الليل الأبدي
الفصل 56

الليل الأبدي - الفصل 56

الفصل 56: الثلاثي الفذ

بأي حق، ما حجتهم ليفرضوا علينا تسليم فضة الليل

قبل مدة كدنا نموت جوعًا، والآن بدأ الحال بالكاد يتحسن، فكيف نطيق سلب جين جي لينغ على هذا النحو

الجميع كان ساخطًا

ومع أن الحبوب تُنقل من خارج الجبل على ظهور وحوش عملاقة، إلا أنها تُشترى بالمال، وفي سنة عجفاء كهذه فمن أين للناس مال يؤدّونه إتاوة لجين جي لينغ

والأدهى أنهم يُطعمون عصابة من اللصوص

في هذا القفر النائي، تستطيع أسرة من ثلاثة أفراد إن شدّت الحزام أن تكفيها قطعة واحدة من فضة الليل شهرًا كاملًا من القوت

وها هما مبعوثا جين جي لينغ جاثمان على ظهر ديك، يفتحان أفواههما باستخفاف ليقتطعا من كل بيت نفقة شهر كامل، وهذا قهرٌ ما بعده قهر

بل لا يُدرى أهو طلب لمرة واحدة أم سيغدو عادة يفرضونها بين حين وآخر

هذه العصابة لا ترعى آدمية قط

غلت الصدور، وعزم الناس على المقاومة

وكان فارسا الديك الذهبي قد بلّغا القرى بالأمر ومضيا بعيدًا عن المدخل، ومع ذلك ما زالا يسمعان خلفهما هدير الغضب

قال أحدهما: رد فعل هؤلاء القرويين مفرط، لا بد أن نرفع هذا إلى من فوقنا، لئلا يستفزّوا الناس فيدفعوهم إلى تمردٍ أعمى

وقال الآخر: أجل، وقوة الجبل خارت كثيرًا، والوقت مضطرب، فلا بد من مراعاة الأثر

ألا يتدخل أهل مدينة تشي شيا

اضطربت القرى خارج الجبل، وحديث الناس كلّه في هذه الحادثة

واقترح بعضهم الذهاب إلى فرقة الدوريات في الجبل ليحسموا الأمر، بل وإبلاغ مدينة تشي شيا بأسرع ما يمكن، ففي هذا الشتاء الاستثنائي لا يجوز ترك جين جي لينغ يعبثون

وتنهد شيخ قائلًا: لعلّ كبار المدينة مشغولون عمّا حولهم في هذه الأيام

لماذا

قال: تاجر جوّال جاءنا بخبر طازج، مفاده أن منظمتين كبيرتين تشكّان في أن حاكم مدينة تشي شيا لينغ شيو قد تواطأ مع كائن رفيع من جبل الأسود والأبيض، ونصبوا لهم في الجبال فخًا في المرة الماضية

وبحسب التاجر، فجوّ المدينة الآن ملبّد على نحوٍ دقيق

ولا دليل مباشر في هذه القضية، فكبرى المنظمات لا تزيد على الظن بأن قلب لينغ شيو شديد السواد، وقد استعمل قوتهم ليضربهم بها

والأغلب أن تُطوى الحكاية بلا نتيجة، لكنّ كبار المدينة الآن لا وقت لديهم لغيرها

كان تشين مينغ يحدّق في ليلٍ حالك ويسمع لغط الناس، وقد أضاء جسده بضياءٍ مبهر من ضياء السماء، وقلبه يموج اضطرابًا

فالمرء لا يخلو من مشاعر ورغبات، ولن يبقى هادئًا على الدوام

وبعد لحظات انحسر الضياء عن جسده

ثم نزل القبو، وانتقى ثعبانين دمويين متحوّلين مرة واحدة بطول نحو مترين إلى مترين وثلث

وبمطرقة طويلة المقبض من معدن أسود دقّهما على لوح حديد حتى صارا لحمًا مدقوقًا، ثم طبخه بنفسه وصنع جرّةً من مرق اللحم

ولأنه على وشك المغادرة، أراد أن يرتّب بعض الأمور

وبعد قليل قصد الدار المجاورة

قال: أخي لو، أأنت بخير الآن؟ اصطدت في الجبل وحشًا ذا روحانية، ولعله يعينك على اجتياز ميلادٍ جديد

ولم يُرِد تشين مينغ أن يخفي كل شيء، فأخبر لو تسه أن تناول المرق لا يسرّع الشفاء فحسب، بل قد يمكنه في هذه الأيام من إتمام ميلاد جديد

