الليل الأبدي
الفصل 37

الليل الأبدي - الفصل 37

الفصل 37: الانفجار الهائل

كان تشين مينغ يعرف هذه المنطقة جيدًا، فعثر فورًا في الثلج على كومةٍ من الصخور المبعثرة، والتقط حجرًا طويلًا مستطيل الشكل شديد الشبه بالكريم، فكسره بقوة وألقاه في الموضع نفسه الذي رُمي فيه الحجر قبل قليل، ثم اختفى سريعًا داخل الغابة الكثيفة

قدّر أن الشبان المتجدّدين بدافع الفضول مثله وحدهم سيهرعون ليلقوا نظرة، أما العجائز فلن يتوقفوا أصلًا، لأن قِشَر الحجر المصاحبة للموجودات الغامضة لا نفع لها

والأهم من ذلك أن ما أخرجته المرأة ذات الثوب الأزرق كان متلألئًا إلى حد لا يُخفى، نورٌ لا يُغطّى، أضاء في لحظة ليل السماء بأكملها، فاندفع وراءها كلّ الكائنات العليا ورجال المنظمات الكبرى

الكنوز النادرة تلوح في الأفق، فمن ذا يعبأ بصخور بالية

حتى إن تلك المرأة امتصّت ذلك الموجود الغامض بحسم، إلا أن ما بين حاجبيها ما زال يتوهّج، كأنها فانوس يهدي السائرين

وبعد مدة، جاء فعلًا من يفتّش عن قِشَر الحجر المهجورة

فهنا أطراف الجبل الكبير، لا خبراء في العادة، والعجائز والشبان الأشدّاء يطوفون عند العقد الخاصة لا هنا

وبعد قليل، تشاجر ستة أو سبعة متجدّدين من أجل تلك القطعة الحجرية الطويلة المكسورة

هذه المرة بدا وجه تشين مينغ هادئًا تمامًا، لكن داخله تموّج قليلًا، فـ«الفتات» الذي التقطه جاء من أعمق الموجودات الغامضة في الجبل

عمدٌ من ضياء بعشرة ألوان تخترق السماء، منظر لم يُسمع به قط، حتى الكتب لا تذكره، فضلًا عن أنه اتحد مع سحابةٍ بخمسة ألوان في كيان واحد

وعلى الأرجح أن المنظمات الكبرى والكائنات العليا التي لم تصل باكرًا ستعضّ أصابع الندم

لقد كان ثمة إجماع من قبل: إن نور السماء الذي هبط قبل عامين كان الأشدّ خفوتًا هنا، فظنّوا أن هذه البقاع ليست غنية، وأن مواردها محكوم عليها بالفقر

وإذا بجبل هيباي «ينفجر» الآن

ولا سيما أن الأمر قد يمسّ نوعًا آخر من نور السماء تراكم منذ 200 عام، ولو علمت به قيادات العاصمة الملكية فلن يغمض لها جفن

في ذلك الزمن جاؤوا بحملة عظيمة، وفي النهاية كان الحصاد هزيلًا، فغاظهم ذلك حتى راودتهم فكرة تسوية الجبال بالأرض

ومن الواضح أنه لن تمضي أيام حتى يعود اسم جبل هيباي، الذي لزم الصمت سنين طويلة، يتردد في مدن الضباب الليلي البهيّة

سحق تشين مينغ نصف القطعة الحجرية الخالية من أي تموّج وهو واقف في الغابة، فإذا بها خاوية حقًا

ثم قبض على النصف الآخر مترددًا، فصخب «المادة الأصل» كان مرعبًا إلى الغاية، وحتى إن كانت الفتات أدنى بكثير منها، فلن تكون عادية فيما يُظن

ولا حاجة لظهور أعجوبة، فلو اشتعل هنا خيطٌ من «اللهيب الجاري» لكفى ليفجّر الغابة بأسرها

فقد انقضى الليل الخفيف، وفي ليلٍ كثيف حالك كالحبر، تبرز أيّ علامة شاذة بوضوح فاقع

