أزرع بينما الآخرون يتدرّبون
الفصل 1 - ضوء تاناكا الشبيه باليشم

أزرع بينما الآخرون يتدرّبون - الفصل 1 - ضوء تاناكا الشبيه باليشم

الفصل الأول: ضوء تاناكا الشبيه باليشم

سوق لين يانغ فانغ

مع بزوغ الفجر وقبل أن يتبدد الضباب تماماً، كان السوق بأسره مغطى بطبقة خفيفة من الضباب الأبيض، كستارٍ رقيقٍ يحجب الرؤية.

في ركن من السوق، وُجد فناء صغير تحيط به جدران حجرية رمادية، يبلغ طوله نحو ثلاث *تشانغ* وعرضه نحو اثنتين، يغلب عليه تراب رماديّ قاتم، لا يخترقه سوى ممر ضيق من الحجارة الزرقاء يمتد في المنتصف.

في التراب الرمادي نمت مجموعة من النباتات الروحية البسيطة، وقد ارتوت طوال الليل من رطوبة الضباب، فأصبحت تنبض بالحياة، تمدّ أغصانها وأوراقها الخضراء الناعمة بتكاسلٍ نحو النور.

صدر صوت خافت من باب البيت الحجري في نهاية الممر، ثم خرج منه فتى يافع.

كان في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره، يرتدي قميصاً رمادياً، نحيف القامة، وسيم الملامح، بعينين صافيتين تلمعان بنقاءٍ وذكاء.

كان ذلك هو **لو شوان**، الذي مرّ زمنٌ منذ أن جاء إلى هذا العالم.

فقد كان في الأصل شاباً عادياً من الأرض، لكنه استيقظ ذات صباح ليجد نفسه قد استحوذ على جسد فتى آخر، ليصبح واحداً من عامة مزارعي النباتات الروحية بين حشود الممارسين لطاقة **تشي**.

بعد أن تجاوز دهشة الانتقال وخوفه الأول، بدأ لو شوان يتأقلم تدريجياً مع هويته الجديدة.

كانت بدايته مألوفة: يتيمٌ وحيد، موهبة عادية، ومستواه في صقل الطاقة لم يتجاوز المرحلة الثانية من تنقية التشي. ومع ذلك، وبعد أعوامٍ من الجهد والادخار، تمكّن من استئجار حقلٍ روحي صغير في السوق لزراعة الأعشاب والنباتات الروحية، باحثاً عن لقمة العيش في هذا العالم القاسي الذي لا يرحم الضعفاء.

نفحة خفيفة من الضباب تسللت إلى الفناء فأنعشته تماماً، فبدأ لو شوان يتجوّل بين النباتات الروحية مراقباً إياها بعناية.

كانت هناك نحو ثلاثين نبتة، تفصل بينها مسافات متساوية. يبلغ طول كلٍّ منها قرابة القدم، أوراقها نحيلة تعلوها نقاط مضيئة بيضاء تشبه النجوم في الضباب الفاتح.

كانت تلك **أعشاب اليراع الروحي**، وهي من النباتات الروحية من المستوى الأول، يسهل نسبياً زراعتها، وتُستخدم عند نضجها في صنع أنواعٍ عدّة من حبوب العلاج الروحي ذات الاستخدام الواسع في عالم الزراعة الروحية.

وبالإضافة إلى أعشاب اليراع الروحي، وُجدت في الفناء شجرتان من **شجر الخسوف القمري**.

كانت الشجرتان مزدهرتين تحت رعاية لو شوان الدقيقة، وقد تجاوز ارتفاعهما قامته. بين أوراقهما الخضراء الزمردية بدت ثمار فضية اللون على شكل خطّافات صغيرة.

تُعرف هذه الثمار باسم **ثمار الخسوف القمري**، إذ تبدأ على شكل أهِلّة صغيرة، ثم تكبر تدريجياً حتى تكتمل دائرةً كالبدور عند نضجها.

يمكن لمزارع التشي من الطبقة الدنيا تناولها مباشرةً لزيادة طاقته الروحية قليلاً، كما يمكن استخدامها في صناعة حبوبٍ نفيسة مثل **حبوب تنمية التشي**.

كانت زراعة شجر الخسوف القمري أصعب من زراعة أعشاب اليراع الروحي، ولهذا بذل لو شوان فيها جهداً مضاعفاً.

ورغم أن النباتات نمت جيداً، إلا أن ملامح القلق ارتسمت على وجهه.

سار بسرعة نحو الجانب الغربي من الفناء، وانحنى ليمسك بورقة إحدى أعشاب اليراع القريبة من الجدار الحجري، ثم قلبها بحذرٍ بين أصابعه.

كما توقّع، وجد على ظهر الورقة خطوطاً دقيقة سوداء باهتة، بالكاد تُرى بالعين المجرّدة.

قال في نفسه:
“مقارنةً بالأمس، ازدادت هذه الخطوط السوداء بشكلٍ واضح.”

تنهّد لو شوان بقلق وهو يراقب النبتة التي بدأت هذه الخطوط تتغلغل فيها شيئاً فشيئاً.

منذ يومين، لاحظ أثناء العناية بالنباتات أن إحدى الأعشاب قرب الجدار بدت مختلفة عن غيرها، وبعد تفحّصٍ طويل اكتشف تلك الخيوط السوداء الرفيعة.

كانت تلك الخيوط ملتصقة تماماً بالنبتة، كأنها جزء منها، يصعب فصلها بأي وسيلة.

ولأن لو شوان لم يكن سوى مزارعٍ متواضع قليل الخبرة، لم يتمكن من معرفة ماهية هذه الخطوط السوداء.

وبما أنه لم يجد علاجاً مناسباً، اضطرّ لاستخدام طاقته الروحية الداخلية لفصلها عن الأوراق بحذر.