قال لو تسه بصدق: يا تشين الصغير، لا أدري ما أقول، ثم أومأ بقوة

واحمرّت عينا ليانغ وان تشينغ، فهي تعلم ما يعنيه ميلادٌ جديد في هذا الظرف، إذ لن تبقى فزعًا كلما همّ لو تسه بالدخول إلى الجبل

قال تشين مينغ: يمكنك أنتِ أيضًا أن تأكلي شيئًا منه، فالمرق وفير، وحتى إن لم يجلب لك ميلادًا جديدًا فسيقوّي الجسد

شهِق ون روي الصغير شهيق شغف وهو لم ينم بعد، وقد شمّ العبق الخاص بالأفعى الدموية، يتصنّع الدلال كقطٍ صغير، واللعاب يكاد يسيل

قال تشين مينغ: ما زلت صغيرًا، ولا يناسبك الآن، وإلا أسرع إليك البلوغ مبكرًا، هلمّ، جلبت لك فاكهة بريّة طازجة، وهذا صنف سيدّاه لاو هوانغ

وبرقت عينا ون روي، ثم قال متحيّرًا: يا عم، ألم تقل في المرة الماضية إنها ثمار زرعها العم الثور بتعبه

قال مبتسمًا: نعم، الأمر قريب من ذلك، فهي من هضبة الثور البري

وقال ون هوي الذي يخطو عامه الثالث وهو يستفيق مترنحًا: وأنا أريد

ثم سمع تشين مينغ السنجاب يصفر في القفص وينحني له، وهذه المرّة طمع في مرق الأفعى الدموية

وفي الغد لمع تشين مينغ سيف حديد اليشم الأبيض كالدهن، فهو لافت للنظر جدًا، إن خرج من غمده فلا بد أن يقطع عنق من تقع عيناه عليه

غطّى هيئته وتمويهه ثم أعاده إلى الغمد

ثم أخذ عصًا طويلة يتخذها رمحًا، واستعاد قوسًا كان قد استعمله من قبل، وبوسعه الآن أن يجمع بين الرمح والقوس تفوّقًا مزدوجًا

وما أسرع ما أبان في الفناء عن براعة رمحه، فكانت العصا في يده كجسم تنينٍ يلتف في الفضاء كأنه يهمّ أن يشقّ السماء

وهزّها هزّةً خفيفة فانبثقت منها عشرات الظلال، تغرز نحو جهات شتى، فأصاب عشرات رقائق الثلج الساقطة في طرفة عين

غير أنه ما إن زاد القوة في هزّ الساق حتى عجزت العصا الصلبة عن احتمال بأسه، فانفجرت قطعًا تعدّت العشرة

ورفع القوس ورمى به سهمًا ثم أمسك، فمجرد شدّةٍ يسيرة منه تقطع الوتر، وإن زاد شدّه تصدّع القوس نفسه

قال ساخرًا من نفسه: هكذا يصير لقبي في الرمح والقوس بلا مسمى، فلا سلاح يلائمني أصلًا، فلا بد أن أدخل الجبل لأجلب عتادًا يناسبني

كان هوّة الصدع ساكنةً ساكنة، وقد انسحب رجال جين جي لينغ من هنا منذ حين

ودخل تشين مينغ كهوفًا تحت الأرض كئيبة، يتلوى في ممراتٍ كخيوط العنكبوت برهة طويلة، ورأى دروعًا ممزقة، وسلاحًا محطمًا، وكثيرًا من الدماء، بل وقرونًا مكسورةً وعظامًا مبعثرة لبعض الكائنات الشاذة

وأخيرًا عثر في عمق الكهوف على منصّة شعائر تغشاها هالة باردة، فركلها ركلة فتناثرت، وفاض منها ضباب أسود كثيف

لكن ما إن أشرق جسده بضياء السماء حتى تبدّد ذلك الضباب بسرعة وتلاشى

قال متوجّسًا: ماذا كانوا يصنعون هنا؟ يظهر أن اللصّين الكبيرين ومن ذاك الرجل الخارج عن عالمنا والمتقن للتحوّل إلى ضباب بينهم تواطؤ، وما جاؤوا لخير

وبحث طويلًا حتى وجد أسلحةً سليمة، وجمّع بعض الدروع في عدّة أطقم، وما سلم من العطب منها فهو من النفائس

فاختار رمحًا ضخمًا وسيفًا طويلًا، ووجد قوسًا صلبًا بالكاد يحتمل قوته الهائلة، والتقط كومة من السهام الحديدية، وملأ ست جِعاب

