الفصل 259
علي أن أتظاهر… لأن هذا الكون مخيف للغاية - الفصل 259
الفصل 259: التبصّر الأول في الفضاء، نزول العظيم
«تم تأكيد الأمر، جارٍ التنفيذ»
انحنت شوانجي أمام لين يي، ثم اختفت
على مدى العامين الماضيين، جرى إيصال شتى الكنوز التي أهداها له إخوته وأخواته الكبار عبر قنواتٍ مؤمّنة تباعًا
وكان مكوك الهروب بظلّ الفراغ — وهو أمرٌ حاسم لفهم قانون الفضاء — ضمنها بطبيعة الحال، وقد أُرفق بدليل استخدامٍ مفصّل
شرح الدليل بوضوح كيفية تفعيله، وكيفية توجيه الوعي للتجوّل، والآثار التي يمكن أن يحققها، مثل «اختبار خفايا قانون الفضاء اختبارًا حدسيًا» و«خفض حاجز الدخول بدرجة كبيرة»
غير أن الدليل استخدم كلمة «قصير» فحسب لوصف مدة تجوّل الوعي
بالنسبة للآخرين، كان هذا الوصف كافيًا؛ فسواء كانت ساعةً أم يومًا، لا فرق كبيرًا
لكن بالنسبة إلى لين يي، كانت كلمة «قصير» مبهمة جدًا
كانت خطته الأصلية أن يفعّل بالتزامن «طاقة الاستبصار الروحية» المتراكمة في بحر وعيه أثناء استعمال مكوك الهروب بظلّ الفراغ، كي يعظّم الأثر النفيس لتجوّل الوعي إلى أقصى حد
ولولا الندرة الشديدة وارتفاع ثمن كنوز الفهم المرتبطة بقانون الفضاء — ما يجعل الحصول على ثانيةٍ في وقت قصير أمرًا عسيرًا حتى مع ثروته الحالية — لكان لين يي أراد تكديس كنزٍ آخر لنيل استبصارٍ أعمق
وبما أن كنوز قانون الفضاء متعذرةٌ مؤقتًا، فقد بات استخدام «طاقة الاستبصار الروحية» يتطلّب تحكمًا دقيقًا في مدتها
فإن كانت مدة تجوّل الوعي لمكوك الهروب بظلّ الفراغ قصيرة جدًا مع استهلاكٍ مفرط لطاقة الاستبصار، فسيكون ذلك إهدارًا
وعلى العكس، إن لم تنتهِ مدة تجوّل الوعي بعدُ، لكنها استنفدت طاقة الاستبصار الروحية، فسينخفض الأثر كثيرًا، لذا كان تحديد معنى «القصير» هنا أمرًا بالغ الأهمية
قبل ترقية شوانجي، حاول لين يي مرةً أن يجعلها تسترجع هذه المعلومات، لكن فيضان البيانات جاوز قدرة معالجتها وقتذاك، وحتى لو أُجبرت على ذلك لاحتاج الأمر إلى زمنٍ كبير يعرقل معالجة شؤونٍ أخرى
لذلك اضطر لين يي وقتها إلى العدول، فانصرف إلى الزراعة الروحية مع مواصلة تكديس طاقة الاستبصار، منتظرًا ترقية شوانجي بصبر
وكما هو مأمول، لم تُخيّب شوانجي الآمال؛ فبينما كان يفكر، كانت تغذيتها الراجعة قد وصلت بالفعل
«سيدي، اكتمل الاسترجاع. سجلات تجارب الاستخدام العامة بخصوص «مكوك الهروب بظلّ الفراغ» نادرة نسبيًا، وهو ما يتسق مع نفاستِه وكونه يُستهلك مرة واحدة. خُلّصت سبعة عشر معلومة صالحة»
«تُظهر المعلومات الشاملة أن مدة تجوّل الوعي ترتبط إيجابيًا — بدرجةٍ ما — بقوة الروح لدى المستخدم وبألفته مع قانون الفضاء، لكن مدى التقلّب ليس كبيرًا. الغالبية الساحقة من السجلات — وتشمل مرتبة دوّامة النجوم حتى مستوى نطاق النجوم العادي، ولدى عرق البشر وعرق الأرواح وعرق الدروع الصخرية وغيرها — تُشير جميعها إلى تمركز المدة في نطاق 4 إلى 5 دقائق»