استغرق الأمر جهداً كبيراً، ولكن في اليوم التالي عادت الخطوط للظهور، وقد ازدادت عدداً وانتشاراً.

“بهذا المعدّل، سيغطي السواد هذه النبتة تماماً خلال يومٍ أو يومين، وربما ينتقل إلى باقي الأعشاب أيضاً.”

وقف لو شوان شارداً وهو يحدّق في النبات المصاب.

فكّر في اقتلاع النبتة المصابة كي يمنع العدوى عن غيرها، لكنه سرعان ما عدل عن الفكرة.

فهو لا يعرف أصل هذه الخطوط ولا طريقة انتشارها، وقد يكون اقتلاعها بلا جدوى، بل ربما يتسبب بانتشارٍ أسرع.

قال بجدية:
“لا حلّ سوى الذهاب إلى السوق وطلب المساعدة من مزارعٍ متمرّسٍ وذو خبرة.”

تنهد بأسف وهو يتمتم:
“هذه الأحجار الروحية التي جمعتها بصعوبة… كنت أنوي استخدامها لدفع إيجار الحقل بعد شهرين.”

كان لو شوان مزارعاً جوّالاً في المرحلة الثانية من تنقية التشي، ولا يملك حق امتلاك حقلٍ روحي خاص به.

هذا الحقل الصغير الذي في فناءه استأجره من مزارعٍ أقوى منه مقابل قدرٍ لا بأس به من الأحجار الروحية شهرياً.

“يبدو أننا سنضطرّ للتقشف في الأيام القادمة.”

قالها بثباتٍ وهو ينهض واقفاً.

فعندما تنضج النباتات الروحية، يمكنه بيعها في السوق للمحال أو للمزارعين الآخرين، وبذلك يسدّ الإيجار ويغطي نفقات حياته اليومية، مع بقاء القليل من الأحجار.

لكن إن استعان بخبيرٍ في النباتات الروحية، فسيتكلف مبلغاً ضخماً.

حسم أمره في نفسه وألقى نظرة متفحّصة حول الفناء.

كانت الجدران الرمادية محاطة بحزامٍ من الأشواك السوداء الكثيفة الحادة، توفّر بعض الحماية، لكنها لا تصدّ سوى الفضوليين، أما الأشرار أو الكائنات المتسللة فذلك فوق طاقتها.

“بعد حل هذه المشكلة، سأبدأ بتوفير بعض الأحجار لشراء مصفوفة حماية حقيقية تمنع تكرار مثل هذه الكوارث.”

ثم نظر نحو زاوية الفناء وقال:
“من السذاجة أن أضع أملي في هذا الدمية العشبية لحراسة الحقل.”

كانت هناك دمية من القش يبلغ طولها نحو ثلاثة أقدام، تستند إلى الجدار، رأسها كبير وجسدها صغير، وعلى رأسها ورم غريب من عشبٍ يابس رماديّ اللون.

اشتراها لو شوان مستعملة من أحد باعة السوق. قال البائع إنها من صناعة **طائفة الآلات الألفية**، بسيطة التصرف، وتُستخدم لحراسة الحقول الروحية المنخفضة المستوى.

فعندما تشعر بدخول مزارع أو وحشٍ إلى الحقل، تصدر إنذاراً، وإن حاول المعتدي إتلاف النباتات، تهجم عليه لتقيّده.

غير أن دمية لو شوان كانت شبه معطّلة، لا تُصدر إنذاراً إلا نادراً، والهجوم منها مستحيل.

وربما يعود ذلك أيضاً إلى قلة زوار الفناء، فلو شوان نادراً ما يغادر منزله منذ وصوله إلى هذا العالم، وبالتالي قلّت فرص تفعيل الدمية.

رمقها بنظرةٍ ضجر، ثم حرّك يده لتتجمع طاقة روحية خفيفة في الهواء، تشكّلت منها أمطارٌ روحية دقيقة تسقط على أعشاب اليراع وشجر الخسوف، فتغمرها بالصفاء والحياة.

بفضل مطر الروح هذا، ازدادت النباتات خضرةً ولمعاناً، وراحت تتمايل بأناقةٍ تحت الندى المتلألئ.

كانت هذه هي **تقنية مطر الروح**، وهي مهارة أساسية لكل مزارع نباتات روحية، تمكّنه من دمج طاقته في بخار الماء لتغذية النباتات وضمان نموها السليم.

وبينما كان يروي نباتاته، لاحظ شيئاً غير مألوف:
“همم؟ هذه العشبة وصلت إلى مرحلة النضج!”

كانت نقاط الضوء البيضاء على أوراقها تتلألأ باستمرار كأنها ستتساقط في أي لحظة.

عاد لو شوان مسرعاً إلى داخل البيت، وأخرج صندوقاً من اليشم الأبيض، ثم اقتلع العشبة بعناية ووضعها بداخله.

فالصندوق المصنوع من اليشم يساعد في الحفاظ على الطاقة الروحية داخل النبات ويؤخر تلاشيها.

لكن ما أثار انتباهه هو شيء آخر:

عندما أغلق الصندوق، لاحظ في موضع العشبة المقتطفة كرةً من الضوء الأبيض بحجم الكف، تشع بوميضٍ ناعم ينبثق منه بريقٌ روحيّ متلألئ.

مدّ لو شوان يده بفضولٍ ولمس الكرة برفق.

وفور ذلك، انطلقت منها نقاط ضوءٍ لا تُحصى، اندفعت نحو راحته، ودوّى في ذهنه صوتٌ خافت كأنه وُلد من أعماق روحه:

**”تم حصاد عشبة يراعٍ روحيّة، وتم الحصول على ثلاثة أشهر من التقدّم في الزراعة.”**