الفصل 46
الليل الأبدي - الفصل 46
الفصل 46: حصاد وفير
هوانغ جينغجون يئس تمامًا، فحتى شقيقه الأكبر هُزم وفقد ذراعًا، فمن ذا الذي سينقذه الآن
والفتى الصياد في عينيه، وهو يلوّح بسيف طويل ملوّن بالدم، ما زال هو نفسه ذاك الشخص، لكن صورته في نظره تغيّرت كليًا
في السابق، أراد أن يُكره خصمه على جمع الدواء داخل ضياء السماء، بل ورآه ساذجًا مضحكًا، يقف على شفير الموت وما زال يسأل شقيقه الأكبر أسئلة
أما الآن، فإذا عاد بذاكرته أدرك أن ابتسامة ساخرة خفيفة كانت عند طرفي شفتيه في ذلك الحين، وكان شقيقه الأكبر يضحك أيضًا، وأيكون الطرف الآخر لم ينظر إليهما بالطريقة نفسها
كانت زهرة ثلاثية الألوان توشك على النضج، والضباب الضوئي يتدفق، وعطرها الآسر يزداد عبقًا، يستنشقه المرء فتصفو روحه ويقوى تركيزه
انجذب تشين مينغ إليها بقوة، فاستدار لينبش الصندوق اليشمي المدفون تحت كومة الحجارة، خشية أن يفوته أفضل وقت للقطاف، فلا أحد يعلم هل ستذبل هذه الزهرة الروحانية سريعًا بعد تمام تفتّحها أم لا
غطّى هوانغ جينغده موضع البتر بيده اليسرى، والدم يغمر جانبه الأيمن كله، ودروعه مبتلّة، وكلما ترنّح متراجعًا ترك بصمة قدم دامية على الأرض
وحين رأى تشين مينغ يستدير، لم يشأ الطعن غدرًا، بل حدّق عميقًا في وجه أخيه، وهمّ بالفرار، فلو كُتب له أن يحيا، فليحْيَ ولو بجسدٍ ناقص
مع أن تشين مينغ كان متلهّفًا لقطف الزهرة، لكنه لن يرتكب خطأ ساذجًا، فكيف يدع خبيرًا اجتاز ثلاث مرات من الميلاد الجديد يفرّ من تحت أجفانه
ومن غير أن يلتفت، قذف بمطرقة طويلة المقبض من معدن أسود بيده اليسرى، وقوته الجسدية ما أشدّها، فإذا رماها بكل ما أوتي من بأس لأحدثت حفرة في سور مدينة
صرخ هوانغ جينغده، فما إن استدار حتى دوّى طقطق، وكان ذاك صوت العظم وهو يتصدّع
وفي لظى الألم شعر أن عموده الفقري قد تحطّم، فلم يعد يقوى على التماسك، ودارت به الدنيا ثم هوى على الأرض
استخرج تشين مينغ الصندوق اليشمي، وأسرع إلى الأمام، إذ كانت الزهرة تتفتح كليًا بسرعة تُرى بالعين، ببهاء خارق وجمال آسِر
وليس هناك ما هو أهمّ من هذا، فشقّ طريقه داخل ضياءٍ ملون تغشاه الضبابات، حتى بلغ تلك النبتة الروحانية الفوّاحة
كانت تنمو عند شقٍّ أرضي بمحاذاة كومة أحجار، وارتفاعها نحو ثلث متر، غير أن زهرتها كبيرة، فإذا انفرجت طبقات بتلاتها الكثيرة بلغت حجم قبضة يد
كان ضياء السماء يندفع من شقّ الأرض، حتى إن صدر تشين مينغ ضاق وتأذّى، والنبتة بأسرها تستحمّ في مطرٍ من الضوء، تلمع كأنها تقطر صفاءً، وقد اكتمل تفتّحها تمامًا
وفي ضياء السماء، كان جسد الزهرة فضيًا تتخلله خيوط أشبه بوهج أحمر، أمّا الحواف فبلون أزرق صافي