«وذكرت تجارب متفرقة قليلة أنه إن استُخدم أثناء تحليق السفينة بالالتواء الفضائي، وباستثمار التموجات الخفيفة لقانون الفضاء التي يولدها التحليق نفسه ومزامنتها مع البيئة، فقد يعزز ذلك عمق وثبات إدراك الوعي بنحو 3 إلى 5 بالمئة، لكن أثره على المدة ضئيل»
«4 إلى 5 دقائق»
أومأ لين يي قليلًا علامة الفهم
كان هذا أقصر قليلًا مما توقع؛ إذ كان يخشى أصلًا ألّا تكفي طاقة الاستبصار الروحية التي راكمها طَوال أكثر من ثلاث سنوات
والآن بدا أنه لا حاجة إلى مزيد من الانتظار
«الوقت الآن مناسب»
نهض لين يي وغادر غرفة الزراعة، ثم بحث عن أورليا التي كانت تتولى شؤون فرقة المرتزقة
قال لها باقتضاب مبيّنًا السبب: «يا أورلي، عليّ أن أخرج قليلًا لأحاول فهم قانون الفضاء بينما السفينة في التحليق بالالتواء»
ظهرت على وجه أورليا أمارات قلق حين سمعت ذلك «يا قائد، هل تحتاجين أن أرافقكِ حارسةً؟»
لم يكن لين يي قد فكّر بوجود أورليا كحارسة، إذ سيكونان قرب الحصن ولن يستغرق الأمر طويلًا
لكن ما دامت أورليا عرضت، فلم ينوِ لين يي الرفض
«لا بأس» أومأ لين يي «هذه المرة الهدف أساسًا استخدام «مكوك الهروب بظلّ الفراغ» الذي أهداني إياه الأخ الكبير سابقًا. لن تستغرق طويلًا، فلننطلق الآن»
وقفت أورليا فورًا «حسنًا»
وبعد لحظات، صعد الاثنان سفينة لين يي الخاصة «الوامض»
انزلقت السفينة بهدوء خارج الميناء الفضائي الهائل لحصن مقرّ قيادة فيلق الحدود، كقطرة ماءٍ تمتزج في بحرٍ عميق، من غير أن تسترعي أي انتباه
وبعد الابتعاد مسافة معلومة عن نطاق رقابة الحصن، أصدر لين يي أمره «فعّلي نمط التخفي الأعلى، وأقصى استطاعةٍ لمستشعرات الخارج كافة، وراقبي أي تموجات مكانية أو إشارات طاقةٍ غير طبيعية ضمن 0.1 سنة ضوئية»
«تأكيد الأمر. فُعّل نمط التخفي، ومصفوفة المستشعرات تعمل بأقصى طاقة» أجاب نظام ذكاء السفينة
«الهدف: إحداثيات عشوائية، اضبطي ملاحة الالتواء، الرتبة: سرعة تجوالٍ قياسية»
«حساب المسار… اكتمل الحساب. عدّ تنازلي لتشغيل محرك الالتواء: 3، 2، 1…»
وما إن انتهى العدّ حتى غُلّفت السفينة بفقاعة الالتواء بدءًا من المقدّمة
ثم اهتزّ «الوامض» قليلًا، وبدا الفضاء أمامه كأنه ينحني برفقٍ بيدٍ خفية، وبدأ الضوء يتشوه، وامتدت النجوم خيوطًا لامعةً ملوّنة
«سيدي، دخلت السفينة تحليق الالتواء بثبات. البيئة المكانية المحيطة مستقرة، ولم تُرصد أي إشارات تعقّب أو شذوذ»
جاء صوت شوانجي في اللحظة المناسبة
«حان الوقت»
أخذ لين يي نفسًا عميقًا. أولًا غاص بوعيه في حيّز الضباب البنفسجي، وقفل بدقة على قدرٍ من طاقة الاستبصار الروحية يكفي نحو ست دقائق
ثم أخرج مكوك الهروب بظلّ الفراغ
وكما ورد في التعليمات، كثّف خيطًا من قوة الروح وتلطف في استكشاف البقعة الداكنة الدقيقة في نواة المِدالية. وفي الوقت نفسه، جذب بقوة طاقة الاستبصار الروحية التي كان قد قفَل عليها مسبقًا
