الفصل 39
الليل الأبدي - الفصل 39
الفصل 39: صار العالم كله مختلفًا
كان يمكن سماع وقوع الإبرة داخل الغرفة، لكن في هذا السكون الشديد سمع تشين مينغ همسًا غامضًا عند أذنه، قريبًا حدّ الملاصقة
خطف مطرقته السوداء طويلة المقبض وشدّ جسده كالفهد، لم يكن ذلك وهمًا، بل إنه لمح قبل قليل ظلًا مبهَمًا
كان الليل خارج النافذة عميقًا، وأخذ حجر الشمس في الغرفة يخبو حتى ومض فجأة وانطفأ تمامًا، فغرق المكان في ظلمة موحشة
لحسن الحظ اختفى كذلك الهمس عند أذن تشين مينغ
بعد لحظات لمس مجددًا سجل السيف الجلدي ذي الصفحات المتآكلة والمنثنية، فظلّ كل شيء هادئًا ولم يحدث شيء
رفع السجل ولكن الغرفة كانت شديدة الظلمة فلم يعد يقرأ ما على الصفحات، ولم يقع أمر غريب بعد ذلك، أتراه كان مجرّد وهم
خرج تشين مينغ فورًا إلى جوار نبع النار عند طرف القرية، والتقط بضع حجارة متألقة وعاد سريعًا إلى بيته
كان يمسك بالمطرقة في يد ويقلّب بالسجل العتيق باليد الأخرى، وكل شيء هادئ، لا همس ولا لغو
هل كنت أتوهّم السمع قبل قليل
سرعان ما كفّ عن الشرود وأعاد تركيزه على الصفحات الجلدية التي تحمل طابعًا عتيقًا، يقرأ بتروٍّ خلاصة جهود الأوّلين
آه
في تلك اللحظة انتصبت شعيرات جسده، فإلى جانب الهمس في هذا السكون سمع تنهدًا واضحًا يتردّد عند أذنه، وظهر شيخ أشيب في الغرفة المعتمة، ثيابه الممزقة ملطّخة بالدم وهو يترنح أمام عينيه
وبدا أنّ حرارة الغرفة انخفضت بضع درجات، وحتى حجارة الشمس التي عاد بها للتوّ خبت أنوارها
تحرّك تشين مينغ بلمح البصر وسدّد إليه ضربة ساحقة بالمطرقة
فغاب التنهد، وتلاشى الشيخ الممزق الثياب الملطخ بالدم
ما الذي يجري هنا؟ بدا العالم مختلفًا في عيني تشين مينغ، وتجهّم وجهه، فمجرد مطالعة سجل سيف فإذا بالأمور تبلغ هذا الحد من الغرابة
قبض على مطرقته السوداء طويلة المقبض وأمعن النظر في الغرفة، فإذا بحجارة الشمس ما تزال مشرقة، وكأن الحرارة لم تنخفض أصلًا، فعاد كل شيء إلى طبيعته
أترى هذا كتابًا مسحورًا حدّق في السجل المجلّد بجلد وحش وقد تقادم به العهد وتآكلت صفحاته
أم لعلني بعدما امتصصت تلك المادّة السائلة بات صفائي الذهني مفرطًا، فأصبحت أرى وأسمع ما يخرج عن المألوف أخذ يتأمل مليًا
وفي النهاية عضّ على نابه وقرّر أن يلازم السكون ليدفع به، فلا يبادر بفعل شيء مسبقًا، ويرى ما عسى أن يكون هذا الكائن الغريب
وبينما يمسك بالمطرقة بيد ويقلّب بالسجل باليد الأخرى لم يُسمَع سوى خشخشة الصفحات الجلدية، إلى أن غاص كليًا في القراءة وغدا تركيزه حادًا فعاد الهمس، ووقف شيخ أشعث مدمّى على غير بعيد أمامه
الوقت يضيق، اترك هذا السجل للسكاكين، آه، للأسف إن طريقي في السكين لا يُمكن وصفه تمامًا، وبعضه مكتوب عليه أن يضيع، يا لأسفي على جهد نصف عمري
ثم رآه منحنٍ على الطاولة يكتب، ومع كل مقطع كتابي تتوهّج ومضة من ضوء السكين تتوالى كأنها تمزّق ستار الليل
ومع كل إنزال للقلم وإتمام لأي صيغة من صيغ فنّ السكين تتبدّى أمامه مشاهد تمرين الشيخ آنذاك ومشاعره وخلاصاته وفهمه لتلك الهيئة
