الفصل 34
الليل الأبدي - الفصل 34
الفصل 34: حقيقة وزيف
بعد دخول تشين مينغ الشق الأرضي زال عنه كل إرهاق، لم تكن أوهامه خارجًا بلا أساس، فالمكان الذي كان يهدده بالموت سابقًا صار الآن مختلفًا تمامًا
رفع رأسه ينظر إلى الأعلى، فالمخرج على مسافة تقارب 4 أمتار، وبالقرب من جانبه كانت أنوار فضية كخيوط العنكبوت تتشابك تحت الأرض وتمتد، وكان يشعر بدفء خفيف حين تلامس جسده
أمسك تشين مينغ بسيف قصير في يد، وبالمطرقة السوداء ذات المقبض الطويل في اليد الأخرى، وتقدّم إلى الأمام، فهو حين سقط هنا مصادفة في المرة الماضية لم يتوغّل، أما الآن فيريد الاستكشاف
كان سطح الأرض غير مستوٍ، تتناثر عليه حجارة متفاوتة الحجم، ورطوبة كثيفة، وعلى الجدران الصخرية على جانبيه قطرات ماء تتدلّى وتتهامس بالسقوط
ضاق الطريق وتعرّج، حتى كاد كتفاه يمسان الجدارين، ثم بلغ شقًا لا يسع إلا مرور شخص واحد
ومع أنه تحت الأرض، إلا أنّ الظلمة لم تكن حالكة، فخيوط الفضة كانت تتقاطع عشوائيًا وتمنح المكان شيئًا من الضوء، ولم تؤذه حين لمسها
خدش الجدار الصخري قليلًا وهو يمر، وحمل معه بعض الرطوبة، ثم دخل فسحة أوسع، وقلّت الحصى على الأرض وصارت أكثر استواءً
في هذه الرقعة ازدادت الخيوط الفضية سُمكًا، وملأت الفضاء كأن عناكب ضخمة نسجت هنا شباكًا متداخلة تذوب بعضها في بعض
وليس هذا فحسب، فبعض الخيوط التي تخترق الجدار حمل بريقًا ذهبيًا خفيفًا، وكان بخار أبيض يتصاعد في المكان
وقف تشين مينغ هنا وقد غدا إحساسه أوضح، جسده خفيف، وتوتّر عضلاته يرتخي من تلقاء نفسه، ودِفءٌ يكسوه كأنه يغتسل في عين ماء ساخنة
عقد حاجبيه يفكّر، هل هذا من تغيّر عقدةٍ خاصة في الجبل تقلبّت أحوالها، أم أنه بعدما قاسى ما قاساه المرة السابقة صار جسده معتادًا على هذا الموضع
لم ينسَ تلك التجربة المروّعة، حين كان قلبه يخفق بعنف كأنه طبول صاخبة، وكاد صدره ينشق، وكان تدفّق الدم في عروقه مرعبًا في سرعته، وسمع في غمرة ذلك خرير شلّال
تأمّل ما طرأ عليه بعد خروجه من هنا، وأكثر ما بدَا شذوذًا هو مجموعته التدريبية التي أسماها على عجل «أسلوب الطريق الوحشي»، إذ ظلّت لسنوات بلا أثر واضح، ثم بعد أن نجا من الموت وصار يتدرّب مجددًا ظهرت استجابة خاصة
وقد تبيّن له الآن أن «أسلوب الطريق الوحشي» ليس وحشيًا كما ظن، بل هو طريقة مذكورة في لفائف حريرية، وهو يواظب عليها بإصرار منذ صغره
قال في نفسه: قال لي بعضهم إن اللفيفة لا تُتَقَن، وإن معظمها قد مُزّق وأُحرق
وإن كانت الصفحات الباقية، نحو عشر إلى عشرين صفحة، صالحة للتدرّب، فهي تحتاج إلى مَن تمرّس بها ليفتح الباب للمبتدئ، وأولئك لا شك أنهم ماتوا منذ زمن
فمن غير أن أعثر على هؤلاء، ومن غير عونٍ من أحد، كيف انتهى بي الأمر وقد أتقنتها، أللأمر صلة بهذا المكان
