إذا لم ترمِ النرد، فأيُّ نوعٍ من الهوكاجي أنت؟
الفصل 285

إذا لم ترمِ النرد، فأيُّ نوعٍ من الهوكاجي أنت؟ - الفصل 285

الفصل 357: أثر المدّ الأحمر

لم يكن الفجر قد اكتمل بعد، لكن بوابة مدينة سيلفر ريدج هيل كانت تعجّ بالحركة

كان وقع الحوافر فوق الثلج متصلًا، والهواء ممتزجًا ببريق المعادن البارد وضباب البخار الأبيض

كان يون يركب عند الجناح، يقود حصانه قريبًا من عربة لويس، ورفع الستارة محييًا: «يا زعيم، لا بدّ أنك تشعر بالملل في هذه الرحلة شمالًا، ولحسن الحظ تلقيت أنا أيضًا دعوة من آستا، لذا يمكننا أن نذهب معًا»

رمقه لويس بنظرة وابتسم ابتسامة خفيفة: «أخشى أنّ الملل أصابك في إقطاعك وحسب»

قال يون: «قليلًا، نعم» ثم انساق تلقائيًا مع حركة العربة نصف مازح ونصف جادّ: «كل شيء في سيلفر ريدج هيل مستقر، فلم لا أغتنم الفرصة لأرى إقطاعات أخرى؟ ثم إنّ مرافقتك في السفر فرصة لا تتكرر كثيرًا»

أومأ لويس بخفة: «إذن راقب جيدًا وتعلّم جيدًا»

في الحقيقة كان يون يعرف تمامًا أنّ لا عمل له إن بقي في سيلفر ريدج هيل

كانت الحياة مستقرة إلى حدّ الملل تقريبًا؛ فكل شيء في إقطاعه تديره كوادر قاعة إدارة المدّ الأحمر

بدل أن يملّ من الصيد، فالأجدى أن يتبع لويس شمالًا ليكتسب بعض الخبرة

وفوق ذلك صار ضمن أهم عشرين نبيلًا في الشمال، لذا كانت مشاركته في مؤتمر إعادة إعمار الشمال مشروعة فعلًا

وبأمر من لويس تحرّك الموكب كله ببطء

اصطف فرسان الطليعة، ورفع حمَلة الرايات أعلام المدّ الأحمر وعائلة هارفي عاليًا، ترفرف جنبًا إلى جنب في الريح والثلج

ركب يون على طرف الموكب وقد امتزجت في عينيه الكبرياء بالحماس، واستدار ليهتف إلى الفرسان بجانبه: «هذا هو المنظر حقًا، قولوا لي هل ثمة من هو أهيب منا في الشمال؟»

وكان يتبعه خلفه قرابة مئة من المسؤولين والفرسان، قلوبهم عالية المعنويات، تلمع الدروع والرماح أبيضَ مبهرًا فوق الثلج

غادر موكب لويس سيلفر ريدج هيل في ضباب الصباح، متقدّمًا بشموخ نحو الشمال

لم تكن هذه الرحلة للتنقل فحسب، بل كانت أيضًا أشبه بحجٍّ لتفقّد انتشار نظام المدّ الأحمر ونجاحه في الشمال

في كل محطة كان لويس يمكث نصف يوم ليفحص أنظمة التخزين والإدارة المدنية والتعليم والإنتاج

وكل مكان يصل إليه كان انعكاسًا لنموذج المدّ الأحمر: شوارع نظيفة، وصوامع ممتلئة، ومدارس مفتوحة

لقد أعاد نظام المدّ الأحمر تشكيل أنفاس الشمال نفسه كأنّه نظام غير مرئي يضبط كل شيء

كان لويس يتوقف عند كل نقطة نموذجية، قليل الكلام، يكتفي بالمراقبة الهادئة

فمثلًا في إقطاعات النبلاء السابقة بمقاطعة سنوبيك، اندمجت الأسر التي قاومت حكم المدّ الأحمر تمامًا داخل نظام قاعة الإدارة

عندما انضموا أول مرة كادوا ينفجرون خصامًا، متذمّرين من أنّ المدّ الأحمر متدخل أكثر مما ينبغي ولا يترك للناس متنفسًا، وبلغ ببعضهم أن شتم في الولائم قائلًا إن دفاتر قاعة الإدارة أثقل من قيود الإمبراطورية

لكنهم اكتشفوا سريعًا أنّ الجدولة الدقيقة في نظام التخزين تمنع الحبوب من التلف في المخازن، وأن نظام التوزيع يضمن دفع أرباح الورش في موعدها، وأن الدفاتر الموحدة تمحو هامش الخداع والنزاعات

