الخلود: أستطيع امتصاص ذكريات الموتى
الفصل 119

الخلود: أستطيع امتصاص ذكريات الموتى - الفصل 119

الفصل 119: معركة الأقوياء

«ما الأمر، أهو قوي إلى حدّ مذهل، إن تعبيرك يبدو سيئًا»

«بالفعل»

قال الشيخ ليي بجدية: «قوته تفوق قوتي بكثير، وإلا لما سمّى نفسه الإمبراطور الشيطاني السماوي، ولو تقاتلنا لما كنتُ نِدًّا له أصلًا، لذا فلابد أنه يملك من القوة ما يُمكّنه من مجابهتك، بل وقد يتجاوزك أيضًا»

«مع أن قوته أعظم من قوتك، أليست سلالته أضعف من سلالتكم، لِمَ تخشاه إلى هذا الحد، أليست عشيرة التنانين من ورائك فلا يجرؤ غيركم على مسّك هكذا عبثًا»

لم يملك الإمبراطور الأعظم تشو إلا أن يسأل عمّا في قلبه، فابتسم الشيخ ليي بمرارة مجيبًا: «عمّ تظنّني، إنما أنا شخص عادي داخل عشيرتنا، ولستُ سليلًا مباشرًا من الصف الأعلى، فكيف أقدر أن أُحرّك السلالة كلها لأجلي

ألستَ أنت أدنى مرتبة من سلالة الإمبراطور الشيطاني السماوي، ومع ذلك قوتك أعظم من قوتي فتستطيع أن تُسقطني بيسر، فهل أقدر على المقاومة

صحيح أن سلالة الإمبراطور الشيطاني السماوي ليست بقوة عشيرتنا، لكن شيئًا واحدًا لا مراء فيه: إن سلالة الشياطين السماويين من المصافّ العليا في الكون كله، وسلالة كهذه حتى عشيرة التنانين لا بد أن تتعامل معها بمنتهى الجدية

والسلالات العليا مثلنا محفوفة بالخطر كذلك، فحركةٌ يسيرة قد تشعل سلسلة من التفاعلات

وأي حرب عابرة قد تجرّ انهيار سلالة بأسرها، فإذا غزت سلالةٌ أخرى سلالتنا لن تقف بقية السلالات متفرّجة، وإلا فكيف ستقاوم يوم تشتد شوكتنا

إنها علاقة توازن، ومن ثمّ فلن تتحرك عشيرة التنانين لأجلي بسهولة

ويعني هذا أيضًا أنه لو قُتلتُ اليوم على يد الطرف الآخر فقد يضيع دمي هدرًا»

أومأ الإمبراطور الأعظم تشو

«إذن هكذا الأمر، لا عجب أن عينيك انطوتا على طرفٍ من التحفّظ»

كان ينبغي في الظروف العادية ألّا يخاف، أمّا الآن وبعد أن تعلّم هذه الصورة من الطرف الآخر فقد صار لدى الإمبراطور الأعظم تشو حكمٌ أوضح: هذا الكون ليس ساحة يفعل فيها المرء ما يشاء لمجرد أن سلالته قوية

ولكي يفعل المرء ما يحلو له بلا قيد، فعليه أن يجعل قوته تتجاوز جميع السلالات في الكون كله

وهذا شرط عالٍ للغاية، حتى الأقوى لا يبلغه، ولو صار ذروة الوجود في الكون كله

وللآن ما زالت علاقة التوازن قائمة في الكون

أطرق الإمبراطور الأعظم تشو مفكرًا

لعلّه يستطيع مستقبلًا أن يجد سبيلًا ليصير الوجود الفريد الذي لا يُجارى في الكون كله، فإذا قهر كل من دونه فلن يقلقه ذلك التوازن، ويغدو الأقوى حقًا

غير أن هذا الطريق ليس يسيرًا

لكن لا عجلة، فهو يمتلك في أصل بنيته أطول الأعمار في هذا العالم، ما دام لا يموت فسيجد الطريق دائمًا

