الفصل 1 - البداية
رحلة الإمبراطور مُحطِّم القدر - الفصل 1 - البداية
الفصل 1: البداية
23 مارس 2020، تشينغهاي، المدينة زِد
كان شاب يرتدي بدلة رسمية يسير عائدًا إلى منزله، واضعًا كمامة تغطي فمه وأنفه. وعلى وجهه بدت علامات الإرهاق ممزوجة بحيوية الشباب. كان مظهره فوق المتوسط؛ ليس وسيماً على نحو لافت، لكنه مريح للعين. أما ما كان استثنائيًا فيه حقًا فهما عيناه.
كانت عيناه سوداوين كغيره من أبناء الجمهورية، لكن من يحدّق فيهما يلمح إرادة قوية وصلبة؛ إرادة مشبعة بدافع لا يتوقف للتقدم. كان اسمه وانغ وي.
وصل وانغ وي إلى شقته ذات غرف النوم الثلاث، وعلّق كمامته بعناية على علاقة قرب الباب. وبمجرد دخوله، كان واضحًا أن الشقة فاخرة إلى حدّ ما. لقد حقق هذا الشاب نجاحًا لا بأس به في مسيرته المهنية رغم صغر سنه.
بعد ذلك خلع ملابسه، وانتعل خفّيه المنزليين، ودخل إلى الحمّام ليستحم ويغسل عنه إرهاق اليوم.
قال متنهّدًا: «يا له من أسبوع مُتعب. المدير كاد يجنّننا.»
وبعد حمّام طويل، بدأ يجهّز عشاءه. كان طبق اليوم حساء الميسو مع بضعة أطباق جانبية. ثم شغّل التلفاز وحاسوبه المحمول معًا. ومن نظرة واحدة إلى الصفحة الأولى على الشاشة، يمكن لأي شخص أن يدرك أن وانغ وي من عشّاق الروايات المنشورة على الإنترنت.
وعلى شاشة التلفاز، كانت مذيعة جميلة ترتدي بدلة نسائية رسمية تتحدث بحماسة كبيرة، فتخلق جوًا من الدراما والتوتر لدى المشاهدين.
قالت: «مرحبًا بالجميع، أنا المراسلة تشن هوا، أقدّم لكم الأخبار الدولية. لقد اكتشفت وكالات الفضاء الدولية حول العالم ظاهرة كونية تنتشر عبر عدة مجرّات. وكما ترون في السماء خلفي، يمكنكم مشاهدة ما يشبه تشققات في الفضاء. وقد دعونا الأكاديمي تشن من المعهد الصيني للعلوم والتقنية للإدلاء ببيان.»
ثم ظهر رجل مسن ذو شعر ولحية بيضاء. ومن مجرد النظر إليه، يلاحظ المرء عليه سَمْت العلماء. توقف وانغ وي—وكان وقتها يطبخ—ونظر إلى التلفاز. وأول ما لفت انتباهه هو الشبه الخفيف بين الأكاديمي تشن والمراسلة. وبالنظر إلى أنهما يحملان اللقب نفسه، لم يكن من المستبعد أن تجمعهما صلة قرابة.
أمسك الأكاديمي تشن بالميكروفون وقال: «بعد تحليل البيانات، توصّلنا إلى فرضية مفادها أن موجات هائلة من الطاقة تشق طريقها عبر الكون، ما يؤثر في مجال الجاذبية لكل مجرّة إلى درجة أن نسيج الفضاء نفسه بدأ يهتز.»
ومضى الأكاديمي يشرح سلسلة من النظريات العلمية التي تدعم فرضيته. وكان واضحًا من أول وهلة أنه متحمّس للغاية؛ إذ كان ينبعث من جسده نشاط يتجاوز بكثير ما يُتوقع من رجل في السبعين من عمره.
تابع وانغ وي البرنامج بتركيز كامل. لم يكن يعرف السبب، لكن حدسًا داخليًا أخبره بأن شيئًا سيئًا على وشك الحدوث. ولا تظن أن الأمر مجرد إحساس عابر؛ فمنذ صغره كان يمتلك حدسًا استثنائيًا. ذلك الحدس أنقذ حياته مرات عديدة، بل وساعده كثيرًا في عمله.
كان وانغ وي يتيمًا؛ تخلّى عنه والداه منذ ولادته. لذا عاش في دار للأيتام منذ أن بدأ يعي الدنيا. وبسبب نشأته بلا والدين، اضطر للنضج مبكرًا وتحمّل ما لا يتحمّله أقرانه. وفي دار الأيتام أصبح ما يُسمّى «المتفوق الذي لا يُجارى»، وكان صاحب أفضل الدرجات بين الأطفال.
