مطويّة، فإذا بها رسائل متبادلة بين لصَّين كبيرين وشيخٍ من لصوص الذهب في البعيد
وقال في نفسه: لصوصُ الذهب على صلةٍ بأهل الطريق الخارجي، ولعلّ ذاك الرجل القادر على التبخّر إلى ضباب وحشٌ من أهل الطريق الخارجي أصلًا
لكن تشين مينغ لم يُعنَ بهذا كلّه، فكلّ الخيوط انقطعت على جبل الديك الذهبي على أيّ حال
في اليوم التالي نهض باكرًا وهو ممتلئ النفس والقوام والروح، وبعد أن قضى نزعته إلى القضاء على اللصوص رأى أنه قد آن الأوان لرحلةٍ بعيدة
ناداه ليو العجوز عند الصباح وهو يطرق الباب: يا تشين الصغير، ولمّا رآه في البيت أطلق زفرةَ ارتياحٍ كاملة
قال تشين مينغ كلمتين لا غير: تمّ الأمر
كان ليو العجوز يدري أنه سار ليلًا إلى مهمّةٍ جسيمة، فلما سمع هذا الجواب تهيّج وكاد يصرخ فرحًا، فراح يتنفّس بعمقٍ ليكظم نفسه
قال مدهوشًا: ما أروعك، بعد ثلاث نشآتٍ صرتَ قادرًا على قتل كبار اللصوص، وأفنيتَ جبل الديك الذهبي وحدك
ثم استوثق من التفاصيل وعاد إلى بيته راضيًا مسرورًا، وفتح جرّةً من خمرٍ طيّب حملها من فرقة حراسة الجبل، وجلس يترشفها بمتعة
وكان يعلم أنه لن تمضيَ يومان حتى تعصف في هذه البقعة أمواجٌ عاتية
نادَى: يا يونغتشينغ، تعال شاركني كأسًا، وهو يدعو الجار يانغ يونغتشينغ
قال يانغ: عمي ليو، أنا على وشك أن أصير قاطعَ طريقٍ جبليًّا، فكيف أشرب
ضحك ليو العجوز وقال: ألستَ لم تذهب بعد، لدينا الخمر اليوم فلنسكر اليوم، وربما غيّروا رأيهم ولم يُكرِهوا الناس على الذهاب إلى جبل الديك الذهبي
تنهد يانغ يونغتشينغ وقال: إلا إن ماتوا جميعًا، وإلا فبطبعهم الجائر كيف يكون ذلك ممكنًا
كان تشين مينغ ينتظر أن تنفجر الأحداث، فلو رحل الآن فورًا وغاب من هنا، لَسيد واحدٍ أو اثنين سيعدّ ذلك أمرًا غير مألوف
وكان يطالع الكتب الثلاثة التي حصل عليها للتوّ، فكتابان منها على الأرجح من تأليف اللصَّين الكبيرين، لتعليم ناشئة جبل الديك الذهبي، وهو لا يقيم لهما وزنًا
أما الكتاب العتيق ذو الصفحات المصفرّة فكان يعتدّه أشدّ الاعتداد، وهو يطالعه الآن، وطريقةُ النشأة فيه قويّة، وقوةُ النور السماوي المذكورة فيه مخصوصة، فهي قوّةٌ لَيّنةٌ تقوم على قهر الصلب باللين، وتقابلها خاصّةٌ عليا — كفّ الطين الأصفر
لم يتعمّق تشين مينغ بعد، بل قلّب الكتاب سريعًا، وبمحض سماع اسم الكفّ كان يشعر أنه ليس بذاك القوّة
غير أنّ من جاء بعدُ ممّن أتقن هذا الكتاب ترك حواشيَ تقول إنه بعدما تمرّس كفّ الطين الأصفر قتل أحد أهل الطريق الخارجي
تمتم تشين مينغ: يبدو أن أهل الطريق الخارجي يَبُثّون ضغطًا لا يُجارى على من يسلكون سُبلًا أخرى، فقتلُ واحدٍ منهم أهاج هذا الخبير إلى حدّ أنه دوّن هذه الضربة الباهرة في مخطوطته النفيسة
وعلى ذكر ذلك، فقبل أن يغادر هذه البقعة القصيّة كان قد التقى أهلَ الطريق الخارجي مرّتين متتاليتين
ولم يسعه إلا أن يستعيد صورة صاحبة اللباس الريشي التي صادفها البارحة، وكأن وجهها مألوفٌ حقًّا
غاص تشين مينغ في التفكير، وتوالت في ذهنه ملامحها المتقنة الفائقة، وذاك السمت الأنيق النادر، وكلما أمعن في الأمر ازداد فيه الإحساس بالألفة
حتى طفت أخيرًا مشاهدُ منكسرة في ذهنه، وتبيّن أنه يعرفها حقًّا
قال: لا عجب، لقد وقفت عند حافة الطريق تحدّق بي، وفي عينيها شيءٌ مختلف، فلا بدّ أنها عرفتني، وأنا لأني تعرّضتُ لإصابةٍ بالغة نسيتُ بعض الأمور، ولم أُعدْ سوى قريب عهدٍ ذاكرتي، أمّا هي فكانت واقفةً هناك، التقينا ولم نتعارف، أترانا نتجنّب شيئًا عن قصد
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.