الليل الأبدي
الفصل 51

الليل الأبدي - الفصل 51

الفصل 51: نهاية الفرح

قال تشين مينغ بصوت خافت: من أراد إتقان صنعته فليُحسن أداته

كان ما ينوي فعله مرشحًا لإثارة عاصفة في هذه الرقعة، وربما يمتد صداها حتى مدينة الشفق القرمزي، لذلك لزم أن تكون الاستعدادات وافية

إلى جانب حاجته إلى سيف جيد، كان على تشين مينغ أن يتمرّن أكثر حتى ينجز نوعًا أو نوعين من «قوة ضياء السماء»

كان بين يديه أصلًا كتابٌ لأساليب السيف، وفوق ذلك أقنع العجوز ليو مبدئيًا بيتًا عريقًا كان له شأن ثم خبا، كي يفتحوا له باب الاطلاع، وبذلك قد يحوز نوعًا آخر من «قوة ضياء السماء»، وإذا عاضده بـ«زهرة ثلاثية الألوان» فسيرتفع مستواه بوضوح، وهو بطبيعة الحال يريد إتمام الأمر كما ينبغي

من هو تشين مينغ

على طرف القرية نادى رجال قمة الديك الذهبي، وقد سمّوا تشين مينغ باسمه صراحة

قال تشين مينغ وقد بدا عليه شيء من الدهشة: يهتمون لأمري فعلًا إذن، من الواضح أن الزعيمين أوصيا أتباعهما بي خصوصًا

أقبل العجوز ليو على عجل يخشى أن تدفع «الولادة الثالثة» تشين مينغ إلى ثقة زائدة وحدّة طبع فلا يقبل أن يلين، فرفضُه لقمة الديك الذهبي قد يجرّ على القرية كارثة دامية سريعًا

وعلى الرغم من أن العجوز ليو ما زال مغتاظًا من جرّ أتباعهم له من تلابيبه، فإن الموقف أقوى من الناس الآن، فقال خافتًا: لنسدّ الأمر أولًا

قال تشين مينغ: اطمئن، لست مندفعًا إلى ذاك الحد، ثم مضى بهدوء إلى عين النار، وتحت الشجرة السوداء والبيضاء أومأ موافقًا على الانضمام إلى قمة الديك الذهبي، فدوّنوا اسمه في سجلاتهم

قال شاب من قمة الديك الذهبي وقد وقعت عينُه على كبش أسود عند مدخل القرية من بيت يانغ يونغتشينغ: خروفك هذا مُمتلئ متين، أحسنت تربيته

ثم مدّ يده فعلًا وسحب ذاك الكبش العتيق الضخم الذي صار يقارب طول إنسان

قال يانغ يونغتشينغ مسرعًا وهو يعترضه: يا أخي، تعلّقتُ به، لا أستطيع أن أدعه يذهب

قال الشاب: في سبيل حماية القرى الملتصقة بسفح الجبل تكبّدنا في قمة الديك الذهبي خسائر فادحة، حتى إن الديكة الذهبية لم يبقَ منها إلا القليل، وهذا الكبش الأسود لا بأس به، يصلح لركوب الفارس

ثم رمق يانغ يونغتشينغ بطرف عينه وقال: وأنت أيضًا من أهل الولادة الجديدة، ما رأيك أن تُسجّل في قمة الديك الذهبي بدورك، فأنت صاحب الكبش، وركوبك له أنسب، وإذا رَكِبه غيرك فقد لا يطاوعه، وساعتها سيُذبح ويُؤكل لحمُه لا محالة

اسودّ وجه يانغ يونغتشينغ ورأى الأمر فادحًا، أبهذا لا يكتفون بخطف الكبش، بل يجرّون صاحبه معه أيضًا

قال تشين مينغ: قريتنا صغيرة، ألن يكفي أن أذهب وحدي

قال الشاب غير آبه: الأيدي شحيحة الآن، وفارسٌ آخر على كبش أسود أمرٌ حسن، هات لأسجّل اسمك، وكتب اسم يانغ يونغتشينغ قسرًا

وفي الأثناء، كان العجوز ليو، وهو جارٌ على طرف القرية أيضًا، يعود إلى بيته مسرعًا، فركل الكلب الأصفر الكبير إلى عرينه محذّرًا إياه ألّا يُظهر رأسه

وانطلق الشاب من قمة الديك الذهبي راكبًا ديكًا ذهبيًا، وقد اتضح أنه من أهل «الولادة الثانية»، وقبل رحيله أخبر تشين مينغ ويانغ يونغتشينغ أن الحضور إلى قمة الديك الذهبي سيكون بعد 5 أيام

قال تشين مينغ في نفسه: الوقت ليس فسيحًا، عليّ أن أستعجل

سيدّت شو يويبينغ على كتف يانغ يونغتشينغ وقال: خذها ببساطة، صحيح أن رجال قمة الديك الذهبي أوغاد، لكن المعاملة عندهم بعد الوصول قد لا تكون سيئة