وبعد حين خرج تشين مينغ من الغابة، وعلى عادته القديمة ترك نصف الحجر في الجبل

لم يتعجل، وهدّأ نفسه، وقرّر أن ينتظر تفاعل هذه العاصفة، فالموجود الأشدّ غموضًا في جبل هيباي سيشغل الألسن لا محالة، ويزلزل الآفاق، وكل ما عداه سيغدو تافهًا

والواقع أن ذلك الموجود الأشدّ غموضًا كان قد أشعل ليل السماء أصلًا، إذ راحت كل جهة تعترض طريق المرأة ذات الثوب الأزرق، وسالت دماء كائناتٍ عليا بالفعل

قالت امرأة تلبس عباءةً من فروٍ أسود: أسرعوا قليلًا، وكانت واقفة على ظهر طائرٍ أسودَ ضخم، وقامتها الممشوقة تتلألأ حاجبةً الريح والثلج

قال الغراب ذو العينين الأرجوانيتين: تانغ جين، ما أسهل الكلام وأنت واقفة، لقد أوشكت أن أنقطع نَفَسًا من الطيران، ذاك رُوخٌ ذهبي، وفي ميدان السرعة ندر أن يضاهيه كائن، وإن كنتُ أقترب منه شيئًا فشيئًا فهذا يُعدّ استثناءً بين الغربان

وهمس: ههِ، ما أعتى تلك المرأة، جعلت كائنًا عاليًا ينزف دمه سريعًا في ليل السماء، وخفّف من سرعته قليلًا

قالت تانغ جين: لا تخف، ما دامت قد تعرقلت، فالْحَقْها حالًا، وظهرت في يدها حبالٌ من عشبٍ أصفر باهت تبدو عادية

صاح الغراب: لا تقلّي إنك نزعتِ تلك الحبال من عارضة سقف معلمتك، أليست تربط بها

ليس تلك الحبال، قالت تانغ جين وهي تحثّه على مزيد من السرعة

خفق الغراب الأرجواني العينين بجناحيه واقترب شيئًا فشيئًا

في المقدمة، كان طائرُ البرق القرمزي الأسرعَ، فلحق بالمرأة، لكنه خُسيد في لحظة

تحت ليل السماء جعلت المرأة على ظهر الروخ الذهبي ثلوجَ الريش المتساقطة حولها تتلوّن بالذهبي بوسيلة غامضة، فتطير في كل ناحية، لكن بسرعة تضاعفت مئات بل آلاف المرات

كانت ثابتةً على ظهر الطائر وكأنها لا تفعل شيئًا، غير أن رقائق الثلج الذهبية الباهرة قد رسمت مسالك لا تُدرك، وقَطَعَت طائرَ البرق القرمزي من كل زاوية، ومزّقت الضوء من حول جسده، وفي ومضةٍ أفرغته دمًا

ثار طائر البرق القرمزي العاتي، فصرخ صرخةً عالية مديدة، وبدت هيئته كأنها تتلهّب، فانفجرت منه أنوار قرمزية غزيرة اتسعت في كل اتجاه، حتى غدا كالشمس الحمراء ممدودةً في الأفق، تنير هذا الليل

ذابت كل رقائق الثلج الذهبية في لحظة، لكن المخيف أنها لم تتبخّر تمامًا، بل ازداد بريقُ الذهب فجأة، وتحول إلى مطرٍ رقيق متصل، واستطالت كل قطرةٍ ذهبيةٍ بلا حد، ثم تداخلت هناك طولًا وعرضًا

وانطلقت صرخة طيرٍ حادّة، فتقطّع الطائر القرمزي الضخم تحت خيوطٍ كثيفة نسجتها قطرات المطر الذهبية إلى عشراتٍ بل مئات القِطع

ومزّقت تلك الخيوط الذهبية لحمَه وريشَه المفعم بالروحانية، فلم تبقِ جزءًا سليمًا، وتهالك إلى الأرض المعتمة

كشّر الغراب الأرجواني العينين وهمّ بالفرار، لكن تانغ جين على ظهره تحرّكت، فأضاء ذاك الحبل العشبيّ العادي ضياءً قويًا، وامتد مصوَّبًا نحو المرأة ذات الثوب الأزرق أمامهما

أهُمِنُ مدينة ليوغوانغ، سألت المرأة على ظهر الروخ الذهبي ما إن أبصرت الحبل حتى عرفت خلفية تانغ جين

