الفصل 38
الليل الأبدي - الفصل 38
الفصل 38: ليل بلا نوم
تفاجأ تشين مينغ حقًا فبردت أطراف أصابعه، بل بدأت البرودة تتسرب إلى كفه، فكيف له أن يبقى هادئًا
على الفور هزّ يده بقوة، ثم راح يجذب ما التصق بها
مرّ يوم، ولم تعد «حجارة الشمس» في الطشت النحاسي بتلك الإضاءة، فغرفت الغرفة في عتمة خفيفة، ومع ذلك رأى تشين مينغ أن عليه أن يكون قد لاحظ «المادة الغامضة» من اللحظة الأولى، غير أنه لم يدركها إلا من إحساس يده
تقدم إلى الطشت، وأخذ حجر شمس، وتفحّصه على ضوء آخر توهجٍ من وهج النار الغاربة
ذابت كتلة جليد
هذا السائل البارد عديم اللون والرائحة، يسهل تجاهله، وحين سحق الحجر لم يبدُ منه أي شيء غير مألوف
ألعلّه ماء تسلل إلى الحجر بعد مطر، ثم تجمّد، وبعدها غذّته أنوار السماء فصار «مادة غامضة» قال مترددًا
فهذا السائل القارس لا يملك أي سِمةٍ مميزة
أما أندرُ المواد فترفع عشرةَ أعمدة نورٍ ملوّنة إلى السماء وتشدّ الأنظار من كل صوب، وتنتشر أخبارها بين المدن الباهرة كلها وتصبح حادثةً تُسجّل في السجلات
وأنتِ مجرد فتاتٍ على هامشها، فما عدا البرودة اللاذعة التي تكاد تلسع الكف، أين خَصْلتك الخارقة تمتم وهو يقطّب
بعد أن لوّح بيده بعنف لم يعد السائل يتسرب، والغريب أنه لم يتناثر على الأرض، ومع لمسه لا يبدو له لزوجة تذكر
ما نفعك تمتم يمعن النظر، فهذا السائل بلا ملامح، مما عقد حاجبيه، إذ لا يدري كيف يستخدمه أصلًا
أأتركه يتغلغل في اللحم والدم رأى في ذلك مجازفة لا تُدرَك عواقبها
لقد سمع من مو تشينغ وتساو لونغ أن المواد التي تغذيها أنوار السماء أنواعٌ شتّى، وبعضها لا ينفع الجسد بل قد يضره
هممم تغيّر وجه تشين مينغ قليلًا، حسب أن ما شعر به من بردٍ قد طرده تلو تلوح اليد، وأنه لم يدع السائل يدخل اللحم والدم
لكن الأمر ليس كذلك، إذ وصلته إشارة مختلفة من يده اليمنى، فالموضع الذي غزته البرودة بدأ يسخن الآن
بل إن تلك الحرارة راحت تنتشر بسرعة، أو لنقل تتحرك، انسابت من الأصابع إلى الذراع، ثم صعدت من الكتف إلى العنق
ورغم أنها مريحة، فإن الطارئ جعل تشين مينغ يتأهب كأنه في وجه عدو، فسارع إلى تشغيل «طريقة النشأة» المسجلة على الرق ليتصدّى
لكن بلا جدوى، بل إن تلك السخونة أخذت «تعلو الرأس»
والأخطر أن ما تبقى من السائل البارد الذي لم يتخلص منه بدأ يتسرب كليًا إلى أصابعه، من بردٍ إلى دفء، يصعد مع الذراعين
أُقِرّ بأنك ليست بركة راكدة وفيك خصوصية، فلنهدأ قليلًا، دعيني ألتقط أنفاسي خاطب المجهول وهو يستنزف كل وسيلة، لكن بلا تغيير يذكر
كلها دخلت هزّ ذراعه، وفرك كفيه بلا توقف، وانبثت على جسده تموّجات ذهبيّة مجزأة، لكن لا طائل، بل تسارع المسار
فقد أخذ السائل القارس يتحول سريعًا في اللحم والدم إلى دفءٍ يغلي، ثم، من اليسرى واليمنى معًا، صعد كأنه أنهار تصب في بحر، حتى انتهى إلى ما بين حاجبيه
ثبت تشين مينغ ينظر في المرآة إلى نفسه، فإذا كان لا يستطيع الإيقاف فليسعه أن يراقب بهدوء
تزايد الدفء في مركز الجبهة حتى اجتمعت السيول كلها هناك، فأخذ عظم الجبهة يضيء، ثم امتد الضوء إلى عمق الرأس
لم يشعر بأي ضيق، وفي النهاية انحلّ ذلك الدفء الغامر