أول مرة ظهر فيها حدسه كانت حين بلغ 8 سنوات وجاء وقت تبنّيه. أحضر مدير دار الأيتام زوجين يرتديان ملابس فاخرة من علامات باهظة. وكانا يقودان سيارة لا تقل قيمتها عن مليوني يوان. اصطفّ الأطفال واحدًا تلو الآخر، مرتدين أجمل ما لديهم، يحاولون أن يبدوا ألطف ما يمكن. أخذ الزوجان يتفحصانهم واحدًا تلو الآخر لاختيار الأفضل. وفي النهاية اختارا وانغ وي—كما كان متوقعًا، لأنه كان الأفضل بينهم.
لكن لحظة اختياره، شعر وانغ وي برهبة مخيفة تجتاح عقله. لم يكن في ذهنه سوى فكرة واحدة: إن ذهب مع ذلك الزوجين فستكون حياته أشد بؤسًا من كلب شارع. لم يعرف كيف جاءه ذلك الشعور ولا لماذا، لكنه صدّقه على أي حال. كانت تلك أول مرة يعصي فيها أمر مدير الدار. رفض أن يتبناه ذلك الزوجان. وفي النهاية أخذ الزوجان ولدين وفتاة بدلًا منه.
واتضح لاحقًا أن حدسه كان صائبًا. ففي أقل من شهر، اجتاحت الأخبار الوطنية فضيحة عن عصابة تختطف الأطفال وتبيعهم كعبيدٍ للجنس. وعندما شاهد وانغ وي الخبر، تعرّف على الزوجين اللذين أرادا تبنّيه باعتبارهما من أبرز المشتبه بهم في تلك العملية الضخمة.
للأسف، تم فصل مدير دار الأيتام بعد الحادثة. لكن وانغ وي صار واعيًا بحدسه، وبدأ يعتمد عليه. وبعد عامين، استخدم حدسه لاختيار والدين بالتبنّي. لم يكن ذلك الزوجان ثريين مثل السابقين، لكنهما كانا قادرين ماديًا على تربية طفل. واتضح مجددًا أن حدسه أصاب من اللحظة الأولى.
وخلال أقل من 5 سنوات، نهضت شركة والده بالتبنّي كالمذنب، لتصل أصولها إلى مليارات اليوان. غير أنه—مع إنجاب والديه لابنٍ بيولوجي وازدياد ثروة الأسرة—تفجّرت مشكلات كثيرة. لكن هذا ليس الجزء المؤثر في هذه الحكاية… على الأقل ليس بعد.
ومرة أخرى أنقذ حدس وانغ وي حياته حين كان في المرحلة الثانوية. فبصفته من كبار المتفوقين في المدرسة—وفوق ذلك صاحب خلفية عائلية بارزة—لفت نظر إحدى فتيات المدرسة المشهورات. وبعد أن اعترفت له بمشاعرها وقَبِل، لم يستطع أحد معجبيها تحمل فكرة أن «معبودته» أصبحت مع «طالبٍ مجتهد ممل». فقرر أن يأخذ الأمر بيده، واستأجر مجموعة من البلطجية لضرب وانغ وي وهو في طريقه إلى مركز الدروس الخصوصية.
في ذلك اليوم، خرج وانغ وي من المدرسة متجهًا إلى الدروس، فإذا بشعور رعب يكتسح عقله مجددًا—نفس الشعور الذي أحسّ به يوم محاولة تبنّيه الأولى. دون تردد، اتصل بسيارة أجرة وعاد إلى البيت. وعند وصوله أخبر والدته أنه يشعر بتعب، فغيّب نفسه عن الدروس ذلك اليوم.
وفي اليوم التالي، سمع في المدرسة أن طالبًا فقيرًا تعرّض للضرب على يد عصابة. والمصادفة أن ذلك الطالب كان يذهب إلى نفس مركز الدروس الذي يذهب إليه وانغ وي. هل هي مصادفة؟ لا أظن.
بعد ذلك، استخدم وانغ وي حدسه في قرارات كثيرة مصيرية: أي مدرسة يلتحق بها، وأي أستاذ يقرّب منه، وأي زميل ينسجم معه، وأي صديق يمكن الوثوق به حقًا، وأي مشروع في العمل لديه إمكانات، وأي مشروع يبدو جميلًا من الخارج لكنه قابل للانفجار بالمشكلات.
تلك القرارات أوصلته—وهو في أواخر العشرينات فقط—إلى عتبة ترقية ليصبح نائب مدير في شركة من شركات قائمة «فورتشن 500».
والآن، عودة إلى الحاضر.
كان وانغ وي يشاهد الأخبار وملامح القلق على وجهه، يفكر فيما ينبغي أن يفعله. وفي الوقت نفسه، كانت أماكن كثيرة في العالم تغرق في الفوضى. فالتشققات الفضائية التي كانت صغيرة ولا تُرى إلا في بعض المناطق بدأت تتمدد بوتيرة هائلة. وكانت تشبه تمامًا ما يحدث حين يستخدم صاحب اللحية البيضاء في أنمي «ون بيس» قدرته.
ومع ازدياد وضوح التشققات في السماء، انتشر الذعر والاضطراب في أنحاء المعمورة. وبدأ الناس يتساءلون:
«هل هذه نهاية العالم؟»