أيمكن أن يكون تعلّم ما في اللفيفة يحتاج بدايةً إلى حمايةٍ من سابقةٍ لنا، وأن ندخل هذه العقدة الخاصة بالغة الخطورة
ثم تقدّم يتأمل هذا الموضع الفريد، وبدأ بحذر يختبر الخيوط السميكة ذات البريق الذهبي الخافت
وما لبث أن توغّل حتى رأى خيوطًا مضيئة تنفث هالة بنفسجية وتخترق الجدار الصخري، مشهدها مهيب، ولا تؤذي الجسد
…
في الغابة الكثيفة على سفوح الجبل، كانت غرابٌ أرجوانية العينين تطير، فإذا بضباب أسود كثيف يهبّ أمامها ويسدّ الطريق
من هناك قال بصوت حذر: من هناك، وانبعثت رموز غامضة في عينيه الأرجوانيتين، فأخذت تتبيّن ما في الضباب
بومة ضخمة، بارتفاع يزيد على قامة رجل، تقف على شجرة، وجناحاها يتحركان بمرونة كأنهما كفّان بشريّتان، تقلّب بهما كتابًا من جلدٍ حيواني
قالت البومة: مضى وقت طويل، ما رأيك أن نشرب كأسين، ولم يتبدّد الضباب، ثم ضمّت الكتاب تحت أحد جناحيها
قال الغراب: أنا أمشّط الجبل الآن، لا وقت لديّ
قالت البومة وهي تعترض طريقه: ما هويتك الآن أصلًا، وهذا ليس نطاقك، أحسنت يا لك من طموح، تصير بوّابًا لعجوز خَرِف
تقدّم الضباب الأسود أكثر حتى لفّ الغابة، وكأن البومة تريد أن تعظه هنا وقد امتلأت تبرّمًا بسلوكه
قال الغراب الأرجواني العينين: يا قطّي العجوز، لديّ ما يشغلني، وقد راق لي مؤخرًا فتى مناسب أريد أن أطمئن عليه، لا تحبسني هنا
ولو علم تشي هواي أن لأخذه العرق، فهو ويوي ليانغيون لم ينالا الاعتراف بعد، وما زالا تحت الاختبار والمراقبة
قالت البومة: ألستَ عائدًا إلى عالم الضباب الأسود في البراري، أنت من بيتٍ عريق، من كبريات الأسر في طير السماء، تحمل في دمك سلالة كائنٍ راقٍ، وأصلك راسخ، فكيف ترضى بالدرك الأدنى، أتنوي أن تعيد استحضار هيئتك الحقّة لتصير مخلوقًا ذا قدمين وتستقر في المدن
هزّ الغراب رأسه قائلًا: ليس الأمر مستحيلًا، عندي موهبة تمكّنني من تغيير هيئتي، أليس بعضهم يدور قرب المهاوي في أعماق الجبال والبحيرات العظمى فيصيرون من الغرائب، فلماذا لا نعكس الطريق ونبحث عن الدرب الذي يلائمنا
زجرته البومة: ما هذا الخلط، لا أنت إنسان ولا أنت وحش، وأنت غراب من بيتٍ شريف، ثم تريد أن تصير إنسانًا، لأقولنّ لك أيها الغراب، سأنتف ريشك كله، وأحوّلك بيدي إلى مخلوق أصلع ذي قدمين
وتشاجرا
قال الغراب: دعني وشأني، ولا تسدّ الطريق، فلعلك تفسد عليّ مهمتي، وإن هم استبقوا اختبار ذلك الفتى فوقع له حادث فسد الأمر، وإن كان الفتى قابلًا للتشكيل فسأحتاجه مستقبلًا ليجلب لي شيئًا من وسط عالم البشر، وهو مما يتعلّق بطريقي أنا، وأنت تعرف كنهه، فأفسح لي الطريق
وكان يوي ليانغيون قد قال له إن الاختبار قد يقع بعد يومين، لكنه قد يتقدّم إن واتت الفرصة
هبط عصفورٌ ناطقٌ متحوّر يخفق بجناحيه ويصيح: يا أستاذ غراب، أرجعت من أعماق الجبل، حدث أمر جلل، كارثة، أولئك الناس هلكوا عن آخرهم
