الفصل 35
الليل الأبدي - الفصل 35
الفصل 35: الحصول على مورد غامض
في زمن اختفاء الشمس، حتى في أوائل الليل، كانت المناظر البعيدة تبدو ضبابية، وإذا ابتعدت قليلًا لم يبقَ من الجبال الشامخة في ظلمة الليل سوى ظلال سوداء
أما الآن فالأمر مختلف تمامًا، فقد ظهرت في أعماق الجبال 10 أعمدة ضياء ترتفع إلى السماء وتغمر الجهات كلها، وهي أبهى بكثير من سحب الضباب الخماسية الألوان، حتى ليخيل للناظر أنه عاد إلى زمن النهار
لا تقل المناظر وضوحًا عن الجبال الشامخة، بل إن كل عشبة وشجرة على حافة الجرف تُرى جلية، وحتى طائر الغرائب الذي يمر على علوّ منخفض يمكن تمييز ألوان ريشه ونقوشه بوضوح نابض بالحياة
شعر الجميع كأن غبار القلب قد انقشع، وستارًا انزاح عن أبصارهم، فامتلأت العيون ضياءً، وصارت الجبال والأنهار وكل الموجودات شاخصة في المقل، حاضرة في القلوب، حتى في زمهرير الشتاء حين تغلق الثلوج طرق الجبال أحسّ الناس كأن الحياة تدبّ من جديد، وكل شيء حيّ قريب لطيف
جلس ليو العجوز على ظهر الكلب الأصفر الكبير وقد غلبته الانفعالات وقال: عشت أكثر من 70 عامًا، وهذه أول مرة أرى فيها عالمًا بهذا السطوع، وأفقًا بهذه الفخامة، أهذه هي الجبال والأنهار الزاهية كما ينبغي أن تكون حقًا؟ للأسف، حتى ونحن ناشئون نرى البعيد، غير أني كنت أشعر في الأيام العادية كأن غلالة رقيقة تغشى البصر
قال تساو لونغ: المدن المتوسطة الحجم فما فوق في الحقيقة…
لم يُتم كلامه، فليس من المناسب أن يُحدّث شيخًا في أطراف نائية عن ذلك، إذ لا سبيل له إلى مغادرة هذا المكان، وذكر المزيد لا يزيده إلا حسرات
فغيّر قوله: وأنا أيضًا لم أطُف أماكن كثيرة، فالعالم الحالك الفسيح بلا تخوم، وما يُسمّى بالمدن الزاهية لا تعدو كونها مواطن يراها المرء كالفوانيس الصغيرة
أما في أعماق الجبال فقد جُنّ كبار المنظمات وكائناتها العالية الرتبة، فانطلق الجميع صوب مواضع الأعمدة العشرة التي تشق السماء
وأما في الأطراف، فكان مو تشينغ وويي تشي رو وتساو لونغ وما إليهم هادئي الطبع، يكتفون بالتفرّج عن بعد، بل ويتبادلون الأحاديث
فهموا جيدًا أن تلك الأشياء لا نصيب لهم فيها، وأن الاندفاع إليها قد يُهلك حتى ذوي الطبقات العليا، وأن تلك العُقدة الخاصة سيُروى ترابها بدماء الأقوياء
ليس كل أحد يحسن تحديد مكانته بعقل، وكثيرون في الجبال أعماهم الطمع، غير أنهم أيضًا لم يُخاطروا بثقة عمياء إلى موضع تزاحم الكائنات العالية الرتبة
لقد شقّ وهج الألوان العشر ستار الليل، وهذه ظاهرة تتجاوز حدود المعرفة، ولم تُرَ في الجبال المشهورة التي سبق أن هبط عليها ضياء السماء
وربما ظهرت، غير أن من قصدوا سترها قد فعلوا، لذا لم تُسجّلها أي دفاتر
وهكذا تحوّلت الفرق التي لم يزل الطمع يلمع في عيونها لكنها تماسكت، فانقلبت تهاجم موضع سحب الضباب الخماسية الألوان، تدرّجًا إلى المرتبة الثانية من المطالب
والحق أن هذا أيضًا يعدّ ظاهرة نادرة جدًا، ولا بد أن تقابل موردًا نفيسًا فذًا