وأولئك الأشداء في القمّة لا يملكون ترف استهلاك أعمارهم كما يفعل، وهذا يمنحه أفضلية كبرى

تمام

«الإمبراطور الشيطاني السماوي، إنه هو»

وقد عرفه الآخرون عندئذٍ

«يا للعجب، لم أتوقع أن يأتي هو أيضًا، لِمَ جاء حتى هو، إنه عادةً لا يشارك في مثل هذه التحركات»

«أليس من كان على هذه المرتبة ينبغي أن يلازم قصر رتبته المكرمة متعبدًا في الزراعة الروحية، ظهوره الفجائي الآن لا بد أن وراءه أمرًا غير بسيط»

«انتهى الأمر، هذه المرة يبدو أن البلاء كبير حقًا، غير أني أتساءل على من سيسقط هذا البلاء»

وغرق الجميع في الفزع لحين، فما درى أحد لِمَ أغضبوا هذا الرجل حتى خرج من عزلته بنفسه

وفي تلك اللحظة أوقف الإمبراطور الشيطاني السماوي عربته وحدّق إلى الأسفل

وصادف أن وقع نظره مباشرة على الشيخ ليي

فارتجّ قلب الشيخ ليي

«تبًّا، أترى هذا الرجل على صلةٍ بالفعل بأولئك الذين ظهروا قبل قليل»

وعقد حاجبيه بشدة

فإن كان بينه وبين الطرف الآخر صلة فالهلاك قريب

ولو كان يعلم لما غضب آنفًا إلى ذلك الحد، كانت تأديبٌ يسير يكفي، أمّا الآن فقد جرّ على نفسه بلاءً عظيمًا، لا فقد الهيبة وحده بل قد يفقد حياته أيضًا، وهذا ربحٌ خاسر

وأدرك الإمبراطور الأعظم تشو حاله فطيّب خاطره قائلًا: «لا تَجْزَع، لقد تقدّمتَ قبل قليل لتحمي قومي، ولن أقف متفرّجًا عليك تُهان، اطمئن، ما دمتُ هنا فلن أدع أحدًا يمسّك»

فلما سمع الشيخ ليي هذا تنفّس الصعداء

ومع أنه لا يعلم أي مرتبة بلغها الإمبراطور الأعظم تشو الآن، إلا أن أمرًا واحدًا مؤكد: أن حمايته ليست بالمشكلة الكبرى

وعليه فهو آمنٌ نسبيًا الآن

«شكرًا جزيلًا لك، أيها الإمبراطور الأعظم تشو»

وبدأ الإمبراطور الشيطاني السماوي يتكلم ببطء عندها

«يا تنين ليي، أتجرؤ على مدّ يدك إلى قومي، أما علمتَ أن عالمهم قد أعلن ولاءه لي تَوًّا، وفي لمح البصر هاجمتَهم

أليس في ذلك ازدراءٌ كامل لهيبتي، ورفسٌ لاعتباري أمام الكون كله، أتظنني لقمة سائغة، أم تراك ترى نفسك فوقي قوةً فلا تعود تبالي بي»

ومع أن الشيخ ليي قد نال وعد الإمبراطور الأعظم تشو، فقد لم يُرِدْ أن يُصعّد الأمر أكثر في هذه اللحظة، فتكلم بهدوء شارحًا

«يا إمبراطور الشياطين السماويين، لم أكن أعلم أنهم قومك، وإلا لأشفقتُ عليهم آنفًا

لقد كان سوء فهم، أرجو أن تتبيّن الصورة

وبما أن خطئي ثابت فأنا مستعد لتقديم بعض الموارد اعتذارًا، وآمل منك، نظرًا لكوننا من أقوى عشر سلالات في الكون، أن تعفو هذه المرة»

«تعفو»