وكانت بتلاتها على هيئة ورق الصفصاف لكن أشدّ حدّة، بل إن حوافّها ذات زوايا، وعددها وفير متراكب طبقات فوق طبقات، فإذا اجتمعت معًا بدت كأنها غابة سيوف صغيرة، جمالها أخّاذ لكن حدّتها ظاهرة
قال: نضجت تمامًا
ثم عمل، فزاح الحجارة جانبًا، واقتلع بيديه النبتة كلها من ورقٍ وجِذعٍ وجذور، وهي ثلاثية الألوان عامرة بالحياة
ثم أغلق الصندوق اليشمي بفرقعةٍ خفيفة، وتنفس الصعداء، فقد ظفر بتلك الزهرة النفيسة
وقال متهلّلًا: اليوم يوم فرحتين، فقد شفيتُ صدري بقتل رجال جين جي لينغ، ثم حصلت تباعًا على حديد اليشم الأزرق وهذه الزهرة الروحانية
وبجواره، اختنق هوانغ جينغجون غيظًا حتى بزق دمًا، أليست هذه عبارتهم هم أنفسهم، أما الآن فقد خارت قواه ولن ينجو
قال تشين مينغ شاكرًا من قلبه: شكرًا لكما على هديتكما، فقد لهثت أيامًا في الجبل ولم أحصل مثل حصاد اليوم
اختنق هوانغ جينغده بدوره، والنار تكاد تفتك بصدره، فقد كان يرى أفقًا باهرًا يلوح له، ويوشك أن يتدرّب على قوة ضياء السماء بفضل الزهرة، فإذا به لا ينال شيئًا البتة
ومهما يكنا على شفير الموت، مضى إليهما تشين مينغ وأجهز عليهما واحدًا واحدًا، حاسمًا أمرهما
وأثناء التفتيش عثر مصادفةً على شموعٍ عند هوانغ جينغده، فتفكّر لحظة وفهم سببها، فهي لسدّ شقوق الصندوق اليشمي
قال مادحًا: إحكام، فحتى لو كان لبعض الكائنات حاسة شمٍّ خارقة فلن تشمّ شيئًا على الأرجح
وفي النهاية جرّ تشين مينغ شقيقي آل هوانغ، ووضعهما مع شيخ جين جي لينغ وفارسي «الديك الذهبي»، ثم ودّع طويلًا السيف الطويل والرمح الفضي وتركهما
فهذه الأسلحة لافتة للنظر جدًا، ولا يستطيع إخراجها واستعمالها
وكان العالم السفلي قد غرق في فوضى عارمة، إذ اندفعت إليه أنواع من الكائنات الشاذة، فتوجّه تشين مينغ إلى منطقة تعجّ بالصخب والزئير، فما لبث أن اجتذب بعض المخلوقات المتحوّلة الضارية
ثم صار شيخ جين جي لينغ وشقيقا آل هوانغ «دواءً من لحمٍ ودم» لتلك الكائنات
وعلى السطح تدور الجوارح، ونسر فضي عملاق يبسط جناحين يمتدان نحو 10 أمتار، وبصحبته أنواع من الكائنات الطائرة تراقب هوّة الصدع كلها
وفي العالم السفلي تغيّرت حتى وجوه تساو لونغ ومو تشينغ وويي تشيرُو، واجتمعوا مع شيوخ عشائرهم
قالوا: رأينا علنًا مخلوقات متحوّلة أربع مرات، بل وخمس مرات
ثم قال آخر: فلنثبت تحت الأرض، فنحن في عمق الهوّة ولسنا عند المخارج، وموقعنا لا بأس به، ولن تطول الكائنات الشاذة في الهجوم هنا، فإذا خرج الخبر ستأتي نجدة من مدينة تشي شيا
وفي كهوفٍ تحت الأرض حتى تشين مينغ تلقّى صدمة، فوسط هذه الفوضى لم يعد صائبًا أن يصطاد في الماء العكر، فالمشهد دموي جدًا، وبعض الكائنات شديد التوحّش، يمزّق الإنسان تمزيقًا ثم يلتهمه