وتمتم: هذه الليلة سأكون سيد السيف، وسامي الرمح، وعظيم السهم، ثلاثي السيف والرمح والسهم الفذ

ولبس درعًا لامعًا، وحمل القوس والسهام، ورفع رمحًا ثقيلًا حاد الحدّ، وتقلّد سيفًا طويلًا منقوشًا عليه نقش العنقاء، وغادر الكهوف

وقال متعجبًا: همم؟ ثم بان له أثر ليو العجوز خارج هوّة الصدع

ولم يختبئ بل مشى إليه مباشرة

فقال ليو العجوز وهو شديد الجدية: سمعت أنك دخلت الجبل، وخمّنت أنك ستجيء إلى هنا، ألأجل جين جي لينغ أتيت

فمنذ أن دخل معه عش النمل وأباداه، رأى ليو العجوز من قوته ما يفوق أقرانه كثيرًا، كأن ماء الحياة صبّ في رأسه، فانحلّت له مسائل شتى

وفوق ذلك فقد رآه بعينيه في بيت لاو وو وقد درّب بسرعةٍ قوة ضياء السماء، فهالَه ما رأى، وأدرك أن بوسع تشين مينغ أن يواجه من اجتاز أربع مرات من الميلاد الجديد، بل ويريد ذلك

وأحسّ تشين مينغ أن هذا العجوز فطن، وقد خمّن كثيرًا من الأمور

قال ليو: إن كنت عازمًا على قصد جين جي لينغ فلن أقدر على منعك، لكن لا تتعجل، تمهّل يومًا أو يومين

لماذا

قال بوقار: ظهور جين جي لينغ من الأصل كان بسبب اللص الذهبي ذاك الذي ذاع صيته قديمًا، إذ اتخذ موضعهم محطةً له في رحلاته بين منطقتين كبيرتين، ومع أنه نادرًا ما يستعملها الآن، لكن إن صادفته هناك فذلك شؤم

فشهق تشين مينغ وهو يرى ذرات الثلج تتطاير في الهواء البارد قائلًا: أ意ًا كان يا ليو العجوز، أقدرك الخاصة حقًا غريبة؟ لم يكن في الأمر شيء، وما إن قلتَ حتى كدتَ تجلبه

ولم يكن يصدّق مثل هذا، وإنما مازحه، فهو لا يؤمن إلا بقوته

قال ليو: سأستطلع الأمر أولًا، وأنت لست في عجلة على يومٍ أو يومين

قال تشين مينغ متعجبًا: ألك صِلات تعرف بها خطى اللص الذهبي

قال: وكيف يكون لي مثل ذلك، لكن أستطيع أن أحزر من وقائع الأمس وملامح اليوم، فقيل إن ظهور اللص الذهبي يسبقه بأيام أن يأمر اللصّان الكبيران في جين جي لينغ أتباعهما بشراء أطايب نادرة وتجهيز خمرٍ نفيس، ويستدعيان راقصاتٍ آيةً في الحسن

فهزّ تشين مينغ رأسه مصدّقًا، ورأى الرأي وجيهًا، وأن ينتظر خبر ليو العجوز أولى

ثم خبّأ السلاح والدروع في الجبل، وأخذ صيدًا وعاد مع ليو إلى القرية

وكان الغضب مشتعلًا في القرية، لأن رجال جين جي لينغ عادوا ثانية

قالوا: نفعل هذا لأجلكم، لنحميكم، ولهذا نسارع إلى تجنيد من اجتازوا ميلادًا جديدًا

وقد علم جين جي لينغ بتصاعد النفور في القرى، فجاءوا اليوم يحاولون تليين الجو وإعطاء بعض التفسير

قالوا: من أجل القرويين خارج الجبل خضنا مع الكائنات الشاذة مذبحة في هوّة الصدع، وقتلنا عددًا كبيرًا من المخلوقات المتحوّلة التي أرادت احتلال أطراف الجبل، وكدنا نفنى

فنظر إليهم بعض القرويين شزرًا، فمَن ذا الذي لا يعلم أنهم دخلوا الجبل لأجل غلالٍ غامضة، وأنهم ضعاف وسوء حظهم أرداهم، والآن يزعمون أنهم فعلوها حمايةً لنا

ثم قالوا: وقد راعى القائدان أحوالكم، فقرّرا تأجيل تحصيل قطعة فضة الليل إلى الشهر المقبل، لتتفرغوا للاستعداد

ولا ريب أن هذا التعليل الوهن أشعل كره الناس أكثر، فالمحصلة واحدة، جزية حماية لا بدّ أن تُدفع، وهمّ كثيرون بالتصدي لهم