فطن مليًا، فلم يجد سوى نشاطٍ ذهنيّ وفير، بلا أي شذوذٍ آخر
حمل مطرقة الوجين السوداء ذات المقبض الطويل وخرج إلى الفناء، وأجرى مجموعة من حركات السيف، فلم تزد قوته، ولا بدا تغير واضح في البنية
مع ذلك أيقن أن هذا السائل ليس بهذه البساطة، فلا يعقل أن يضمحل أثره كأنه لم يكن، لعلّ التبدل لم يظهر له بعد
رفع عينيه إلى الليل، فبان له أوضح قليلًا، والضباب الليلي بدا أخف كثافة، ورؤيته أفضل يسيرًا، لكنها ليست زيادة تُذكر
تناول شيئًا يسيرًا، ثم قصد فم القرية، فوقف عند عين النار تحت الشجرتين السوداء والبيضاء
مرّر كفه على الجذعين الخشنين، إحداهما سوداء كالحبر، والأخرى كأنها منحوتة من اليشب الأبيض، وأوراقهما لا تتساقط في برد الشتاء
السائل جاء من جبل الأسود والأبيض، فهل أنتما البذرتين التائهتين من هناك
显然 كان يفكر أبعد مما ينبغي، فحتى حين مضغ ورقتين، سوداء وبيضاء، لم يحدث شيء يُذكر
ليكن على هذا مؤقتًا، فبدني بخير، بل روحي منتعشة، ولن تقع كارثة على ما يبدو هدّأ نفسه
فجأة انتبه إلى حركة من بيت العجوز ليو عند فم القرية، تصحبها بكاءُ امرأةٍ وطفل
المسافة بضع عشرات من الأمتار، وفي طرفة عين كان يعبر باب الفناء، فانعقد حاجباه، إذ رأى ثلاث دجاجات ضخمة تبحث في الأرض
إحداها مميزة، ريشها أصفر فاتح، يبعث وميضًا خفيفًا، وساقاها粗ّتان للغاية ومخالبها حادّة، وقد خدشت حجر الصحن في الفناء بخطوطٍ واضحة
كانت أقوى بكثير من الدجاجتين الأخريين، ولا ريب أنها «دجاجة ذهبية» ذات تحوّرٍ ثانٍ
وفي الفناء رجلٌ كالحُرقة، يخفض صوته بالكلام، لكن غضبه بَيّن، أوشك أن ينفجر
أدرك تشين مينغ أنه فارسٌ من «جينجي لينغ» من «فرسان الديك الذهبي»، فماذا جاء به إلى بيت العجوز ليو
وعلى جانبه رجلان يصاحبانه، يحدّثان العجوز ليو همسًا
وقفت أسرة العجوز على الجانب حائرة الملامح، واضح أنهم فُزعوا منذ قليل
وما أذناه، فهو يسمع كل حرف، إذ كانوا يساومون بلهجةٍ فيها شدّة، يريدون «شراء» العشبة الحمراء الصغيرة التي حصل عليها العجوز ليو من «كهف الخفافيش النارية»
في الليل الخفيف، كان رجال «جينجي لينغ» قد رأوا العجوز يخرج من الكهف، ولمع حُمرةٌ على صدره ففهموا الأمر، وها هم يطلبونه في بيته
يا ليو، بلغت هذا العمر، وفي شبابك أصبت بإصابةٍ أفسدت أساسك، ومن العسير أن تولد من جديد للمرة الثانية، فبِعْها بسعر عالٍ، واترك لأولادك شيئًا من المال
صحيح، فهذه العشبة الحمراء إن أكلتها ستشعر كأنك تُحرق بنار، وجسمك واهن لن يحتمل، وإن فشلت في النشأة الثانية فالعاقبة وخيمة
تكلم العجوز بيأسٍ لا يُوصف، وفي ملامحه حزن، قال كافحتُ عمري كله، وأنفقت معظم حياتي، وكل ذلك لهذه الفرصة
لا شكّ أنها عقيدته التي لا يتنازل عنها، وقد أعدّ أدويةً باردة معاونِة، وسيضبط بدنه شيئًا فشيئًا، ويتناول العشبة الحمراء على دفعات، والأمر يسير، وفرص نجاحه كبيرة
فالمادة التي تعين على النشأة إنما تنفع لأنها مشبعة بالحياة والروح، وما يُقال عن «حدة دوائها كنارٍ محرقة» مبالغة
…
غضب تشين مينغ في نفسه، أليس هذا اعتداءً على الضعفاء، شيخٌ في السبعين وما بعدها ظلّ يحلم بالنشأة الثانية لعقود، وها قد لاح له فجرٌ، فإذا بأحدهم يأتي ليشتريها قسرًا