وتحوّل التبرّم تدريجيًا إلى صمت، وبعد الصمت جاءت التبعية

كانوا يعرفون أنّ الصوف من ظهر الخروف؛ فالمدّ الأحمر يأخذ الموارد منهم لكنه يردّها استقرارًا وازدهارًا

ومع إدراكهم ذلك لم يرغب أحد في العودة إلى الماضي

لقد جعلتهم حياتهم المترفة أكثر كسلًا؛ حلّت الولائم محل النقاشات، وحلّت الأرباح محل السلطة

وكان هؤلاء النبلاء، المخمورون دائمًا، يطلقون الزفرات قائلين: «هذا ليس حكمًا، إنما هو غزو بالسعادة»

اندُمجت المدن القديمة في منظومة المدّ الأحمر، وأعاد لويس تقسيم إقطاعات جديدة لهم، فحقّقت المناجم والمزارع والورش تقسيمًا للعمل وتعاونًا تحت تنسيق المدّ الأحمر، ولم تعد تتصارع على نزاعات داخلية

وتحسّنت حياة عامة الناس بوضوح، قلّ الجوع واستقرّ الأمن العام

وعندما وصل لويس مرة أخرى، كاد أكثر النبلاء عنادًا يحيّونه بأنفسهم عند البوابة

كان العشاء مضاءً ببهاء، يصبّون له الخمر بحماسة، وأفواههم ممتلئة بالمديح

وقال أحدهم بنصف مزاح: «لولاه ما كنا لنحظى بهذه الأيام»

ابتسم لويس ابتسامة خفيفة فقط، وجال بنظره على الوجوه المطيعة: «حسنٌ أنكم تدركون، لا تنسوا مَن يطعمكم»

أسكتت تلك الابتسامة الهادئة الحاضرين لحظة

وبعد صمت قصير دوّى في القاعة ضحك جاف

ورفع النبلاء كؤوسهم من جديد، وعادت الابتسامات المتزلفة إلى وجوههم، وازدادت أصواتهم تلهفًا عمّا قبل

لأنهم كانوا يعلمون في قرارة أنفسهم أنّه من دون المدّ الأحمر لا سبيل لهم إلى البقاء

ومن دون لويس سيتحوّل غناهم واستقرارهم إلى غبار في الريح والثلج

وبرغم إحساسهم بالمهانة ظلّوا يبتسمون بتملّق، لأنّ هذه السعادة دافئة أكثر مما ينبغي وتجعلهم كارهين للرجوع إلى أيام البرد القديمة

وهناك أيضًا إقطاع «وينتر دوون» الذي صار الآن مجمّعًا واسعًا من المخازن يغطي حقول الثلج، وتزمجر فيه رافعات البخار

كان هذا الحيز تحت إدارة مباشرة من قاعة الإدارة الاقتصادية للمدّ الأحمر، فتحوّل إلى مركز لنقل المواد وتخزينها بمعايير موحّدة، وهو إقطاع السيدة غرانت

كانت من أوائل السادة الذين انضموا إلى نظام المدّ الأحمر، ولما تولّت الإقطاع أول مرة كادت تنهار

فأرض الإقطاع كانت قاحلة لا تصلح لزراعة المحاصيل الأساسية، ولا عروق معادن فيها ولا طرق تجارة، وقد تخلّى عنها سيدها الإقطاعي وعائلة زوجها معًا

فطلبت لقاء لويس بعد اجتماع مقاطعة سنوبيك

وقالت تلك الليلة: «حقًا لا خيارات لديّ، أريد الانضمام إلى نظام المدّ الأحمر»

فأجاب لويس: «كل ما لا تستطيعينه وحدك سنتولاه نحن»

وبعدها أجرى حرفيو المدّ الأحمر ومسؤولو قاعة الإدارة معاينة ميدانية، فاكتشفوا ملحًا معدنيًا نادرًا تحت الأرض

وأرسل المدّ الأحمر رجالًا لشق الطرق وبناء المخازن، وفي عام واحد فقط صارت هذه الأرض القاحلة موقعًا لإنتاج حجر الملح الشتوي

وعُقد اتفاق تزويد طويل الأمد لمنتجها المحلي «حجر الملح الشتوي» مع ورش الكيمياء التابعة للمدّ الأحمر، فتعيد الورش تدوير المنتجات النهائية ثم توزّعها في أنحاء الشمال أو تبيعها للجنوب