وأدرك تشين مينغ في الحال مدى الأثر الذي سيتركه هذا الأمر فيه وأهميته، فبعد امتصاصه للسائل من تلك البقايا الجانبية صار العالم مختلفًا تمامًا في نظره
فعندما يبلغ تركيزه ذروته يستشعر عبر هذا السفر القديم وجدان المؤلف، ويحدث تلاحم عاطفي يجعله يفهم فنّ السكين فهمًا يتجاوز ما دوّن على الورق
وكان تشين مينغ يعدّ نفسه حاد الفهم سريع التعلّم، فلم يجد مشقة حين قلب السجل في الجبل من قبل، وسريعًا ما قبض على جوهره
أما الآن فالمسألة تجاوزت الفطنة، إذ يشهد كيف وُلد السجل نفسه، ويتحسّس روح الشيخ ساعة التدريب، وهذا يمسّ الخبرة والذوق وفهم الجوهر
هذا السجل يحمل خلاصة نصف عمر شيخ، وأنا أتناغم معه فأستعيد صورًا حقيقية من تلك الأيام
شرد لحظة وخرج من تلك المشاهد الصادقة
ثم ألقى مطرقة الأوجين جانبًا وجلس أمام الطست النحاسي الذي وُضعت فيه حجارة الشمس، وبدأ من البداية يقرأ هذا السجل بعناية وقد ألقى بكل روحه فيه
وفعلًا كلما ازداد تركيزًا ازدادت الصور والأصوات وضوحًا، وتعمّق ذاك التوافق الوجداني والفكري
وإذا به يرى الشيخ يحدّق في ليل السماء مفكرًا في فنّه، ثم يطلق شفرة لامعة تخترق العتمة، وتتبدّل الصورة، فيبرق الرعد وينهمر المطر، فيحصل الشيخ على ومضة فهم جديدة، فيقف تحت المطر ممسكًا بسكين خشبي ويرسم ضربة هائلة كأنها تقطع السماء، فيسطع بريق السكين الخشبي حتى يغلب ومض البرق، ويشطر الظلام
ارتجف تشين مينغ من شدّة الانفعال، فهذه الهيئة ليست مذكورة أصلًا في السجل، إنها صيغة لا تُنقل بالكلمات وإنما تُدرك بالقلب بعد ارتقاء النفس
وهذا الإحساس البالغ الدقة يتعذّر تدوينه، لذلك تنهد الشيخ، فبعض خلاصة فنه مكتوب عليها أن تضيع
لكن تشين مينغ الآن قد شهِد ذلك، وبفضل التوافق النفسي والفكري قبض على لبّ تلك الضربة
وفي ما تلا من صيغ السكين اعتكف الشيخ في أعماق الجبل وذبح الوحوش العظام، ثم سار وحيدًا في العاصف من ثلجٍ ورياح وقاتل خصومًا كثيرين وفقد ذراعًا، وبعد أن أُنهِك هرب بعيدًا ودفن سكينًا مكسورًا عند الشيخوخة
وبعدها أقام وحده يتعافى وقلّ خروجه، وبعد خمس سنوات من الجلوس الطويل استخرج تلك السكين المكسورة، وحين أشهرها ثانيةً غدت ضربة الليل المطير القاطعة للسماء أعتى وأجبر، كأن الجبل إذا سدّ شقّه السكين، وإن البحر إذا صدّ سوّاه
وكلما شاخ ازداد احتدامًا، فلم يَسلك معنى العودة إلى البساطة والاندغام في الطبيعة، بل ظلّ يصعد صعودًا حادًا حتى كادت تلك الشفرة المرعبة تُحرق جسده الهزيل فلم يعد يحتمل
ثم خرج الشيخ سفرًا آخر، وبسكينٍ مكسور اقتلع كل خصومه، ثم عاد إلى موضع جلوسه القديم، فوارى السكين وترك الكتاب، وبلغت حياته لحظتها الأخيرة
كم يؤسفني أنني حُبست في مكان ناءٍ بلا أساليب فعّالة لرفع جوهر الحياة، ومع أن فهمي لطريق السكين عميق ولم تكن فطنتي دون أحد، فإن الجسد قيدني ولم يقع بصري على كتب أرفع طبقة، فقضيت عمري واقفًا عند هذا الحد