شقّ الغراب الضباب الأسود وخرج، وقال: ماذا جرى
قال العصفور: أنجزتُ ما عهدته إليّ بإتقان، لكن في الأثناء قاد دبّ طوله نحو 3 أمتار جماعة كبيرة من ذوات القدمين إلى مطاردتي، ففزعت وابتعدت قليلًا، وما لبثت أن صار جماعتك هناك جثثًا هامدة، ولما عدت لاحقًا شممت رائحة دمٍ لهم، لكنّي لا أدري كيف ماتوا
مضى الغراب الأرجواني العينين معه إلى موضع الحادث، وأخذ يتتبّع الأثر بحساسيةٍ شديدة لنفَس الحياة والموت، وأغلق عينيه هنيهة ثم فتحهما وقال محدّثًا نفسه: تشي هواي أن مات، وليس هنا نفَس موتٍ لذلك الفتى، طريف، هل قتل تشي هواي أن بيد غريب، أم أنه قاتل الفتى فكانت منيته
لوّح بجناحه وأمر العصفور أن ينصرف
قال: إن كان الفتى قد بلغ هذه الدرجة بقوّته هو، ولن يذهب إلى مدينة ليو غوانغ، فحسن، لا ضرورة لأتداخل الآن، ثم طار
وكان يوي ليانغيون يرفع تقريرًا لامرأةٍ في الجليد قائلًا: قدّر تشي هواي أن قوّة تشين مينغ، وقال إن بينه وبين المطلوب شعرة، والفوضى في الجبل عارمة، وقبيل رحيلي اشتعل قتال عنيف في تلك الغابة
عاد الغراب الأرجواني العينين وهبط على شجرة قصيرة وقال: أسرع تشي هواي أن لينقذ القوم فهلك، مؤسف قليلًا
قالت المرأة في عباءةٍ سوداء من الفراء ليوي ليانغيون: تبقَى هنا
قال مذعورًا ثم أسرع بالسجود، والانفعال يكسو وجهه
في أعماق الجبل خمدت قليلًا ألسنة الضياء الدخاني خماسية الألوان
نهض لينغ شيو ووي مو معًا، وألقيا الأقداح والجرار من أيديهما
هزّ لينغ شيو سيفه الطويل على طرف قدمه، فتمزّق جزء من حذائه الجلدي، وانكشفت أنامل قدمه، ثم سيدّت بكفّه على صدره ربتةً خفيفة، فتمزّقت ثيابه البيضاء، وجسده الممشوق لا يبدو شديد الضخامة، لكن خطوط عضلاته بدَت سلسة، وفي وهج الدخان الملوّن كأنها محوّطة بخطوط ذهبية
بعثر هيئته كلها حتى بدا شعثًا، ومسح بأصابعه على جلده فظهرت آثار دمٍ عليه، وكانت حرفته في التمثيل عالية
قال وي مو: سيّد مدينةٍ يُعرف بأنه الأشد اعتناءً بالمظهر، ها هو لينغ شيو يجعل نفسه بهذه الحال، لو رأى الناس هذا فسيكون حديثهم لفترة
ومع قوله هذا كان يتحرّك بدوره، فنزع بعض الصفائح القانية من درعه وخبّأها في صدره، وجعل مظهره بائسًا للغاية
وفي جبلٍ آخر قَيّد القطّ المبرقش قطةً جبلية سوداء ضخمة، وباشمئزاز لطّخ نفسه بقليلٍ من دمها، ثم رشّ على نفسه شيئًا من مادةٍ روحية مضيئة
وبالقرب منه كان وحش السرعوف يفعل مثل ذلك
ولا شك أنّ علية القوم في مدينة تشي شيا، وكبار الغرائب في الجبل، لا يرضون أن يزاحمهم أقوياء آخرون على منتجاتٍ نادرة في عقدةٍ خاصة، فجدّد الطرفان التحالف
ولو نصبوا فخًا فجًّا وقتلوا أولئك الأقوياء لثار عليهم الجميع، ولجاءتهم التنظيمات الكبرى تنتقم