نظر إليه الإمبراطور الشيطاني السماوي ساخِرًا بازدراء

«ما قلته مُضحك حقًا، إن أنا عفوتُ، فمن يعيد قومي إلى الحياة، أتظن أني لا ألاحقك إلا لأنك خدشتَ هيبتي، الأهم من ذلك أنهم جميعًا أتباعي، فإن تركتُك اليوم بلا عقاب فمن سيتجرأ على أن يكون من أتباعي مستقبلًا

وحينها كم واحدًا في الكون كله سيوجّه لي المتاعب مُعتقِدًا أن قتل أتباعي لن يجرّ جزاءً شديدًا، وأن اعتذارًا يكفي

وفي ذلك الحين سأجد كثيرين في هذا الكون يدوسون هيبتي ليصعدوا

أتظنني أسمح بحدوث ذلك»

عضّ الشيخ ليي على نابه وقال: «فماذا تريد إذن، أتريد قتلي»

«ليس القتل لازمًا، لكن هناك أمر واحد على الأقل: أن تُعطّل ذراعيك كلتيهما، وأن تُسقِط كذلك مرتبة كبرى من زراعتك الروحية»

«ماذا»

ارتجّت قلوب الحاضرين جميعًا حين سمعوا هذا

فهذا العقاب قاسٍ للغاية، وليس قسوةً عادية

إذ معلوم أن الأهم لذوي هذه المراتب هو القوة، وما سوى قوتهم من الموارد أشياء خارجية لا يأبهون لها

تلك الأشياء لم تعد ذات قيمة عندهم

ومع ذلك فهو يطالبه بتعطيل الذراعين وإسقاط مرتبة في الزراعة الروحية

ومن هذا المنظور فكأنه ينسف حياته كلها، ويذيقه ما هو أمرّ من الموت

فإذا هبطت قوته فسيصعب عليه جدًا أن يصعد من جديد

وسيظل إلى الأبد خاسرًا، يُداس تحت الأقدام، ويكون موضع سخرية أبد الدهر

ولا تظنّ أنه حتى بعد الهبوط مرتبةً، سيبقى جيدًا كونه على مرتبة حاكم المجال، فلهذه الذُّرى من الوجود، السقوط ولو درجة يسيرة أمرٌ لا يقبلونه البتة

«يبدو أنه انتهى فعلًا هذه المرة»

«ومن يقول غير ذلك، قوته عظيمة ولن يقبل بخسارة زراعته، لكنه إن أراد النجاة فلن يقدر على قهر الخصم، ولا وسيلة له سوى ما طُلب»

«أو يستنجد بأشدّاء من عشيرته عشيرة التنانين، لكن لا ضمان أن ينال العون

ولو ناله، يقدر الإمبراطور الشيطاني السماوي بدوره أن يدعو شيوخ سلالته، ولن يقدر أي طرف أن يستقدم ذرى الذرى من قومه، ومعنى ذلك أن فرص الغلبة لن تتبدّل كثيرًا، إلا إذا كان للشيخ ليي سند عظيم داخل العشيرة»

«لا تُمنّي نفسك، لو كان له سند عظيم لما أُرسل إلى هنا في دورية، لكان الآن يزرع بجدٍّ في مكان مقدّس»

«صحيح»

«وماذا يهمنا أمره، طريقه ليس طريقنا، إن هلك فذلك أنفع لنا، وكل ما علينا أن نرى ما سيفعل أخيرًا»

«صحيح، لِنكتفِ بالمشاهدة، لا شأن لنا بشيء، وعلى أي حال لن يمسّنا الضرر»

قلق بعضهم على الطرف الآخر، بينما بدا على آخرين ابتسام المتفرّجين، كأن الأمر لا يعنيهم البتة

وبعضهم جاء لمحض الفرجة، يريد أن يرى إن كان شيء ممتع سيقع ليكون مادة حديثٍ بعد انصرافهم

قال الشيخ ليي ببرود: «يا إمبراطور الشياطين السماويين، أعترف أن قوتك أعظم بكثير من قوتي، وأنك نابغة فائق في قومك وتتقدم بسرعة، لكن لا ينبغي أن تعاملني هكذا، أليس كذلك

