الفصل 55
الليل الأبدي - الفصل 55
الفصل 55: حياة أخرى
قال تشين مينغ وهو يتأمل: «كل الأشياء تحمل اليِن وتضمّ اليانغ، وتندفع الطاقة ليكون الانسجام، تسوي تشونغه»، ثم كتب بماء الشاي على سطح الطاولة اسم «تشين مينغ»
في تلك الذاكرة الضبابية المتناثرة كان اسمه تسوي تشونغه
لماذا تاه بي المصير إلى هنا واحتفظت باسمي تشين مينغ؟ نظر إلى ما على الطاولة متسائلًا، أيّ مقطع هو الحق وأيّهما الباطل
حين كنت بثيابٍ ممزّقة مضرّجًا بالدماء حالًا مزرية لم أفارق اسم تشين مينغ لحظة، فلماذا بدأت الآن أتذكّر حياةً أخرى غائمة
فكّر تشين مينغ وأخذ نفسًا عميقًا، وكان الضباب الملوّن المتحرك من الزهرة ثلاثية الألوان يفوح بعطرٍ كثيف، وفي لحظة ومض الذاكرة بدا المشهد مألوفًا أكثر مع اندفاع العبير إلى الأنف
وسرعان ما طفا على قلبه مقطعٌ من الماضي، جماعةٌ بأثواب فاخرة يعلّقون اليشب الجميل يتطلعون بقلق إلى فتى ما زالت قسماته تحتفظ ببراءة الطفولة
وعلى طاولة من اليشم أمام الفتى وُضعت زهرة ثلاثية الألوان وقارورة دواء تعجّ بالحياة
تساءل تشين مينغ من هؤلاء؟ ومن ذلك الفتى؟ تبدو الوجوه مألوفة بعض الشيء لكنه لا يتذكّرها
حين أفاق أول مرة في هذه الناحية النائية كان أول ما تذكّره أن اسمه تشين مينغ، ثم مع كل ولادة جديدة تذكّر كتاب الحرير وجدّه
كنت هناك أيضًا، غير أنني كنت أبعد قليلًا أراقب الفتى في سكون وهو يتناول الزهرة ثلاثية الألوان والدواء المفعم بالحياة
ومع توالي المشاهد كان الحاضرون رجالًا ونساءً من كل الأعمار يولون ذلك الفتى اهتمامًا بالغًا
وكانت هيئات بعض النساء لافتة، فثمة ريشة زينة على رؤوسهن كأنها أهداب يغشاها ضباب أرجواني، وأغصان خوخ يلفّها وهج أحمر قانٍ
وكان الفتى يبدو في نحو 13 أو 14 عامًا، لم يبلغ السنّ الذهبي، ولم يسلك مسار الروح الجسيمة، فكيف تجرأ على الولادة الجديدة مبكرًا؟ وكيف بلغ هذا المستوى أصلًا
أترى هذه هي خبيئة الأسر العليا حقًّا؟ يفعلون ما لا يقدر عليه غيرهم
طأطأ تشين مينغ رأسه إلى صندوق اليشم وفيه زهرة ثلاثية الألوان بارتفاع نحو ثلث متر غذّاها ضياء السماء حتى غدت نفيسة، وزهرتهم هناك ليست أدنى، فجودتها مماثلة
أخرج تشين مينغ الزهرة من الصندوق ونزع بتلاتها البلورية واحدةً تلو أخرى ووضعها في فمه
وكما توقّع فقد احتوت هذه الغلة الغامضة المقتطفة من عقدةٍ خاصة خلاصة ضياء السماء، وما إن دخلت فمه حتى أحسّ بحرارة لافحة كأن لهيبًا يحرقه
شعر بالألم لكنه رأى أنه محتمل، ثم اشتعل بطنه بدوره وتفجّر ضياء السماء القوي في أحشائه كأنه يريد تدمير جسده
بقي هادئًا، يقتطف بتلاتٍ أخرى ويمضغها ويبلعها بلا توقف
وصار جسده كلّه يشعّ، ذاك تصادم ضياوين، أحدهما يخرق الليل ويهبط على الجبل الروحي من خارج الدنيا، والآخر ضياءٌ تنشؤه البنية من داخلها
إنه مؤلم حقًّا، ولم يتوقف حتى أكل الزهرة كلها، ثم مضغ الأوراق والجذور وابتلعها
وفي لحظةٍ كاد الضياوان في داخله ينفجران، غير أن جسده المتين كبح تلك الفوران، وما جلباه سوى لسعات احتراقٍ متتابعة لم تمسّ قوّته الحيوية مساسًا حقيقيًا
وفي بطنه التحم الضياوان وراحا يلتفّان يطارد أحدهما الآخر حتى صارا دائرة ثم امتزجا امتزاجًا تامًا