صار تدخّل لويس نقطة تحوّل في مصيرها

وبالاعتماد على أرباح المدّ الأحمر قلبت أحوالها، حتى غدت أغنى أرملة في الشمال

وحاولت عائلة زوجها السابق التقرب منها مجددًا فركلتهم بعيدًا

وهي الآن تعيش حياة مستقرة مع أولادها، وتذكر لويس بامتنان واحترام وتصفه بالمحسن الحقيقي للشمال

وقفت السيدة غرانت خارج المخزن، تلمع عيناها حين رأت لويس

قالت بصوت لا يخفي انفعاله: «لو لاك لمتُّ أنا وأطفالي جوعًا في تلك الأرض المتجمّدة»

«لقد كان المدّ الأحمر هو الذي أتاح لنا أن نعيش»

استمع لويس ثم أومأ إيماءة خفيفة: «أقبل امتنانك، وتذكّري أن تواصلي الإبلاغ عن شحنات المخزن في موعدها، فالمدّ الأحمر لا يخيّب من أعانه»

ولم تقتصر الصورة على هذه النقاط النموذجية، بل إنّ السلسلة الاقتصادية كلها في جنوب شرق الشمال، المحورية حول المدّ الأحمر، قد اكتملت ملامحها تمامًا

لم يكن هذا مصادفة، بل نتيجة خطة اقتصادية متكاملة نفّذها لويس داخل نظام المدّ الأحمر

ومن خلال قاعة الإدارة أسّس نظام تقسيم عمل بين الإقطاعات واتفاقات تجارة، فخطّط توزيع الموارد والأيدي العاملة تخطيطًا موحّدًا لتجنّب التكرار والصراع الداخليين، وضمان توجيه كل جهد وكل مخرَج بدقة إلى المناطق الأكثر حاجة

ووضع المدّ الأحمر خطط الإنتاج والحصص لكل منطقة وفق ظروفها المحلية، وقسّم الوظائف بحسب المزايا الجغرافية والموارد

فمنها ما يتولى استخراج المواد الخام، ومنها ما يركّز على الزراعة وتربية الماشية، ومنها ما يعمل في الصهر والمعالجة

واندمج جميع النبلاء والعامة داخل النظام، فتُدفَع نتائج الإنتاج بنسبة عادلة، وتُلبّى الحاجات عبر قسائم مادية تخصّصها قاعة إدارة المدّ الأحمر أو تُسوّى بعملات ذهبية موحّدة

وجلب هذا النظام منافع غير مسبوقة

أضحى دوران التجارة أكفأ، وأزيل التنافس الداخلي تمامًا

وثبت توزيع المواد، ولم تعد أسعار الحبوب والحديد تتقلّب

وصنعَت آلية التخصيص لدى المدّ الأحمر حلقة موارد مغلقة داخل الشمال، يغذّي فيها ازدهار أي منطقة ازدهار الكل

هذه الرواية منشورة حصرياً على موقع مركز الروايات

وفي الوقت نفسه ساعدت الأموال والتقنية وشبكة النقل التي وفرها المدّ الأحمر المناطق المختلفة على إعادة البناء بسرعة، فاختصرَت فترة التعافي بعد الكوارث

وفي غضون عامين فقط بدأ اقتصاد جنوب شرق الشمال يعمل باستقلال، مكوِّنًا «منطقة اقتصادية للمدّ الأحمر» متكاملة المنفعة، فأذهل بكفاءته كل النبلاء المتمسّكين بالنظام الإمبراطوري القديم

تولّت المناطق التعدينية الشمالية إمداد المواد الخام، والسُهول الشرقية غذاءً ومنتجات الماشية، وورش الجنوب التصنيع والمعالجة، وتولّت المدينة الرئيسة للمدّ الأحمر القيادة والتوزيع

وكانت جميع الحسابات تُراقَب مركزيًا من قاعة الإدارة، وترفع التقارير إلى قاعدة بيانات المدينة الرئيسة للمدّ الأحمر

لقد شكّل النظام الاقتصادي الموحّد والموارد المتكاملة وإلغاء المنافسة «منطقة المدّ الأحمر الاقتصادية» بطابع فريد

وتبدّلت حياة النبلاء تبديلاً هائلًا تبعًا لذلك؛ تضاعفت ثرواتهم لكنهم فقدوا استقلالهم، ومع ذلك استمتعوا بالأمر لأن كل شيء سلس والدخل مستقر

وفي الولائم كانوا يضحكون ساخرين من أنفسهم قائلين: «لم نعد أسيادًا، بل مساهمين في المدّ الأحمر»