لكن المقبلين بهذا القصد كانوا أكثر من أن يُحصَوا، فما إن التقت الفرق حتى صُبغت هذه الغابة بالدم، واشتدّ التنافس على نحو مخيف
قال أحدهم: يا للعجب، المنطق غائب هنا تمامًا، والقتلى أكثر من موضع الأعمدة العشرة التي تشق السماء
وهتف آخر: في هذا المكان أيضًا كائنات عليا، لم تتجه إلى موضع الألوان العشر، اهربوا سريعًا
وبعد أن خاض الجميع حمّام دم، وقُتل في لحظاتٍ عددٌ كبير، أدبرت الفرق الباقية مسرعة، وقد أحسنوا الاختيار هذه المرة
ورأى الناس كائنًا عالي الرتبة يلفّه ضباب كثيف ضخمًا إلى حدٍّ مروّع، يطأ الجرف بقدمٍ واحدة وقد قارب تلك العُقدة الخاصة
وفي لمح البصر هوى من السماء كائنٌ على هيئة بشرية يخفق جناحاه العريضان متوشحًا وهجًا قرمزيًا، فسدّ على الكائن العالي الرتبة طريقه
…
وسأل تشين مينغ: أزلزالٌ وقع؟ إذ اهتزّ الشقّ الأرضي بعنف، فاندفع إلى الخارج في اللحظة الأولى، فقد كان يخشى حقًا أن يتهدّم عليه جوف الأرض
ثم رأى بدوره عجيبتين عظيمتي الشأن كأن النهار عاد إلى الدنيا، مطرٌ من الضوء يهطل، فتصير الجبال والأنهار وكل شيء واضح المعالم
وكان يعرف قدر نفسه، فالموردان الغامضان اللذان تفرزهما العُقدتان هناك لا نصيب له فيهما، ولو قارب أيّهما خطوةً لدفن حيًّا
فوقف خارج مخرج الشقّ الأرضي يرقب من بعيد وفي قلبه غصّة، فالأبطال الذين يجوبون أعماق الجبال، من يظفر منهم في النهاية سينال خيرًا عظيمًا
وقد سمع من مكانه الهادئ أصواتًا تنادي في أعماق الجبال أن عقدة الألوان العشر غير مسبوقة، ولعلّها تُخرج موردًا لا تُقاس درجته
وقال رجل مسنّ في الغابة بحماس وقد بدا واسع الاطلاع، وممن بحثوا هذه الناحية وراجعوا وثائق وفيرة: الآن فهمت سبب مخالفة هذا المكان للمألوف، فليس هبوط نور السماء هنا أمرًا يخص ما قبل عامين فقط، بل هبط أيضًا قبل 200 عام، ولم يكن في ذلك الزمن موردٌ يُذكر، فاختزن ضياء السماء الأول على مدى قرنين، ثم امتزج بما هبط قبل عامين، فكان هذا المشهد المدهش الذي نراه الآن
وقال آخر: سمعت بدوري أن شعاعًا من ضياء السماء أغلظ من المعتاد هبط في هذا الموضع قبل 200 عام، حتى إن أهل العاصمة الملكية اضطربوا فأرسلوا أقوياءهم، لكن المكان كان مُجدبًا على نحو لا يُصدَّق، وكاد كلُّ قادمٍ من الأبطال يهمّ بتسوية هذه الجبال بالأرض
وباستثناء الكائنات العليا، لم يبقَ لسائر الناس إلا المشاهدة والحديث، ولم يجرؤ أحد بعد ذلك على المغامرة بالاقتراب من موضعي العطاء
ولم تمضِ برهة حتى تعالت صيحات الدهشة، حتى إن الكائنات العليا والمقاتلين من البشر في قلب ساحة القتال وقد احمرّت عيونهم ذُهلوا
إذ إن وهج الموضعين الخاصين الذي يشق السماء تحوّل ثانيةً
فقال ابن عرس أصفر عجوز وهو من أهدأ الخلق عادة وأكثرهم سكينةً وقد غلبه الإعياء: ألعلّ في باطن الأرض وحشًا ما
لضمان دعم المترجمين، اقرأ دومًا رواياتك من موقع مركز الروايات، مكتبة بلا إعلانات وأكبر منصة عربية للروايات.