وعصف في داخله إذ اندمج الضياوان تمامًا ثم تفجّرا من جديد مندفعَين إلى أطرافه وعظامه لينقّيا جسده كله من جديد
وتزايد مخزون ضياء السماء لديه واتسع سريعًا
فأهاج ذلك الدم واللحم والروح، وكأن برقًا انشقّ في بحر قلبه ليلمع إلى أرجاء الجسد، فأجابت الأعضاء والأطراف، ثم أشرق الجسد كلّه بضياءٍ جديد
خرج تشين مينغ إلى الفناء واستعرض على التوالي عدة أنماط من قوة ضياء السماء، تكاد تنفذ من بدنه، أقوى بكثيرٍ من ذي قبل
دمج
تربّع حيث هو وجمع عدة أنماط من قوة ضياء السماء
وفي اللحظة نفسها طفَت مشاهد أخرى أمام عينيه، فعاد يرى ذلك الفتى ورهط الرجال والنساء في الحلل الفاخرة
يا للروعة، تسوي تشونغشيوان بعد 3 ولادات جديدة دمج 4 أنماط من قوة ضياء السماء، هذا مذهل، هكذا قال شيخ رفيع المنزلة أبيض الشعر فتيّ السحنة معجبًا
وقالت امرأة في مطلع الثلاثين بثوبٍ قصريّ وشَعرٍ مرفوع وريشةٍ تتلألأ بذهبٍ تتخذها دبوسًا: وإن بدت كل قوةٍ على حدة عاديّة فهذه أولى درجات الصعود، ودمج هذه الأربع يقدر لأول مرة على قلب المألوف إلى أمرٍ خارق
وكان اسم ذلك الفتى تسوي تشونغشيوان، وقد اقتبسوا له الاسم من كتب أهل خارج الدنيا
كان رأسه يقطر عرقًا ويرتجف قليلًا لكنه صمد ونجح في دمج 4 أنماط
قال الشيخ: وإن لم تطأ بعدُ طريق خارج الدنيا فقد أظهرت بعد 3 ولادات جديدة أداءً يثير الدهشة، ولو شاع هذا لقام ضجيجٌ كبير، حسن جدًا
وتكلم رجل مهيب في منتصف العمر: ومن ذا يقول إن هذا الطريق لا يبلغ ذروته؟ لقد ظفرتُ لك بمرجعٍ سريٍّ لا يقدّر بثمن «مرجع القلب للستة الأوصياء»، فلا تخيّب رجاءنا
لأجل دعم المترجمين وتوفير ترجمات جديدة، اقرأ هذه الرواية مباشرة من موقع مركز الروايات، موقع بلا إعلانات.
كان تشين مينغ يرقب في هدوء، ويبدو أنه كان آنذاك مجرّد متفرّج بعيدًا خارج الحلقة
ثم سحب فكره، لماذا كأنني ازددتُ حياةً زائفة
أأنا تشين مينغ أم تسوي تشونغه
لا يدري لماذا، لكنه كان يشعر أن حياة تسوي تشونغه ضبابية إلى حدّ الوهم
ولو لم تكن كذلك لما نُسيت يومًا نسيانًا تامًّا حتى غدت أضعف رسوخًا من ذكريات صباي الأولى
وكان تشين مينغ قد دمج الآن جميع أنماط قوة ضياء السماء في وحدةٍ واحدة، وشعر بحالٍ لا مثيل لها، إذ ازداد ضياء السماء في جسده كثيرًا، وبمثل هذا الضياء الوَفر يغذّي بدنه وروحه، ولعله لا يحتاج في المرة المقبلة إلى ابتغاء مادةٍ روحية، بل يولد من جديد مباشرةً ويرفع سويّة الحياة
أفي مرحلة 3 ولادات جديدة يكون دمج 4 أنماط أمرًا باهرًا إلى هذا الحد؟ قالها مع نفسه ولم يقتنع
لقد دمج 5 أنماط من قوة ضياء السماء، ثم إن قوة القطع وقوة الوهج عنده لم تعودا محضَ طريقتين منفصلتين
وكفّ عن الاسترسال في التفكير، فهو يثق أنه سيفهم تلك المقاطع قريبًا، فالمشاهد الكثيرة المموّهة باتت أوضح فأوضح، وربما تكشف الولادة الجديدة القادمة كل شيء
عاد يختبر الحجر الرحى، فلم يحتج إلى أصابع، إذ مزّق بظهر يده وحده حجرًا خشنًا بحجم الكفّ وهو يدير قوة ضياء السماء، ثم التصقت القطعة المنزوعة والتأمت ثانية
عذرًا أيها الرحى العتيق، ففي اليومين الأخيرين وإن كنت أكبح القوة فقد تركتك مثقّبًا غائر المواضع
أظنني صرت قويًا حقًّا، قالها مع نفسه