وقبل ذلك، لمّا طردوا معًا دفعةً من كائناتٍ راقية نازحةٍ أرادت الاستيلاء على المكان، ذبحوا غرابةً قوية جدًا، واستخلصوا كثافتها الروحية، وبها فجّروا عقدةً خاصة على عمد، ونصبوا موضع الدخان الملوّن خماسي الألوان ليستجرّوا إليه الأطراف كلها
ثم إن لينغ شيو والقط المبرقش وغيرهما من الكائنات الراقية في الجبل رَاحوا يتقاتلون على الظاهر، قتالًا تمثيليًا يشغل بعضهم بعضًا، ويقفون خارج ساحة الوغى
وطبعًا لا يستطيعون كلّهم أن يتمازحوا بالضرب، فابن العرس العجوز أُمسك به خصمٌ حقيقي، وأمّا سيد الجبل الغامض فقد اندفع إلى قلب المعمعة
والمحصلة مقبولة، فقد قُتل بعض الأقوياء قرب موضع الدخان الخماسي الألوان، وأُصيب بعض الغرباء من الكائنات الراقية وبعض رجال التنظيمات الكبرى بإصابات غير هيّنة
…
في عمق الشق الأرضي شرع تشين مينغ يطبّق طريقة اللفيفة، وزاد إحساسه بانفساح جسده وراحته، وكأن سريانًا من حرارةٍ غامضة يغسل كيانه من الرأس إلى القدم
كانت هنا خيوط مضيئة متشابكة، وهي خطيرة على من نالوا الولادة الجديدة الثانية مثل وانغ نيان تشو، ويحتاجون إلى تغذيتهم بدم كائنٍ روحي كأفعى الدم
أمّا تشين مينغ فقد طال مقامه هنا وهو سالم، بل إنه أحسّ بأن قابليته الجسدية ترتقي شيئًا يسيرًا
أفيمكن أن تكون طريقة اللفيفة أصلح للتدرّب في أمثال هذا الموضع
لكن لا أحد يجيبه الآن، فقد مضى القوم ما بين ميتٍ ومقعَد ومفقود، واللفيفة نفسها قد اصفرت أوراقها، ولا يُدرى من كم قرنٍ ورثوها
اهتزّ باطن الأرض فجأة اهتزازًا عنيفًا، وكاد تشين مينغ يقع
وفي الخارج، عند مركز الحادثة حيث أخذ الدخان الخماسي الألوان يخفت، كانت الكائنات الراقية ورجال التنظيمات الغامضة في حالة مواجهةٍ واهية، والجميع في حال سيئة، ولم يفلح أحد في دخول تلك العقدة
وفي تلك اللحظة انطفأت الأنوار كلها داخل العقدة فجأة، لكن في البعيد انفجر دخان خماسي الألوان جديدٌ أشد إدهاشًا مما سلف
كيف ظهرت رقعة أخرى
ليس الأمر كذلك، بل إن المنتجات النادرة وُلدت ثم انتقلت على امتداد شريانٍ روحي إلى موضعٍ آخر
وذُهل لينغ شيو وابن العرس العجوز ومن معهم بعدما كانوا قد دبّروا «فصولًا لاحقة»، فما عادوا بحاجة إلى التعمية، فقد خرج موضع الدخان الحقيقي إلى العلن
هَدَرَت الجبال كلها فجأة بهزّةٍ عنيفة أعظم من قبل، ورافقها نور باهر، وانشقّ ليل السماء وتوهّج كلّه، وظهر مشهدٌ أغرب وأعتى
ما الذي أراه، عشرة ألوان، تلك الأشعة أعمدة تضاهي الجبال، تسند قُبّة الليل، لم يُسمع بمثلها قط، فأيّ منتجٍ نادرٍ سيظهر
حتى الكائنات الراقية بهتت، فهذا فوق ما تصوّروه
وللحظةٍ واحدة اختفى جميع الأقوياء من أماكنهم مهما بلغت جراحهم، ولم يرمقوا موضع الدخان الخماسي الألوان الذي خرج حقًا، بل اندفعوا مباشرة إلى الموضع الجديد الأبهى مشهدًا، حيث مطرٌ لا ينقطع من الضوء يتبخّر وينهمر، يشدّ إليه الأبصار كلها