ولهذا بالذات لا يكره الجميع أسلوبهم في جمع الرجال، بل إن بعض الناشئة في القرى سجّلوا بأيديهم غير مبالين بسوء السمعة

تمتم يانغ يونغتشينغ: أليسوا يقولون إنهم كادوا يُستأصلون عند الشق العظيم

قال العجوز ليو: كلهم يدرون أن دخول الشق العظيم ينذر بقتال على موجودات غامضة، والذين بقوا يحرسون في قمة الديك الذهبي لهم على الأغلب حبالٌ من علاقات، وهذه الفئة شرّها أشد، فمهما لوّح أحدهم بسيفه عشوائيًا فلن يخطئ ضحيةً في الغالب

نظر إليه تشين مينغ، كان وجه العجوز مورّدًا، وقد دخل بالفعل في مسار «الولادة الثالثة»

ولحسن الحظ لم يكن الزعيمان من قمة الديك الذهبي هنا، وإلا لاكتشفا أمره الغريب

بعدها قصد تشين مينغ بيت العجوز ليو يسأله: هل تمّ الاتفاق على استعارة كتب الأسرار

قال العجوز: قبلوا على مضض، لكن الثمن قد يكون باهظًا، غدًا نذهب معًا، ثم إن «الولادة الثالثة» لم تكتمل عندي بعد

هزّ تشين مينغ رأسه، فالتجدّد الجسدي مسار ممتد، ويحسب أن يستمر معه إلى الغد

قال تشين مينغ: هذا لا يصحّ، حمرة وجهك فاقعة، وإذا صادفك خبير فسيكشف الأمر، ثم علّمه «تمويه البريق» وهي طريقة نافعة سهلة للتغطية

فإذا انكشف أمر العجوز ليو انكشف أمر تشين مينغ لا محالة

قال العجوز ليو: حسنًا، وهذا ما يقلقني، أخاف أن أصطدم ثانية بذيك الوغدين الكبيرين من قمة الديك الذهبي

ثم خفض صوته وقال: هل أنجزت «قوة ضياء السماء» لديك؟ يقول الناس إن الإكثار منها خير، وإن ما دوّى صيته في الدنيا من قوى إنما خرج ممزوجًا، وعندي واحدة اسمها «قوة لفّ الحرير»، علّمني إيّاها قديمًا شيخٌ من حرّاس الجبال، خذها وجربها

قال تشين مينغ: حسنًا، ولن أرفض، فالمخطوط الحريري الذي لديّ يردّد دائمًا: «المزج» هو الطريق

ثم قال: أأعلّمك نوعًا من «قوة ضياء السماء» بدوري

قال العجوز: دعك، ما تتمرّن عليه ليس هيّنًا، ولست من هنا أصلًا، فلا أريد أن أتورّط، وفي نطاق «الولادة الثالثة» تكفيني «قوة لفّ الحرير»، وغدًا أستطيع أن أستفيد من رفقتك فأُلقي نظرة على كتاب الأسرار لدى تلك الأسرة المحليّة

قال تشين مينغ: حسنًا، فما في المخطوط الحريري لا يمكن لغير أهله أن يُتمّوه، وأمّا كتاب السيف هذا فحقًا لا يصلح أن يرى النور الآن

عاد إلى فناء بيته الصغير، فاستوعب أولًا ما صنعه بنفسه من «قوة ضياء السماء»، حتى إذا أحكمها شرع يدرس غيرها

مع رفّة واحدة من أصابعه، ما إن لامست مقبض المطرقة حتى قذفته سريعًا إلى راحته

بل إنه إذا لمسها بظهر كفّه تلتقطه قوةُ «ضياء السماء» الدوارة، فتجذب المطرقة ذات المقبض الطويل إلى يده، وهذه خاصية «الالتصاق»

ولو استُعملت في القتال، لكفى أن يمسّ خصمه لمسةً يسيرةً حتى تلتصق وتنتزع من لحمه

جرّب تشين مينغ الدفع، فانبجست «قوة ضياء السماء»، فانتزع حافة حجر الرحى انتزاعًا «بلزومها»

وفوق ذلك فاختراق هذه القوة شديد، فإذا أضاءت الأنامل تطاير فتات الحجر، وغاص طرف الإصبع في حجر الرحى

وبعد بحثٍ وجد أن نوع «قوة ضياء السماء» الذي ابتكره يلمس جوانب عدّة، وأساسه أنه عمليّ للغاية

وبعد قليل بدأ يتمرّن «قوة لفّ الحرير» التي أعطاها إياه العجوز ليو، وليس فيها الكثير، وسهلة البدء، لكن فيها سرًّا لا يُحتقر، فعند إطلاقها تتلوّى كخيط من حرير، وتقوم على معنى اللفّ، وتعتمد كسرَ القوة بالحيلة، وضربَ القوي باللين