وقال مبعوثو جين جي لينغ في النهاية وهم ينسحبون على عجل: إن ردّ فعل هؤلاء الفلاحين كبير جدًا

وفي اليوم نفسه جاء خبر ليو العجوز أن لا حركة في جين جي لينغ، وأن خبرًا موثوقًا يقول إن اللصّين الكبيرين وبعض خلصائهم وحدهم في الحصن

وزاد خبر آخر جاء به تاجران جوّالان نزلا في بلدة ين تنغ، أن مدينة تشي شيا ستبدّل حاكمها، ولينغ شيو وإن لم يُصب بسوء فسوف يُنقل إلى مدينة أخرى

فأومأ تشين مينغ وقد سمع الخبر، فهذا هو الوقت المواتي للضرب

وتمتم: إذا ظنّت بعض المنظمات أن حاكم مدينة تشي شيا تعاون مع الكائنات الشاذة على حبْك المصيدة، فربما تظنّ أيضًا أن التنظيمات المحلية تنسّق معه، فإذا عجزوا عن لينغ شيو، أفلن يجرؤوا على اجتياح جين جي لينغ

ثم قال في نفسه: وقد تواطأ اللصّان مع ذلك الرجل الخارج عن عالمنا، ثم مات ذاك القادر على التبخّر بغموض، أفلا يشكّ قومه وشيوخه في جين جي لينغ

وكان الليل الخفيف قد انقضى، فانطلق تشين مينغ إلى الجبل، وبدّل دروعه وحمل سلاحه، واتجه نحو جين جي لينغ التي تبعد نحو 25 كيلومترًا

وكان الليل كثيفًا والطريق غير قصير، وما كان ليجرؤ عامة الناس على السفر وحدهم بعد حلول الظلام

وفي الطريق باغته طارئ، إذ قفز من الغابة وحش شاذّ يتوهّج بضوء أرجواني، واندفع يطأه

كان رأسه كهيئة رأس حصان لكنه ليس من الخيل، وفي فمه أنياب بيض تبرق بالبرد، وهو مفترس لاحم، وجذعه كجسد نمرٍ أو فهد، وساقاه طويلتان ولحوافره ثقل ظاهر

وله وبر أملس كالإبريسم يجري فيه ضوء أرجواني خافت، وجلاله ظاهر، وقد وثب في الهواء، واندفعت حافره الضخمة نحو رأس تشين مينغ

قال متعجبًا: وحش الصاعقة الأرجواني؟ لقد صادفت هذا الصنف حقًا، وقد أكثر في الآونة الأخيرة من السؤال ليو العجوز عن كائنات الجبل فعرفه

ووحش الصاعقة الأرجواني مخلوق متحوّل ثلاث مرات قريب العهد بالظهور، يعدو كأنه ريحٌ وصاعقة، وأسرع ركضًا من مخلوقاتٍ متحوّلة أربعًا أو خمسًا

وبدا كأنه الفزع طرده من أعماق الجبل، ولما رأى تشين مينغ يقطع طريقه سدّده بحافر، ولو لم يتفادَ لضُسيد دماغه

فمال تشين مينغ ميلًا طفيفًا فتفلّت من تلك الحافر الأرجوانية، ثم اقترب بسرعة ولمس جسده اللامع

فتهدّل الوحش دهشةً، ما هذا الكائن، كيف تكاد أصابعه تمسّ وبره حتى لَصِقَت به كاللصاقة

فقد أبان تشين مينغ خاصية الالتصاق في قوة ضياء السماء كما ينبغي، فمتى لامس شيئًا فلا مهرب، بدأت بأطراف أصابعه، ثم كفّه كلها أمسكت بوبر الوحش بإحكام، وأخيرًا اعتلاه وجلس

وقال: لا تتدلّع، أوصلني شوطًا

فهاج الوحش، وهو من أعسر الكائنات ترويضًا، وأخذ يهزّ رأسه وذنبه ويرفس ليطرح الراكب

لكن تشين مينغ لم يطل الكلام، فبومضة سحب السيف اللامع ووضعه على عنقه، وإن لم ينقد فسيذبحه، وتطاير من لبدته الأرجوانية المتألقة خصال كثيرة مقطوعة

فاشتدّ جسد الوحش ولم يجرؤ على العبث، ثم رمى بنظرة نحو أعماق الجبل، وانطلق يعدو

وتحت هذا الليل الثقيل كان تشين مينغ ممتطيًا ذلك الكائن الأرجواني المتألق يقترب بسرعة من جين جي لينغ