أيجدي ذلك، قال الغراب وهو غير واثق

اندفع حالًا واصدمْ رأسها، ومهما كانت الحال علينا أن نقتطع نصف الهبة الكونية، وصبّت تانغ جين كل قوتها في تفعيل الحبل الذي تفجّر ضوءُه الذهبي

تلك الليلة نام تشين مينغ نومًا هانئًا، فالسعادة لمن يقنع، وقد ارتضى بما حصّله من قليل، أما الموجود الأشدّ غموضًا فبعيد عنه جدًا، فلا يطمع فيه ولم يخطر بباله أصلًا

وفي اليوم التالي، حين دخل الجبل مع مو تشينغ وتساو لونغ ووي تشيرُو، سمع تشين مينغ أخبارًا بالغة الإثارة

يا لهول ما كان، لقد بدا ليل السماء البعيد كأنه يحترق، ومات من رجال المنظمات الكبرى وكائناتٍ عليا أكثرُ من واحد أو اثنين، ومع ذلك لم ينجحوا في صدّ المرأة ذات الثوب الأزرق

المشكلة أن الكائنات القادرة على الطيران قليلة، ولو استطاع كبار الخبراء الارتقاء إلى السماء لتبدّل المشهد كله

ويُحكى أن حاكم المدينة لِينغ كاد يصفّق فخذه حتى الكسر ندمًا لأنه لم يشترِ مطيّة طائرة فائقة السرعة من قبل، فاستشاط غيظًا وعاد عدْوًا إلى مدينة تشي شيا

وكثرت الأحاديث وتدفقت الأخبار، فدبّ القلق في نفوس كل من دخل الجبل، خشيةَ أن تصبّ الكائنات العليا غضبها عليهم

إذ إن بعضهم رأى ابنَ العرس الأبيض العجوز، الذي اعتاد السكون والطمأنينة كراهبٍ كبير، يرفع حمارتَه ويمضي عابرًا الجبل عدوًا طويلًا، حتى حطّم غاباتٍ واسعة

قال تساو لونغ وهو جالس في سكينة على ظهر ثورٍ عظيم: مفهوم، لو سُرق صيدُ أحدٍ هكذا لفار دمُه غيظًا

قال كائنٌ عند قمم الأغصان: صدقت، وأنا الآن لا أجرؤ على التوغّل إلى أعماق الجبل

ذُهل تساو لونغ، من ذا الذي يتكلم في الهواء، فرفع رأسه فجأة، فرأى طائر اليوتشيو، فاضطرب، وقذف رمحه العظيم نحو الشجرة مباشرة

فإذا بالقمم تهوي هديرًا بعدما انكسرت السوق الأصلية

ورسم اليوتشيو في ليل السماء خطًا بديعًا، وطفق يطير بخفة مبتعدًا

قال العجوز ليو ناصحًا: لا داعي لتغضب منه، اطمئن، حين يحين أوّل الربيع ويبدأ موسم التكاثر، سأُشفِي صدرك، وإن عجزنا عنه أفعجزنا عن صغاره

صفّق تساو لونغ وقال: حسنًا، سأربي بضع يوتشيو، وليتني أصطاد ذلك الذي رأيناه الآن

ودخل تساو لونغ والعجوز ليو في حديثٍ شيّق طال بينهما

وبعد قليل قال العجوز ليو عفو الخاطر: العقد الخاصة في الجبل محدودة وقليلة وعصيّة على الاهتداء، لكن ثَمّ فرصٌ أخرى في الجبل، غير أنها خطرة جدًا، ففي بعض المواضع تقيم كائناتٌ تحوّرت ثلاث مرات، أتجرؤون على الاقتراب

قال تساو لونغ: أتبقّى مواضع كهذه، لقد تحرّك بعض العجائز مسبقًا، وكانوا أمس يمشّطون الجبل، فأخشى أن أطراف الجبل خلت من المواد الروحانية

أما أعماق الجبل فلن يطأها، حتى لو تحالف مع مو تشينغ ووي تشيرُو، فذلك مكان لا يطيقون المغامرة فيه

سيدّت العجوز ليو على صدره وقال: بلى، فأنا أعرف الجبل معرفةً دقيقة، وفي مواضع لا يهتدي إليها الناس أكون على بصيرة واضحة