قال تشين مينغ وقد خامره الفهم: لعلّها قوة استخلصها حرّاس الجبال عبر الأجيال من صداماتهم مع الوحوش العظام في الجبل

وليس هذا من «قوة ضياء السماء» المركّبة المعقّدة، لكنها نافعة جدًّا في القتال

وغاص تشين مينغ في البحث بجدّ، وبعد نصف يوم صار يُحسن أداءها، لا يبلغ الإتقان، لكنه قادر على إطلاقها

قال: يظهر أن طبعي ليس رديئًا

ولو واجه الآن هوانغ جينغده، ومعه ذاك الشيخ من قمة الديك الذهبي الذي بلغ «الولادة الثالثة»، لقدر — من غير أن يستعين بقوته الجبّارة — أن يجعل كليهما يبحث عن أسنانه على الأرض بـ«قوة لفّ الحرير» وحدها

ثم قال متعجبًا: ممم، التوافق بينها وبين قوتي «الالتصاق» مدهش، لقد انصهرت مباشرة فيها

وقد نجح من أول مرة في صهر قوّة أخرى، فامتلأ سرورًا

ثم جرّب، فإذا «قوة ضياء السماء» بعد المزج أشدّ بأسًا

وقال: لكن لمّا كانت «قوة لفّ الحرير» ما زالت غضّة فقد ذابت سريعًا في المزج، ولا ينبغي هذا، عليّ أن أتدرّب عليها وحدها أولًا، ثم إذا تناولتُ «زهرة ثلاثية الألوان» وأتممتها تمامًا دمجتُها في قوتي الأصلية

جلس تشين مينغ ليستريح على حجر الرحى في الفناء، ويعتزم بعد قليل دراسة القوى المدوّنة في كتاب السيف

وفي تلك اللحظة استبدّت به سعادة الحصاد، وحدّق إلى عتمة الليل، وخُيّل إليه أنه يرى في البعيد على الأرض السوداء اللامتناهية مدنًا فاخرة شامخة تنتصب واحدةً إثر أخرى

وقد راودته الرغبة في الرحيل بعيدًا، ليلتقط قوى «ضياء السماء» أكثر فأكثر، ويرى بعينه ما ذخرت به مواطن الثراء، وأيّ رجالٍ عظامٍ تُخرّج

فجأة انقبضت حدقتاه، لكنه أرغم نفسه سريعًا على الاسترخاء والهدوء كأن شيئًا لم يحدث

غير أن صدره لم يهدأ، فقد اضطرب لأن عينيه أبصرتا ضبابًا أسود كأفاعٍ تتلوى، قادمًا من بعيد، يطيف فوق القرية

ثم هبط أخيرًا إلى الأرض على ما يبدو

كان قلبه قبل قليل في فرح غامر، فإذا به يواجه هذا المشهد في النهاية

ما عسى أن يكون ذاك، تموّجت أفكاره، لكنه اضطر أن يتظاهر بسكينة مفتعلة، كأن شيئًا لم يقع

فالآخرون لا يرون ذاك الضباب المتحرك في السماء، وفي المرّة السابقة عند الشق العظيم لم يشعر العجوز ليو — وهو بعد «الولادة الثانية» — بشيء أصلًا

ألزم تشين مينغ نفسه بالهدوء، فلا يجوز أن يظهر عليه شيء غير مألوف الآن، فـ«حديد اليشم الدهني» عنده لم يُصقل بعدُ سلاحًا، ولا يستطيع مواجهة تلك الأشياء الخاصة

فعاد من غير أن يثير نظرًا إلى غرفته، وشرع يقلّب كتاب السيف الممزق الصفحات، في البدء لم يقدر على تركيز ذهنه، ثم ما لبث أن غاص فيه

هذا الكتاب العتيق خلاصة جهد من سبق، وقد أمكن لتشين مينغ أن يتناغم مع ما خلّفه من أثر شعوري، فيرى أسرارًا تتجاوز صفحات الكتاب نفسها

ومن ثمّ كان شغفه عظيمًا بباب القوى المدونة فيه

همم

كانت المفاجآت لا تنقطع اليوم، فما إن قلب صفحات «باب القوى» حتى أحسّ بأثرين شعوريين قويين

أحدهما بلا ريب من الشيخ الذي سطّر كتاب السيف، والثاني نتج عن ملاحظات قارئ تلاه من أهل العصور اللاحقة

وجاءه الأثر من هذه الجملة: أتقطّع شوقًا إلى أن أتمرّن «قوة السامي»

خفق قلب تشين مينغ بشدة لوهلة، أيمكن أن يكون ذاك الرجل قد لامسها حقًا

✦ انتهى الفصل ✦

هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.

تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .

 مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.