وفي هذه المرة بدا كأن سحب الضباب الخماسية الألوان والأعمدة العشرة الصاعدة إلى السماء تدور في دائرة ضمن نطاق محدد بسرعة كبيرة
وقال أحدهم: تسري الروحانية على امتداد المسارات التي صنعها نور السماء وهي تتحوّل في سرعة، وكلٌّ منهما يشدّ الآخر، والدائرة التي ينسجانها تضيق باطراد، وهما يقتربان شيئًا فشيئًا
ولم يقتصر ذلك على الداخلين إلى الساحة، بل إن من يترأّس المشهد من بعيد رأى الأمر أصرح
وتساءل الجميع: أيتّحد الموردان الغامضان في موضع واحد؟ فهذا خارج نطاق معرفتهم تمامًا
وقد أنهك الدورانُ لينغ شيو ووي مو وغيرهما من الكائنات العليا حتى كادوا يفقدون صبرهم، يطاردون الظاهرتين فلا ينالون منهما طائلًا
بل حتى إذا اندفعوا إلى أقصى القرب ودخلوا العُقدة الخاصة اختفتا، تواصلان التحوّل، فآثر بعض الكائنات العليا المرابطة ترقبًا
كان المشهد مدهشًا في عين تشين مينغ، فقد كانت عُقدته التي يقف عندها خارج ذلك النطاق، هادئةً إلى حدٍّ كبير، ولم يأتِ أحد بعد
ثم تمتم: همم؟ لقد اضطرب الشقّ الأرضي تحت قدمي أيضًا، وأخذ ينفث خيوطًا فضية تتلألأ بلمعان ذهبيٍّ خفيف، وتمتزج حينًا بضبابٍ أرجواني وأشعةٍ قرمزية وما إليها
فاستيقظت حواسّه بحماسة، وقال في نفسه: أترى موردًا نفيسًا يوشك أن يكتمل هنا؟ لقد دخلت آنفًا ولم أرَ شيئًا
فلعلّ التحوّل العنيف في أعماق الجبال قد جرّ هذا المكان إلى «الخير» هو الآخر
واندفع مسرعًا إلى الداخل، فالموضع المتلألئ بالألوان المتعددة هناك لا علاقة له به، لكن لو ظفر بموردٍ أقلّ شأنًا أو أدنى بكثير، فسيكون راضيًا غاية الرضا
كانت حُزم الضوء الفضية تحت الأرض متشابكة، أغلظ من ذي قبل بكثير، ومع توغّله بدأ يستشعر تموّجًا غريبًا
وكان الإحساس قريبًا من شعوره حين يتمرّن هنا على طريقة الولادة الجديدة المسجّلة في الكتاب الحريري، كأنما يُغمَر في ينبوع دافئ، ويتلقى غسلًا فضيًا
والآن، من غير أن يفعل شيئًا، شعر بدفء ينساب نحوه، فمضى يتعقّب تلك التموجات الخاصة حتى بلغ منتهاها
وكان الطريق قد انسدّ بركام من الصخور، فلا سبيل إلى المضي قدمًا
فلم ينبس بحرف، وشرع يجلّي الحجارة وينقلها كلها، حتى بدا له شقٌّ أرضي جديد يفضي إلى طبقة أعمق في جوف الأرض
وفي الطريق شقّ الطريق غير مرّة بمطرقة الأوجين طويلة المقبض التي في يده، فوسّع الشقّ الأرضي طرقًا أعرض، حتى بلغ منبع ذلك التموّج الغريب