وهكذا تلاقت ملاحظات لويس وتجارب الطريق في لوحة كبرى

الاقتصاد يُدار مركزيًا من قاعة الإدارة، ما ألغى التنافس الداخلي

والتعليم عُمِّم، فترسّخ الوعي بالقراءة والنظام معًا

وفُصل العسكري عن الحكومي، وصار الفرسان يطيعون توجيهات قاعة الإدارة

وتشارَكت الموارد، وصارت التجارة تعتمد القسائم والرموز بدل العملات الذهبية

ونَفَذ نظام رقابة إلى كل مدينة وقرية ليضمن عدم خرق القواعد

وأصبح الشمال كلًا عضويًا واحدًا

وتركّزت الثروة في دورانها؛ صار المدّ الأحمر القلب المركزي، وغدت الإقطاعات الأخرى أعضاءً متصلة بالأوعية

وبطبيعة الحال فمن يغادر منظومة المدّ الأحمر يذبل فورًا

لقد أعاد نظام المدّ الأحمر كتابة كل زاوية من جنوب شرق الشمال

فلم تعد مناطق التعدين تُهجَر بسبب خصومات النبلاء الخاصة، ولم تعد الأراضي الزراعية تقفر بسبب الضرائب المفرطة

وكان المعلّمون يعلّمون الأطفال القراءة والكتابة في المدارس ويحكون لهم «حكايات المدّ الأحمر»

وأهل القرى كانوا يؤدّون التحية تلقائيًا عندما يرون راية المدّ الأحمر، إذ يعلمون أنّ المواقد الدافئة والحصص في المخازن وأطفالهم المتعلمين كلها هدايا من لويس

لم يعد المدّ الأحمر اسمًا فحسب، بل النظام الذي يحميهم

ولذلك كانت الشوارع تصطف تلقائيًا لاستقبال موكب لويس حيثما ذهب

وغنّى المنشدون «أنشودة المدّ الأحمر»، وهتف الأطفال «ليحيَ المدّ الأحمر»، وألقت النساء أكاليل الزهور أمام خيول الفرسان

وامتلأ الشبان من فرسان المدّ الأحمر حماسة وهم محاطون بمحبّة الناس

وتلقّى كوسا وغراي عناق الحشود وشعرا فعلًا بمجد الانتماء إلى فرسان المدّ الأحمر

وركب يون بمحاذاة عربة لويس، ينظر إلى الرايات وبحر البشر على الطريق وقلبه ممتلئ فخرًا، فهذا الموكب مهابةُ زعيمه وهو أيضًا مستقبل الشمال

خارج العربة كان محيط من الطبول والهتافات والزهور المتساقطة، أمّا الداخل فلم يكن فيه سوى خرير خفيف لقلم يخطّ

جلس لويس في العربة وأصابعه تنقر بخفة على دفتر حساب، وعيناه تتفحّصان نسبة دوران قسائم المدّ الأحمر وجداول إحصاءات المواد

كان ينظر إلى هذه البيانات بهدوء ويصغي إلى الضوضاء في الخارج كأنّه يحسب خطوته التالية

وكان برادلي يشرح بهدوء ما تمثّله البيانات المختلفة إلى جواره

وبعد أن فرغ من الإصغاء قال لويس بخفوت: «جيّد جدًا، دورة المدّ الأحمر تأخذ شكلها»

لزم برادلي الصمت لحظة ثم خفّض صوته مرة أخرى: «أتعتزم حقًا تطبيق هذا النظام على كامل الشمال؟»

التفت لويس ونظر إليه: «إنها مسألة وقت لا أكثر»

نظر برادلي إلى حقل الثلج البعيد وتعابيره معقّدة

وخطر بباله وجوه المتشوقين التي رآها على الطريق والأغاني تحت راية المدّ الأحمر

إنّ ما يبنيه هذا السيد الشاب ليس قوة فحسب، بل نظامًا لا فكاك منه

قال برادلي بخفوت وفي صوته مسحة رهبة: «سيكون هذا حكمًا أعمق من حكم الدوق إدموند، ليس بالسيوف ولا بجاه العائلة، بل بنظام يجعل الجميع معتمدين عليك»

اكتفى لويس بابتسامة خفيفة: «أنت تبالغ»

وبعد مغادرة المنطقة المحورية من جنوب شرق الشمال تغيّرت آثار عجلات العربة من مسارات ثلجية ملساء إلى طرق موحلة متجمدة مليئة بالأخاديد