فلمع بصرُ تساو لونغ وقال: اتفقنا، إن ظفرنا بحصيلة طيبة فلك نصيبك

وهزّت مو تشينغ ووي تشيرُو رأسيهما موافقتين، فبدل التيه وراء عقدٍ غير مؤكدة، فلتكن الوجهةُ مباشرةً إلى المواضع العامرة بالمواد الروحانية

وفهم تشين مينغ من فوره إلى أين ينوي العجوز ليو أن يأخذهم، فقد حدّثه بذلك ليلة الشراب

كهفُ خفافيش النار، في جُبٍّ يقود إلى باطن الجبل، طريقه عميقٌ يلزم أن تمشي فيه مسافة بعيدة، وفيه نبعٌ ناري، وتستوطنه جماعاتٌ كثيرة من خفافيش النار، وأقواها قد تحوّر ثلاث مرات

ولا مواد روحانية داخل خفافيش النار نفسها، لكن روثها الساقط في الجوار يعين عشبًا صغيرًا أحمر قانيًا على النمو، وهو نافعٌ في الولادة الجديدة الثانية

وكان تشين مينغ يفكّر أصلًا أنه في الوقت المناسب سيعطي العجوز ليو ولو تشه جزءًا من حيّة النار التي لم تعد تنفعه، لكنه لم يتوقّع أن للعجوز وسائله لجلب الروحانيات بنفسه

ومع أن الرحلة إلى كهف خفافيش النار شهدت بعض التقلّبات وأُصيب بعض الفتيان من الفرق الثلاث، فإن وجود تساو لونغ ووي تشيرُو ومو تشينغ كافٍ لحسم الأمر، فاقتلعوا كل الأعشاب الحمراء هناك، عدا قليلٍ من البذور تركوه

وتهلّل وجه العجوز ليو وهو يحتضن نبتةً حمراء متقدة، لا يزيد ارتفاعها على نحو 10 سنتيمترات، لكنها مشحونةٌ بالحياة والروحانية

وقبيل مجيء الليل الخفيف، اصطاد تشين مينغ ثورًا بريًا، واغتنم فرصةً فحشر نصف القطعة الحجرية في جوفه من فمه، ثم لحق بتساو لونغ ومو تشينغ

لم يَصِدْ منذ زمن، فحَملُ طريدةٍ الآن أمرٌ معقول، والأهم أن علاقته بهذه الجماعة صارت حميمة جدًا

حتى لو وُجد من يراقب عند خارج الجبل من يخرجون، فلن يفتّش أحدٌ تشين مينغ والعجوز ليو ما داما مع مو تشينغ وتساو لونغ وغيرهما، فعاد الجميع بما ظفروا به سالمين

وفي الليل، لم يتفرّغ تشين مينغ للعشاء، بل ما إن عاد إلى بيته حتى شرع يدرس نصف القطعة الحجرية

ما الأمر، وخيّم ثقلٌ على قلبه، إذ إنه منذ أخرج الحجر من الجبل اليوم وهو يشعر بأن ثمة خللًا، فلم يلمح ذلك التموّج الخافت المعهود

والآن، مع تركيزه وهدوئه وقبضه عليها بكلتا يديه، لم يشعر بشيءٍ مميز أيضًا

فمنذ تآكله في شقّ الأرض وتكيّفه بعد ذلك، صار لدى تشين مينغ حسٌّ فريد بالموجودات الغامضة التي غذّاها نور السماء

لكن الآن لا يشعر بأن فيها شيئًا

وأخذ نفسًا عميقًا، وبدأ يقشر قشرة الحجر بحذر، فإن عاد إليه الإحساس بالتموّج توقّف وربما أرجأ قطعها أيامًا

غير أنه سحق معظم الحجر، ولم يظهر شيء، لا حركة على الإطلاق

وبينما كان قلبه يهبط شيئًا فشيئًا، إذا به يمسك بموجودٍ غامض فعلًا، ولكن دون أي علامة شاذة، ولا حتى خيطٌ يسيرٌ من نور السماء الذي كان ينبغي أن يبقى

ما هذا، حتى تشين مينغ الرزين عادةً كاد يقفز من الصدمة