ثم، وبهمهمةٍ واهنةٍ تكاد لا تُسمع، تحوّل مكوك الهروب بظلّ الفراغ فجأة إلى توهّجٍ فضيٍّ لطيف، فغمر جسد لين يي كله
وفي اللحظة التالية، شعر لين يي كأن قوةً لينةً لكنها جبّارة «دفعت» روحه بهدوء خارج جسده المادي
تحوّل وعيه إلى ذرة غبارٍ لا تُدرك، التحمت بذلك الخيط النقي من قوة أصل الفراغ الذي نُزع وثُبّت، وامتزجت ببنية الفضاء لتحليق الالتواء خارج السفينة
في البداية، لم يحسّ لين يي في وعيه سوى فوضى لا متناهية وأنهارٍ من الضوء، وتموّجات مكانية كفيلة بتمزيق الروح
ولولا حماية قوة أصل مكوك الهروب بظلّ الفراغ، وكون طاقة الاستبصار الروحية تثبّت ذهنه، لضلّ طريقه في الحال
ثبّت لين يي ذهنه جاهدًا، محاولًا التكيّف
ثم، بدءًا من الدقيقة الثانية تقريبًا، أحسّ أن الفوضى تنحسر تدريجيًا، وأن خفايا عميقة بدأت تتبدّى
وبتعضيدٍ مزدوج من طاقة الاستبصار الروحية ومكوك الهروب بظلّ الفراغ، شرع إدراكه ينفذ إلى ما وراء السطح، «فيرى» «الهيكل» الخفي الذي يسند وجود الفضاء
كان شبكةً مؤلّفة من عددٍ لا يُحصى من رُموز قانون الفضاء الفضية الأساسية، تتولّد وتتلاشى بلا انقطاع
و«سمع» دويًّا خفيضًا لتمدّد الفضاء وانضغاطه تحت دافع الالتواء، وهو إيقاع القوانين
المسافة، والبعد، وثبات البنية. هذه المفاهيم المجرّدة سابقًا باتت كياناتٍ ملموسة يسهل إدراكها حدسيًا
ومع انقضاء الدقائق، كان أصل مكوك الهروب بظلّ الفراغ يُستنزف بلا توقف، وفي الوقت نفسه بلغ تجوّل الوعي ذروته
ولم يعد وعي لين يي إدراكًا سلبيًا، بل صار يقترب من بنية تلك الرُّموز القانونية ويحلّل طريقة جريان الطاقة فيها
شعر كأنه قد لامس بنفسه «نسيج» الفضاء، وفَهِم لماذا يستطيع تحليق الالتواء مجاوزة سرعة الضوء — فليس هو تعظيمًا للسرعة بحدّ ذاته، بل «خِدعة» ماكرة للفضاء تقصّر المسافة الواقعية التي ينبغي قطعها
انهمرت على روحه أسرارٌ لا تُحصى عن الفضاء كالموج، فاستوعبها سريعًا وفهِمها
قفز فهمه لقانون الفضاء من الصفر قفزًا صاروخيًا
1%… 3%… 6%… 9%…
وبينما كان إدراك تجوّل الوعي في أقصى درجات نشوته، بدأ التوهّج الفضي الذي يغمر وعي لين يي يخفت بسرعة ويضطرب
لقد أوشكت طاقة مكوك الهروب بظلّ الفراغ على النفاد
وسرعان ما انقطع حالُ تجوّل الوعي فجأة
جعل شعورُ سحب الوعي قسرًا إلى الجسد المادي لين يي يحسّ كأنه يهوي من ارتفاعٍ شاهق، ومعه دوارٌ شديدٌ وفراغ
لكن، وإن كانت مدة مكوك الهروب بظلّ الفراغ قد انقضت، فقد بقيت دقيقةٌ واحدة من الاستبصار
استثمر لين يي هذه الدقيقة المتبقية بإحكام، فقبض على أوضح وأعمق ما حصّله من فهمٍ للقانون في اللحظات الأخيرة من تجوّل وعيه
وانهمك يستنتج ويحلّل ارتكازًا إلى بنى الرُّموز القانونية وإيقاعاتها المنقوشة خلال المرحلة المتأخرة من تجوّل الوعي
كانت تلك الدقيقة المتبقية من «طاقة الاستبصار الروحية» تتمطّى بلا نهاية في إحساس لين يي
وفي كل لمحة، كانت ومضة إلهامٍ جديدة تتألّق، فتعمّق فهمه للفضاء