وازداد البرد في الريح، وكانت العجلات تطحن الأخاديد المتجمدة مطلقة طقطقات مكتومة

وقف آخر موقع متقدم للمدّ الأحمر على السفح، ورايته ترفرف في الريح

وأدى الفارس الحارس على البرج التحية في صرامة حتى اختفى الموكب في أعماق ضباب الثلج

نظر لويس عبر نافذة العربة وقد أخذ الأحمر في تلك الراية يبهت تدريجيًا وسط الرمادي الأبيض

ورسم في قلبه خطًا صامتًا: «هنا حافة المدّ الأحمر»

ومضت المدن أبعد شمالًا فتدهورت على نحو ظاهر

كانت المواقع المتقدمة بلا رجال، وأعمدة الرايات مائلة، وعاد جباة ضرائب النبلاء القدماء يلبسون جلودهم ويصرخون بطلب الجباية عند نواصي الشوارع

وعلى جانب الطريق بدا الخوف والتردد في عيون القرويين عند رؤية موكب المدّ الأحمر، غير واثقين هل سيساقون إلى التجنيد مجددًا

أزاح يون ردائه وهو يرقب الناس المغبرّين وقد عقد حاجبيه قليلًا: «كأننا نصحو من حلم لنعود إلى كابوس»

وظلّ نظر لويس هادئًا: «هذه هي حقيقة الشمال»

وقبل دخول الإقطاعات الأبعد شمالًا كانت عدة سادة صغار على الطريق قد تلقّوا الخبر

وحين رأوا من بعيد راية المدّ الأحمر والصفوف المنضبطة دبّ الخوف فيهم أولًا، فأصلحوا هيئاتهم على عجل وانحنوا في الريح الباردة لتحيتهم، وبالطبع أرهبتهم مهابة الموكب

فلما سمعوا أنّ القادم هو لويس نفسه تبدّلت تعابيرهم في الحال

واندفعت الابتسامات المتزلفة وكلمات المديح إلى وجوههم

فمن ذا الذي لا يعلم اليوم في الشمال أنّ لويس سيد النظام الجديد

فلو منح شيئًا يسيرًا من فائض الحبوب لكفاهم وأهليهم لأجيال

واكتفى لويس بإيماءة خفيفة وأمر أن تُعطى بعض أكياس الحبوب وصرفهم

لم يكن يستطيع إنقاذ الجميع، ولا حاجة إلى ذلك

وحين دخلوا القرى والبلدات الأبعد شمالًا كان الهواء مشبعًا برائحة العشب الجاف والخشب المتعفّن والرماد

والشوارع متهدّمة، والثلج مختلط بالطين في طين جليدي، والبيوت متهالكة، وقد لصقت على الجدران الخشبية نقوش الحاكم القديم الباهتة

أما الأطفال في مناطق نفوذ المدّ الأحمر فكانوا يؤدّون التحية بنشاط ويرتلون لوائح مدنية بصوت واحد، بينما هنا كان الصغار يجرون حفاة نحيلين كالأظلال يطارد بعضهم بعضًا

واجتمع الشيوخ حول نيران، يتهامسون بالدعوات ويرددون لعنات الحاكم الشرير القديمة المحظورة منذ زمن طويل

وفي داخل البيوت لم يبقَ في المواقد سوى الرماد، والأمهات يضممن أطفالهن ليدفئنهم وعيونهن شاغرة

وكان بعضهم يغلي حساءً من حبٍّ فاسد وقشور الأشجار، والهواء ممزوج برائحة الاحتراق واليأس

وفي البعيد تردّد بكاء رضيع رفيع ممتد كأنه يشقّ الريح الباردة

وتصفّح برادلي دفتر ملاحظاته إلى جوار العربة وقلمه معلّق في الهواء، ثم قال وهو ينظر إلى هذه المشاهد بصوت خفيض يكاد يبتلعه الهواء: «هكذا تبدو أرض بلا نظام»

وركب كوسا وغراي جنبًا إلى جنب في الموكب، ينظران إلى هذه الأرض القاحلة وقد ارتفع في قلبيهما إحساس بالاختناق لا يوصف

لقد ألفا المدّ الأحمر المشرق المنضبط، فبدت لهما كل الأشياء أمامهما الآن عالمًا آخر يبعث على الضيق

حثّ يون حصانه ليقترب من العربة وقال بصوت خفيض: «يا زعيم، حدود الفردوس لا تزال ضيقة جدًا»

لم يجب لويس، وإنما رفع نظره إلى البعيد: «إذًا فليتمدد المدّ الأحمر أبعد»