هنالك لفّ ضبابٌ ضوئيٌّ ملوّن حجرًا أسود بحجم نصف رأس إنسان، وقد تدفق من أعماق الشقّ
وقال: ما هذا؟ وترسّخ في ذهنه أن هذه لا بد أن تكون واحدًا من الموارد الخاصة التي تتنافس عليها الفرق كلها، لكنه لا يدري ما نفع الحجر الأسود
ورغم سريان الضباب الضوئيّ ذي الألوان حول العُقدة الخاصة، وما جرّه عليه من ضيقٍ في الصدر وخفقان، فقد استطاع جسده الاحتمال
وألفى الضباب يتناقص وهو ينساب نحو الحجر الأسود ثم ينحسر، فهل يعني هذا أنه أوشك أن «ينضج» تمامًا
لم يتصرّف بطيش، بل انتظر في سكون، وكان بدنه قادرًا على الصبر، ومع تلاشي الضباب زال عنه كلُّ شعورٍ بالنفور
وبعد برهة هدأ كل شيء، وتلاشت الظواهر، وغدا الحجر الذي بحجم نصف رأس إنسان عاديّ الشكل لا يلتفت إليه أحد لو رُمي على الطريق
غير أنه إذا أنصت بقلبه استطاع أن يلتقط تموّجًا خافتًا جدًا، وهي حاسّة خاصة اكتسبها بعد غمره بالضياء الفضيّ الذي كان يطفح من الشقّ الأرضي
وقال: أستطيع أن أستشعر استشعارًا ضعيفًا المواردَ التي غذّاها نور السماء
حمل الحجر في يده، وقد ثقل في قبضته، وكاد يهمّ بتقشير قشرته ليرى ما في داخله
لكنه كبح رغبته، وعزم على الخروج فورًا، فلو حوصر في الشقّ الأرضي لتفاقم الخطر
ولما خرج خفيةً إلى وجه الأرض كان القرب هادئًا، أما أعماق الجبال فتعجّ بالناس، وعلى كثيرٍ من القمم ظلال تترصّد وهي تتأمل ذلك المشهد الآخذ في مزيد من الروعة والجلال
لقد تشابكت سُحُب الضباب الخماسية الألوان مع الأعمدة العشرة، ومضى تشين مينغ صامتًا بين الأشجار الكثيفة، ثم اندسّ في وكرٍ ثلجيّ
وبعدها أخذ يمعن في الحجر، وشغّل طريقة الولادة الجديدة المسجّلة في الكتاب الحريري، فتموّج على لحمه ودمه بريقٌ ذهبيٌّ شُذَريّ، وشرع يقشّر الحجر بيديه العاريتين
كانت قشرة الحجر صلبةً، لكنها تفتّتت في قبضته بصمت، وتهاوت بكفاءة عالية
وواصل تشين مينغ العمل حتى أحسّ أن الحجر قد صغر حجمه مرتين، وآنذاك بدا له في إحساسه الخاص أن تموّجه قد ازداد قليلًا
فتوقّف عن الفعل وقال في نفسه: إن أنا قشّرتُه تمامًا، أيتولّد مشهدٌ غير مأمون العاقبة
فمهما يكن، فمع أن هذا الشيء لا يرقى إلى الموردين اللذين تتابعهما الأنظار، إلا أنه ليس عاديًا بلا ريب
وهذه اللحظة كانت كأن مئة مخلب تنهش قلبه، يتوق إلى شقّ الحجر تمامًا، لكنه يخشى أن يثير كارثة من حيث لا يدري