وسمع السعر الذي عرضوه، فما الفرق بينه وبين السلب
عشرات من «فضة الليل» قد تكون مالًا وفيرًا للعامة، لكن تلك «مادة ذات روح» تعين على النشأة الثانية، إنهم يستهينون بالناس كثيرًا
العشبة الحمراء تنمو في كهف خطر تحرسه خفافيش نارية متحوّرة ثلاث مرات، ومن العسير جدًا قطفها، حتى «فرسان الديك الذهبي» أنفسهم لا يجرؤون على دخوله
أيها الإخوة الثلاثة ناداهم تشين مينغ وهو يتقدم
من أنت، تنحّ جانبًا تكلم أحدهم ببرود، لا يترك له مجالًا للكلام
أما فارس «الديك الذهبي» فمسحه بعينٍ باردة، لم ينطق، لكن الإنذار واضح: لا تتدخل
يا تشين، لا تقل شيئًا، دعني أدخل لأفكر قليلًا قال العجوز ليو، لا يريد تورّط تشين مينغ، فأهل «جينجي لينغ» شديدو البأس، كانوا قُطّاعًا كبارًا وإن قُبِلوا اليوم ضمنًا، فما زال طبعهم فظًا
إذا لاحقوك فالعاقبة غير مضمونة
أيها الإخوة، هذه العشبة الحمراء التي مع العجوز ليو أعطاه إيّاها تساو لونغ ومو تشينغ من مدينة الشفق القرمزي قال تشين مينغ مرة أخرى
ومراده واضح: يشير إلى أن نبلاء «مدينة الشفق القرمزي» في علاقة طيبة مع العجوز، ولم يبخلوا عليه بمادة ذات روح لتقوية بدنه، وغدًا سيخرج مبكرًا ليقودهم في الجبل
هذه أمورٌ قالها ليو نفسه، هه، وفي النهاية أنتم لا تعدون أن تكونوا… ابتسم الفارس بسخرية، لم يقل إنه يلوّح برايةٍ ليرهب بها، لكنه عنى ذلك، لا يصدق أن أهل المدينة يتواصلون مع بضعة صَيادين
الشابّ ينبغي أن يعرف حدوده، ما ليس شأنك لا تعبث به قال المرافق الآخر بتحذيرٍ صريح
عاد العجوز إلى الداخل، واستخرج من جدارٍ مخبأً فيه حزمة من العشب الأحمر المشرق، ثم عضّ على أسنانه ووضع قبضةً كبيرة منها في فمه، لا معاونة، لا ضبط بطيء، بل ابتلع أكثرها دفعة واحدة
ترك قليلًا فقط، وعاد به إلى الفناء
هذا قليل جدًا، ألستَ قد تناولتَ منها سرًا اسودّ وجه الفارس فورًا، فحدسه صائب
هذه كل الكمية قال العجوز
وما نفع هذا القليل، أحسنت يا ليو ربت الفارس كتفه، واستدار منصرفًا
وما إن غاب الثلاثة عند فم القرية حتى بصق العجوز دَمًا
ما بك يا عم ليو فزع تشين مينغ
قال ذلك الفارس لئيم، وقد تمرّن على «راحة الطين الأصفر»، شكّ أنني تناولتُ مادة ذات روح، فأراد خلسةً أن يبعثر دمي ويمنع النشأة الثانية
رمق تشين مينغ خارج الباب نحو الريح والثلج، وراوده أن يلحق بهم، ويهوي عليهم بكل من المطرقة والسيف
لكنه عرف أن التهور ليس صوابًا، فخلفهم «جينجي لينغ» وفيهم عصابة كبار، وإن طلب لذةً عاجلةً جرّ على القرية كلها البلاء، فليدخل الجبل أولًا ثم «يفكر على مهل»
أأنت بخير يا عجوز
جدي
أحاطت الأسرة بعجَل
كيف تحسّونك سأل تشين مينغ
قال العجوز أعرف طبع «جينجي لينغ»، وقد احتطت مسبقًا، والحال ليست حسنة، لكنها ليست كارثية، أيّامٌ من الضبط تكفي
والواقع أن «جينجي لينغ» لم يكونوا وحدهم، إذ جاء أيضًا أهل «طائفة العيون الثلاث»، وجاء بنفسه ناشئٌ ثانٍ منهم
وفي النهاية لما فشلوا في الشراء قسرًا غضبوا وانصرفوا، وعلى الرحيل رمقوا المكان بوجوهٍ باردة، فكان الخلاف حادًا