نعم، لقد قتلتُ بضعةً من أتباعك، لكني لم أكن أعلم أنهم أتباعك، وكما يقال: من يجهل يُعذَر، أفلا تخشى أنك بتشدّدك هذا تُثير نزاعًا بين سلالتينا العظيمتين»

سخر الإمبراطور الشيطاني السماوي: «صحيح أن عشيرة التنانين غدت أقوى سلالة في الكون، لكن ذلك لا يعني أنكم وحدكم من يعربد في الكون كله

فسلالتنا كذلك تملك قابلية النمو إلى ذروة الذُّرى في الكون كله، لذلك لا تُكثر الكلام، إمّا أن تفعل ما قلتُ الآن، وإمّا نقاتل مباشرة، وحين نقاتل فسواء مُتَّ أم لم تمت فليس ذلك شأني، ولا أعدك أني سأُبقي عليك»

كانت كلماته متجبّرةً قاطعة، لا تمنح خصمًا مهربًا ولا فسحةً لتبرير، وفيها رسالة واضحة: «لقد أحكمتُ الطوق عليك»

ولما رأى الشيخ ليي ذلك شعر بالعجز، فقد علم أنه لا مهرب ولا مجال للإطالة في الكلام، وما دام الأمر كذلك فلا فائدة من المزيد

والكلام لغو، وما عليه إلا أن يطلب عونه الخارجي

فنظر إلى الإمبراطور الأعظم تشو، وفي عينيه رجاء واضح بأن يعينه على اجتياز هذه الورطة

ولم يرفض الإمبراطور الأعظم تشو فعلًا، فقد قرر مساعدته من قبل كما قال

ومع أن عشيرة التنانين لم تُجبِره ولم تُبالِ به، فإن الرجل قد تدخّل للتوّ لينقذ أحد أتباعه، وهكذا تشكّل الاصطدام، فلن يبيع رفيقًا في هذا الموقف ولن يأتي فعلًا دنيئًا كهذا

وفكّر بهذا، ثم أخذ نفسًا ورفع رأسه إلى خصمه

«كلماتك متجبّرة أكثر مما ينبغي، وهذا ليس حسنًا، فمهما تبلغ من قوة، عليك في هذا الكون أن تُبقي في قلبك تواضعًا، واعلم أن هناك دائمًا من هو أقوى، وأن فوق كل عالم سماوي عوالم سماوية، لستَ الأقوى في هذا الكون، وهذه العجرفة لا بد أن تُكلِّفك ثمنًا»

فما إن سمع الحاضرون هذا حتى شحبوا من الدهشة

«يا للعجب، أهذا مجنون حتى يخاطب الإمبراطور الشيطاني السماوي بهذه الطريقة»

«أراه قد ملّ الحياة، أو هو عجل حديث الولادة لا يخاف النمور ولا يدرك مدى قوة الطرف الآخر»

كان الإمبراطور الشيطاني السماوي قد لمحَه منذ البداية، لكنه آنفًا لم يجد إلا أنه مختلف قليلًا ولا يدري أين، ثم إنه لم يشعر بتهديد في البدء فلم يُمعن النظر فيه

فلما تكلم الآن استشعره مرة أخرى فخامره شعور غريب، إذ وجد أنه لا يستطيع سبر هذا الرجل، وكان ذلك مذهلًا حقًا

ومعلوم أن قوته عظيمة إلى حدٍّ يكاد يجعله الأقوى حضورًا، ولا أحد هنا يفلت من عينه، فإن شاء استبان قوة أيٍّ كان، والناس كلهم مكشوفون أمام بصره، غير أنه لم يستطع أن ينفذ إلى هذا الرجل، فأيّ هولٍ في ذلك

إن هذا يدل على أنه حتى لو لم تتجاوز قوة الآخر قوته، فهي على الأقل في مصافّ قوته

ومع ذلك لم يخف لمجرد أنه تكلّم