لم يبق للشيخ وقت، فراح يكتب مسرعًا، ومع كل خطّ تومض أنوار السكين، لكن ما إن يتصل الأمر بنور السماء حتى تغيم الصورة، وأما الصفحات الأبعد فلا ترى البتة
وعرف تشين مينغ أنه لم يُنمِّ بعد نور السماء في داخله، فلا يستطيع التوافق وجدانيًا وعقليًا معه، لذا تعذّر عليه الإبصار الآن
أطبق السجل وأغمض عينيه، فتداعى كل ما رأى وسمع واللوحات برُمّتها في قلبه، وصارت تلك الخبرات والخواطر والفهم الجديد للفن كأنها تجاربه هو
وحمل مطرقته السوداء طويلة المقبض إلى الفناء وأجرى صيغًا لا ذكر لها في السجل، فبدت تحت الليل كأن رعدًا وبرقًا يوشكان أن يولدا
وأخذت مطرقته تشقّ الفضاء لاهثة، ورأسها المغمور ببريق الأوجين يزداد سرعة، ويخلّف مسارات رهيبة تتشابك في الفناء حتى كأنها انبعاثٌ كثيف من أنوار السكين القاتلة
ثم جمع مطرقته ووقف، وهو مبهوت لأنه أعاد تلك الصيغ حيّة
وثق تشين مينغ من نفسه، فلو أُعطي فنًّا كامل البنية ثم مُنح وقتًا لكفاه أن يُتقنه
أما الآن فبفضل التوافق النفسي قبض في ليلة واحدة على صيغ تتجاوز ما في السجل كأنما تمرّس بها عقودًا
وسرعان ما هدأ، فذلك مقصور على المهارة والخبرة وفهم الفنون، أما ترقية جوهر الحياة فتبقى رهينة التمرين
ومع ذلك فهذا كافٍ ليدهش العالم
وأخذ يتساءل: ما حقيقة السائل في تلك الحجارة حتى يمكّن روحه من التوافق مع المشاعر المكنونة في هذا الكتاب
وأدرك أن الموارد الغامضة في تلك البقايا الجانبية ليست بالضرورة أدنى شأنًا مما يُنبت بعد امتزاج الأعمدة العشرة من الضوء بالضباب الخماسي الألوان، ولو شاع هذا لولّد عاصفة لا تُقاس عاقبتها
بل إنه شكّ في أن لتلك البقايا أصلًا أعظم شأنًا
وتدفقت خواطره فتذكّر ما كان ليلة التهم فيها الحريق القرية بأسرها، والفتى ذو الثوب ذي الريش يمسك عصًا من خيزران متلألئ بالأرجوان، ساميًا عن الدنايا، واضحًا أن خلفه أصلًا كبيرًا، وقوّته لا تقاس، ومن يقف وراءه أدهى وأمرّ
أما الآن فقد ازداد تشين مينغ سكينة وثباتًا، وغدا يملك سندًا في داخله، وفي المستقبل سيمضي إلى مدينة لوه يويه ليواجه الماضي الدامي وجهًا لوجه
وفي الوقت نفسه كانت المرأتان اللتان ظهرتا عند مدخل القرية تسلكان طريقًا يخالف طريقه بوضوح، كأن من يمشيه يطلّ من علٍ على سالكي أساليب الولادة الجديدة
غير أن تشين مينغ يرى الآن أن دربه لا يقل شأنًا عن سواه، فما دام يتقدّم بالسرعة الكافية فسيخترق أي طريق
وما إن سكنت نفسه حتى بدأ يقدّر قوّته
باتت ذراعاه تملكان قوة تتجاوز نحو 1,000 كيلوغرام، بل تقارب نحو 1,100 كيلوغرام، ومع قبضه على لبّ صيغ لا يذكرها السجل صار أداؤه القتالي مخيفًا
هل أستطيع مجاراة أولئك العجائز الذين تمرّنوا على قوة نور السماء تردّد تشين مينغ مفكرًا
وأخذ يحسب في سرّه: حتى لو كان أولئك العجائز عند ولادتهم الجديدة الأولى قادرين على رفع نحو 300 كيلوغرام، واتُّخذ ذلك أساسًا، فإن الولادة الجديدة ثلاث مرات تعادل نحو 900 كيلوغرام، ولا تبلغ ما عنده