ولمّا تبدّدت آخر نفحة من «طاقة الاستبصار الروحية»، فتح لين يي عينيه بغتة. وفيهما بدا وكأن عددًا لا يُحصى من الرُّموز الفضية الدقيقة يومض ويتدفق، وولِد تلقائيًا إحساسٌ لطيفٌ بالتحكم في «المسافة» و«البعد»
وبمحض فكرة، اختفى قلمٌ على الطاولة أمامه بصمت، ثم ظهر في الطرف الآخر من المقصورة في اللحظة التالية. جرى ذلك كله من غير أي تموّج طاقي، كأنه كان هناك منذ البداية
«قانون الفضاء»
ركّز لين يي وشعر به، ثم ارتسمت أخيرًا ابتسامة رِضًا على وجهه
اثنا عشر بالمئة
أعلى بكثير مما اتفق عليه مع الأخ الكبير
لقد حقّق الجمع بين تحليق الالتواء والاستبصار نتائج فاقت التوقع
وبعد بلوغ الهدف المحدّد، لم يتعجّل لين يي محاولاتٍ أخرى. كبَح حماسته في قلبه، وأمر «الوامض» بفضّ تحليق الالتواء والعودة إلى الحصن
ويلزمه لهذا الفهم الأولي زمنٌ للترسيخ والتثبيت، وليس هذا مكانًا صالحًا للإطالة
وسرعان ما عاد لين يي بسلام إلى حصن مقرّ قيادة فيلق الحدود. ثم عبّر عن امتنانه لأورليا وأخبرها بحماسٍ أنه جنى مكاسب جمّة
غير أن لين يي لاحظ أن أورليا لم تُبدِ دهشة، كأن الأمر تحصيل حاصل
وإذ لم يرَ التعابير المصدومة التي توقّعها، عاد إلى غرفة الزراعة وهو يشعر بخيبةٍ خفيفة
جلس يتأمل أولًا ليعافي كمّ الطاقة الذهنية الكبير الذي استُهلك خلال تركيزه الشديد في الاستبصار
وما إن عاد مزاجه الذهني إلى ذروته وسكنت نفسه تمامًا، حتى أرسل طلب اتصالٍ إلى أخيه الكبير عبر الشبكة الافتراضية
واستُجيب الطلب سريعًا
«أيها الأخ الكبير»
حمل صوت لين يي احترامًا
«أيها الأخ الصغير»
جاء صوت سوبريسِنغ بريزن الرصين «ما الأمر؟»
أبلغ لين يي بصوت عميق «أيها الأخ الكبير، لقد أدّى الأخ الصغير مهمته ولم يخيّب الآمال، وأتمّ العهد بنجاح. والآن لم يبلغ مجالي المرحلة الثانية فحسب، بل إن فهمي لقانون الفضاء وصل أيضًا إلى 12%»
ساد صمتٌ لحظةً في الطرف الآخر من الاتصال
ثم انبعث صوت سوبريسِنغ بريزن ثانيةً، وما زال هادئًا
«أوه؟ هذا أسرع بكثير من المتوقع. حسنًا جدًا»
ثم توقّف، وسأل مباشرة
«أيها الأخ الصغير، أين موقعك الآن؟»
موقعي
ارتجّ قلب لين يي خفقةً
مغزى الأخ الكبير… أيمكن أن…
ولم يجرؤ على التراخي، فأجاب للحال بصدق «ردًا على الأخ الكبير، الأخ الصغير الآن في حقل النجوم كي-77، في حصن مقرّ قيادة فيلق الحدود 93,778 لجيش حدود النجوم»
«حسن»
أجاب سوبريسِنغ بريزن بكلمة واحدة فقط
ثم قُطع الاتصال بحسم
بعد دقيقتين، خارج الحصن، في أغوار الكون الشاسعة والباردة، ظهرت هيئة من العدم
لم يتعمّد سوبريسِنغ بريزن إخفاء حضوره
ولذلك، ما إن ظهر حتى أطلق مصفوف الدفاع المركب بعيد المدى جدًا في حصن مقرّ القيادة — القادر على مراقبة حقل النجوم كي-77 كاملًا — أعلى مستوى من الإنذار في الحال
«تحذير! رُصد تجمّع طاقة فائق الارتفاع على مسافة 0.003 ثانية ضوئية خارج الحصن»
«تقلّبات مستوى الطاقة… التقدير… رتبة الروح الأبدية»