وأثناء بحثه عن الطريق قتل غير ذي مرّة عدة مخلوقات متحوّلة
ولم يمكنه أن يتوغّل نحو عمق الهوّة، فمضى على هدي الذاكرة إلى المنطقة التي اختفى عندها أهالي الجبال
قدّر تشين مينغ أن بعض الصيّادين الشيوخ قد يهتدون إلى طريقٍ يفضي إلى خارج الوادي، فهم يجوبون الجبال سنين طويلة، وخبرتهم في البقاء والتحايل على الموت عالية، ويكفي أنهم ما إن دخلوا تحت الأرض حتى اتخذوا القرار الصحيح لنفهم بعض ما لديهم
وأقبل دبٌّ أبيض عملاق بعينين وقاحتين، وفمه مدمّى، وقد غرز مخالبَه الحادّة في جثتين، وما إن لمح تشين مينغ حتى اندفع نحوه مباشرة
قال تشين مينغ شاعرًا بالخطر: لن أقدر على هذا الدبّ العملاق، فهذا الوحش أعتى كثيرًا من مخلوقٍ متحوّل ثلاث مرات
فرّ سريعًا، فقد خبر مثل هذه المطاردات في صباه، إذ عاش بين 14 و16 عامًا يعول نفسه في الجبل، وكان الفرار آنذاك على شفير الموت حقًا
غير أن ما واجهه حينها كان وحوشًا عادية، ومعه لو تسه وشو يويه بينغ يرعيانه، أما الآن فقد اصطدم بوحشٍ متحوّل مرارًا
ولم يواجه تشين مينغ منذ زمنٍ طويل هذا المشهد الدموي الفظيع، فما له إلا الفرار المتواصل، فلو توقّف لهلك
ولحسن الحظ فإن الممرات تحت الأرض متشابكة كخيوط العنكبوت، وبعض المواضع ضيّق
فتوقّف الدب الأبيض العملاق عند العائق، وأخذ يضرب جدار الصخر غيظًا حتى اهتزّ النفق كله، وتناثرت الصخور، وكانت الجثتان العالقتان في مخالبه قد صارتا كتلة ممزّقة
وأدرك تشين مينغ أن جين جي لينغ وطائفة العيون الثلاث سيتكبدان هذه المرة خسارةً فادحة، والقِلّة التي ستنجو اندفعت بالفعل نحو أراضي عائلة هوانغ
كانت طرقٌ كثيرة في الكهوف مضمّخة بالدماء، تتعالى منها صيحات الكائنات وزعيق البشر، فإذا التقى الطرفان كان لا بدّ أن يسقط أحدهما
ومضى تشين مينغ في ممر ضيّق، وما إن خرج إلى ناحية أخرى حتى رأى شيخًا من طائفة العيون الثلاث قد مات شرّ ميتة، إذ ثقبه ثور ذهبي عملاق بقرنيه الطويلين من صدره
وكان هذا الشيخ الذي اجتاز ثلاث مرات من الميلاد الجديد سيّئ الحظ، يتيه في الطرق، بلا حسّ اتجاه، يدور ويدور في المكان نفسه
ولولا ذلك لفرّ بقوته إلى أراضي عائلة هوانغ منذ زمن، لكنه هنا دار حتى دوّخ نفسه
وكان على قرني الثور الذهبي العملاق خمس جثث، وهزّ رأسه الضخم فجأة فطارَت كلّها، وارتطمت بالجدار الحجري في فرقعاتٍ مكتومة، وخلّفت لطخات من الدماء هنا وهناك
وتحت حوافره أيضًا بعض الجثث، قد سُحقت سحقًا
وكان وبره الأملس كالإبريسم قد شارف أن يكتسي حُمرة الدم، فما إن وقعت عيناه على تشين مينغ حتى نفخ النار من أنفه وفمه، واندفع نحوه كالمجنون