وهذا هو سبب تعظيم الجميع للولادة الجديدة الأولى والسعي لتشييد جذور ذهبية، إذ إن ما يأتي بعدها يُراكَم عليها
ويرى تشين مينغ أن مرعب ما في من بلغوا الولادة الثالثة أنهم يصقلون قوة نور السماء، فإن تشابكوا معه عن قرب هلك لا محالة
فهذه القوة الخاصة قادرة على اختراق حراشف الوحوش العظام وتمزيقها، وفتكها بالغ حدّ الرعب، وهذا أصل تمكّن البشر، على ضعف قامتهم، من مجابهة الكائنات المغايرة
غير أن قوة نور السماء في نطاق الولادة الجديدة لا تتعدّى الجسد إلا قليلًا حول القبضات والأقدام، ولا تمتد إلى السلاح
تمتم: ما دام الأمر كذلك، فطالما لا أدع أولئك ذوي الولادات الثلاث يقتربون، وأحافظ على مسافة مناسبة، فأنا قادر على القتال
على أن الشرط أن يكون معه سلاح يلائمه، فالسكين والسيف لا يصلحان إذ سيُمزَّقان على الأرجح بقوة نور السماء، أما المطرقة السوداء طويلة المقبض فتلائم، وبقوةٍ صِرفٍ سيُسقط خصمه سحقًا
كما توقعت، ليلة أخرى بلا نوم
ابتسم بمرارة، فما زال صفاؤه الذهني متدفقًا، ولم يغمض له جفن إلا قبيل الفجر هنيهة، ويقدّر أنه في الأيام القليلة القادمة لن يحتاج إلى نوم
وفي النصف الثاني من الليل درس فنون السكين، وفتّت خبرات الشيخ وفهومه تأمّلًا وركّبها بطريقته، وأضاف إليها ومضاته الخاصة وما خطر له من صيغ
وفي اليوم التالي أخبره تساو لونغ ومو تشينغ ووي تشي رُو أنهم إن لم يعثروا خلال أيام على اكتشاف أو غنيمة بارزة فسيعودون
وفي ذلك اليوم أخرجوا سجلًّا لأسلوبٍ متوسط من أساليب الطاقات الداخلية وقدّموه لتشين مينغ وليو العجوز وآخرين كمكافأة، وسمحوا لهم بنقله لمن حولهم
فشكرهم أهل قرية الشجرتين غاية الشكر، فهذه أول مرة يطّلعون فيها على أسلوبٍ بهذا المستوى من أساليب الولادة الجديدة
وكان السبب أنهم أعانوا الفرق الثلاث كثيرًا، مثلما حدث في كهف الخفافيش النارية حيث جنى مو تشينغ وتساو لونغ مكاسب كبيرة
وفي تلك الليلة درس تشين مينغ ذلك الأسلوب المتوسط، فوجد أنه دون ما في اللفافة الحريرية التي يتمرّن عليها، ثم إنه منسوخ مؤقتًا ولا يحمل مشاعر غامرة فلا مجال لتوافقٍ نفسي
يبدو أن الأمر لا ينجح إلا بما خلّفه السابقون من عصارة أعمارهم استخلص تجربة جديدة
وفي المساء حين حمل ذلك الأسلوب المتوسط إلى ليو العجوز سأله
يا عجوزنا، ألن تفضح بدافع ردّ الجميل أمكنة المواد ذات الروح لمن فرق مدينة تشي شيا الثلاث
اطمئن، فالعجوز يعرف ما يفعل، وما إن تبرأ جراحي وبعد أن تنجز ولادتك الجديدة الثانية وحين تهدأ الجبال تمامًا سندخلها أنا وأنت لنبحث عن مواد ذات روح تمكّننا من الولادة الثالثة، وقد أبقينا أفضل المواقع لنا
ثم سأل تشين مينغ: يا عمّنا، أما في ناحيتنا هذه من بيوت عريقة ذائعة الصيت لكنها آلت إلى اندثار
سأله ليو العجوز مرتابًا: لِم تسأل هذا وما الذي تنويه
قال تشين مينغ: أود أن أستعير منهم كتبًا، لا تقلق، فسأدفع فضة ليلية لا يقدرون على رفضها
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.