حياة العاديين في بيئةٍ قاسية شاقة، وحتى إذا صاروا ناشئين تبقى المعيشة صعبة تمتم تشين مينغ في فناء داره ليلًا
وسرعان ما فهم ما طرأ عليه، فالنشاط الذهني ما زال مستمرًا إلى الآن، والوقت تأخر، ولم يأتِه نعاس
تمدّد طويلًا، فلم يذق النوم، كلما أغمض عينيه ازداد صفاءً
يا لها من ليلةٍ مُرهِقة، ما هذا، لستُ كائنًا ذا عمرٍ طويل حتى لا أنام، ثم لو وُجد في هذا العالم ذوو عمرٍ طويل أو قوى عظمى لرفعوا الشمس منذ زمن، فأين يكون الضباب الليلي كثيفًا والكون حالكًا
وفي النصف الثاني من الليل، لم يجد بدًا، فقام يتمشّى، وطاف حول القرية 18 دورة، فإذا به يزداد يقظة
ما الذي يحدث لي عاد إلى الفناء، فتدرّب على «طريقة النشأة» في الرقّ، ثم تمرّن على تقنيات الاشتباك في «كتاب السيف»، فشعر بالتعب، لكنه لم يشعر بالنعاس
خرج في جوف الليل، وعاد إلى فم القرية، وبلا ما يشغله أزال الثلج عن حجرٍ منقوش
يقول الشيوخ إن هذا الحجر يزن نحو 1,100 جين، وقدّرتُ أن في يدي الواحدة نحو ألف جين من القوة، ولم أختبر ذلك فعلًا، فلنجرب الآن
وانتزع الحجر من تربةٍ متجمدة انتزاعًا، ثم رفعه بيدٍ واحدة فوق رأسه
برغم المشقة فقد فعلتها، ما يعني أن في الذراعين معًا نحو 2,200 جين من القوة، أي أكثر قليلًا من تقديري
في الصباح، قال شو يويه بينغ وهو يلمح تشين مينغ يا تشين، أتبكي
تفاجأ تشين مينغ لا
عيناك محمرتان قليلًا لماذا
لم أنم جيدًا البارحة أجاب
وسار العجوز ليو إلى الجبل كعادته، لا يُظهر إصابة
ولما التقى تشين مينغ بتساو لونغ ومو تشينغ وويي تشرو، لم يُخفِ شيئًا، وحكى مباشرة ما وقع البارحة من محاولة «جينجي لينغ» و«طائفة العيون الثلاث» للشراء القسري
هذا تجاوز قال مو تشينغ
وبعد نحو ساعة، عُثر على فارس البارحة نفسه، فصفعه مو تشينغ كفًا طائرة قذفته 6 إلى 7 أمتار، وتساقطت من فمه أسنان
هذا الذي استعنته به ويعاونني في أموري، وتريد أن تخطف منه العشب الذي أعطيناه له قال مو تشينغ ببرود
لا… سوءُ فهم تمتم الفارس مرتجفًا
وطنينُ حديد، مرَّ رمح تساو لونغ الضخم بمحاذاة أذنه، ثم انعطف فشق شجرةً قريبة نصفين، وقال ببرودة حتى لو غادرنا، فاحذروا الانتقام، وإلّا فلن تحصدوا عاقبة طيبة
فهمت
وبعد قليل حُذّر أيضًا أهل «طائفة العيون الثلاث»
لكن مو تشينغ وويي تشرو أسرّا إلى تشين مينغ ورفاقه أن مركز هذه الطائفة هنا لا بأس به، أما أصل سلاسلها البعيدة فشديد القوة، وفروعها في مدن كثيرة
أما «جينجي لينغ» فليسوا سهلين أيضًا، فهو موطئ أوجده «اللصوص الذهبيون» في هذه الناحية
غمر الامتنان قلب العجوز ليو، فما كان يتوقع أن يقف هؤلاء لأجله
وفي ذلك اليوم وجد تشين مينغ فرصة ليحفر «كتاب السيف» ويستخرجه، فلما صار وانغ نيان تشو مطلوبًا لم يعد عليه القلق، ويمكنه أن يحمل «المجلد السري» إلى البيت ليتدارسه
وبعد انقضاء الليل الخفيف عاد إلى القرية
ليتني أنام الليلة، لا أريد هذا اليقظ الزائد مرة أخرى
بعد العشاء، جلس على وهج «حجارة الشمس»، وبدأ يقلب كتاب السيف الجلدي، فما إن فتحه حتى ارتبك
رفع عينيه إلى خارج البيت، ثم خفضهما إلى المجلد العتيق، ما الذي حدث، كأن العالم اختلف في نظره