فلما رآه تشين مينغ على هذه الضراوة، وعلم أنه ليس ندّه، استدار ودخل الممر الضيّق من جديد
وأما أن يلقي الآن كلماتٍ قاسية أو لعنًا في وجه كائنٍ شاذٍّ كهذا، فلا طائل منه، وكل ما يرجوه أن يغادر هذا الحيوان سريعًا
وكان شعور أن مصير الحياة والموت خارج يده شعورًا كريهًا، فاشتدّ توقه إلى أن يقوى أكثر، ففي موضع كهذا، إن برز كائنٌ صغير الجسد وقد تحوّل مراتٍ كثيرة، فموته محقّق
دوّى اصطدام رهيب
فقرنا الثور الذهبي أرهب من سيفٍ مصلول، قد شقّا الجدار الحجري شطرين، وتساقطت أحجار كثيرة، وغبرت الأجواء
ونفَثَ من فمه وأنفه نارًا ألهبت الجدار، وتدافعت موجات الحرارة
قال تشين مينغ وقد خفق قلبه: لا عجب أن شيخًا اجتاز ثلاث مرات من الميلاد الجديد ليس ندّه، وهوى إلى عمق الممر
ومضت نحو ربع ساعة حتى غادر الثور الذهبي، فقد رآى ذا القدمين، ولن يهدأ له بال حتى يقتله
وانتظر تشين مينغ قليلًا، وهدأ الخارج بعض الشيء، فتلمّس طريقه، ومع أنه لقي بعض الكائنات الشاذة، فإن الخطر كان أخفّ
وفي النهاية دخل شِقًّا لا يسع إلا شخصًا بالكاد، فلما اجتازه لان الطريق قليلًا، وكان ذاك آخر ما دخله أهالي الجبال
وتقدّم تشين مينغ متعثّر الخطى في ظلامٍ دامس، ولحسن الحظ أنه يحمل حجر الشمس، ومع ذلك عانى في مسالك وعرة ردحًا طويلًا حتى خرج من شقوقٍ تحت الأرض إلى غابةٍ كثيفة، فارًّا من هوّة الصدع
وأكبر ما في قلبه إعجابٌ أولئك الصيّادين الشيوخ أصحاب التجربة، فلو كُلّف هو بإيجاد هذه الطريق لما اهتدى إليها بهذه السرعة
وتنهّد متفكّرًا، فقد كان أولئك الجبليون المنقّبون في أخطر المواقف، وإذا بهم في النهاية هم الناجون الفارّون
وبالطبع فذلك لأنهم ما إن دخلوا تحت الأرض حتى بدأوا إنقاذ أنفسهم، ولو طاردتهم الكائنات الشاذة كما طاردت جين جي لينغ وطائفة العيون الثلاث، لما وجدوا زمنًا للبحث عن طريق
وزفر تشين مينغ طويلًا، ومهما يكن فقد نجا بحياته
وكانت الجبال هادئة جدًا، فما كاد يرى شيئًا حيًّا وهو يشقّ المسير
وأبطأ خطاه، فقد اندفع كثيرٌ من الكائنات الخطرة نحو هوّة الصدع، وكان يفكّر ثم توقّف فجأة
قال: إن لم تخنّي الذاكرة، فعرينُ الدب الأبيض والثور الذهبي يبعدان عن هنا أقل من 5 كيلومترات، وهما من أعتى كائنات أطراف الجبال
وحسم تشين مينغ أمره، فاندفع يعدو نحو وجهة بعينها
فلما اصطدم بالوحشين كاد يهلك، ومع أنه لم يُصب بأذًى في النهاية، فالرهن الذي خاضه كان خطِرًا للغاية، ولولا الممر الضيق لكان تمزّق تحت مخلب الدب أو تعلّق على قرني الثور
وآل رأيه إلى أن يستغلّ غيابهما عن العرين، ويقصد نهبيهما الآن