لكنّه سرعان ما صبّ على نفسه ماءً باردًا، فعشية الشفق السطحي كاد يهلك في مشهدٍ مخيف، فأهل خارج الدنيا يطيرون ويتحوّلون ضبابًا ويقدرون على التخفي، ولولا سكين اليشم الدهني الممزوج بالحديد لهلكت
أنا اليوم أعمل بنصائح الأوائل وأبدأ دمج شتّى أنماط قوة ضياء السماء، لكن هل تكفي طريقة كتاب الحرير لمقارعة أهل خارج الدنيا
لم يكن واثقًا، غير أنه بلا خيار، فما عليه إلا أن يزداد قوة
قبيل انقضاء الشفق السطحي عاد العجوز ليو، وما دام قد أنفق 15 قطعة من ذهب النهار فلن يغادر قبل الأوان، فتلقّف عند لاهي وو وجبة وتمسّك بالمكان حتى ازدادت العتمة
سأل تشين مينغ عرضًا: أين في الجبل توجد مادة روحية تمكّن المرء من ولادةٍ جديدة رابعة
هزّ العجوز ليو يديه مسرعًا وقال: لا تعبثوا بمن بدّلوا 4 مرات، فلكلٍّ منهم أصلٌ وحكاية، وقد سجّلتهم الكائنات العليا في الجبل في دفاترها، وقتلُ واحدٍ منهم يلفت أنظارهم
وفهمها تشين مينغ من فوره، ويبدو أنه حقًّا ينبغي أن يغادر هذا المكان
وفي الجبل قرب الشقّ العظيم قطّب لصّان كبيران حاجبيهما، فذاك الشاب لم يعد، أوقع له حادث؟ بدت عليهما الريبة
فإن ما فعله ذاك الذي من خارج الدنيا القادر على التبخّر إن شاع ورّطهما هما أيضًا
وكانا قد أطلقا من قبل طيورًا جارحة تحمل الرسائل يستفتيان شيخًا عتيقًا
وأخيرًا حين اسودّ الليل عادت الطيور ونالا الجواب
نشر أحدهما الرسالة وقال: يقول الشيخ لننتظر يومًا آخر، فإن لم يظهر غدًا فلا شأن لنا به، واعتبروا أن شيئًا لم يحدث
وسأل الآخر: نظنّه يقلّد وحش الجبل حين يبكي عند القبور ويقرّب قربانًا هنا، هل علّق الشيخ على ذلك
أومأ رفيقه وقال: قال الشيخ، ربما كان وحشًا من خارج الدنيا
أهو ليس من أهل خارج الدنيا؟ كيف صار وحشًا إذن
دنا اللصّان من بعضهما يقرآن الجواب مليًّا، ثم دُهشا وأومآ وقد اتّضح الأمر لهما
فمن الناس من يدخل الغابات والبحيرات العميقة على حافّة المحظور فيغدو غريبًا، ومن الوحوش من يقتحم المدن العظمى يذوق بهرج الدنيا حتى لو صار سيّدَ مدينة، بل ثمّة من يترفّع من الوحوش عن السائد فيبلغ رتبة وحشٍ من خارج الدنيا، فكلّ ذلك عاديّ
وعلى قول ذلك الشيخ لا مستحيل في هذا الزمان
وطمأن الشيخ الرجلين إلى أن ذاك الشاب القادر على التبخّر إن يكن من وحوش خارج الدنيا فلن يفلح في الطقس، فالقبر قد غاص منذ زمن تحت أرض جبال السواد والبياض، فليخرّ ساجدًا كما يشاء، لا شأن لكم به
وفي الغد غادر لصّا جينجي لينغ مع رجالهما
وقبيل رحيلهما جاب فارسان من جينجي على صهواتهما القرى القريبة وأخبرا الناس أن على كل بيتٍ أن يدفع 1 قطعة من فضة الليل، وسيمران في منتصف الشهر لقبضها
قال بعض الشيوخ هامسين: كما ظننا، هؤلاء اللصوص يريدوننا أن ندفع
وكان الناس قد توقّعوا ذلك يوم جنّد رجال جينجي لينغ المولودين الجدد قسرًا، فخمّن أهل القرى أنهم خسروا كثيرًا وسيجدون سبيلًا للتعويض، وفي النهاية سيجعلون القرى تعولهم
لكن هذا الشتاء كان أهل القرى خارج الجبل في ضيقٍ شديد، فاشتعل الغضب عند كثيرين وكادوا يشتبكون معهم مباشرة
سمع تشين مينغ الجلبة في الخارج، فرأى أنه ينبغي أن يرتّب أمر من حوله، فقد بلغ منه الغيظ مبلغًا لا يُطاق، وهو يستعد الآن لضرب جينجي لينغ