«التحقق القسري لإشارة تعريف صديق/عدو… جارٍ التحقق… تم! المعرّف: عِرق البشر! تحقق الهوية: تم! الهوية: سرّي للغاية»
«أعلى مستوى إنذار! نكرر، أعلى مستوى إنذار! عظيمٌ أبديٌّ من بني البشر قد وصل إلى منطقة الدفاع»
دوّت صفاراتٌ حادّة وتنبيهاتٌ إلكترونية باردة بجنونٍ في مركز قيادة الحصن
وما إن تلقّى الجميع المعلومات حتى تبدّلت وجوههم على الفور
عظيمٌ أبدي
بالنسبة لمعظم الجنود المرابطين على الحدود، هذا عمودٌ أسطوري يسند مجال البشر، ملحمةٌ حيّة، وقد لا يظفر الواحد منهم برؤيته طَوال عمره
وها هو كيانٌ كهذا قد حلّ فجأة في هذا الحصن الذي ليس نواةً استراتيجية
«أسرعوا! أخطروا الجنرال فورًا»
«فريق الاستقبال، هلمّوا معي للترحيب به»
تحرّك روجر بسرعةٍ هائلة. وبصفته القائد الأعلى للحصن، كبَح الأمواج المتلاطمة في قلبه وأصدر سلسلةً من الأوامر حالًا. وفي الوقت نفسه تحوّلت هيئته إلى خط ضوء، فانطلق خارج الحصن أولًا، وتبعه عن قربٍ عدةُ جنرالاتٍ رفيعي المستوى
كان عليهم أن يُبدوا الاحترام لعظيم البشر فورًا، حتى لو كانوا يعلمون أن الطرف الآخر قد لا يُعير ذلك أي اهتمام
غير أنه حين بلغوا الإحداثيات المعروضة في الإنذار بأقصى سرعة، لم يجدوا سوى فسحةٍ فارغةٍ من السماء المرصّعة، كأن تفاعل الطاقة الفائق السابق لم يكن إلا سرابًا
ولم يثبت أن الكيان قد توقّف هناك برهةً إلا توهّجُ ما بعد القوانين المتبقّي، والذي جعل أرواحهم ترتجف قليلًا
في تلك اللحظة عينها التي ظهر فيها سوبريسِنغ بريزن بجانب الحصن، قفل على موقع لين يي. ثم تجاهل طبقات الحواجز المادية والطاقية للحصن، وخطا إلى الداخل مباشرة
داخل غرفة الزراعة
لمس لين يي الفضاء المحيط يَموُج بلطف كالماء
وفي اللحظة التالية، وقف ذلك الطيف المهيب المألوف صامتًا أمامه
كان لا يزال يرتدي الرداء القاتم الذي بدا كأنه منسوج من شظايا الظلال والنجوم. لم تكن هيئته طويلة، لكنه بدا مركزًا مطلقًا وركنًا أساسًا للمكان كله
لم يجلب قدومه ضغطَ ريحٍ ولا صدمة طاقة، لكن طاقة الكون الفاعلة في غرفة الزراعة غدت أليفة على الفور، تسري من حوله من تلقاء نفسها، لا تتجاوز الحدّ قيد أنملة
«أيها الأخ الكبير»
انقبض قلب لين يي سريعًا، وانحنى بتحية
ومع أنه توقّع أن يتحرّك أخوه الكبير، فلم يتوقع قط أن تكون أفعاله بهذا القدر من المباشرة والسرعة
ثانيةً يحدّثه عبر نطاقاتِ نجوم، والثانية التالية يحضر جسده الحق
أهذه قوة عظيمٍ أبدي يسيطر على قانون الفضاء
وقعت عينا سوبريسِنغ بريزن على لين يي
لم يتبادل المجاملات، ولم يسأل عن التفاصيل، بل تكلّم مباشرة
«أرِني بصمة قانون الفضاء»
كلام موجز ومباشر
شدّ لين يي عزمه، عالمًا أن هذه اللحظة هي الأشد حساسية
فزيارة الأخ الكبير بنفسه كانت بوضوحٍ للتحقق الشخصي من مدى فهمه لقانون الفضاء، وهو أمرٌ يتعلّق بتنفيذ اتفاق انتقال المنظومة النجمية
ولم يجرؤ لين يي على التواني
عدّل أفكاره قليلًا، وكبح بقوة رهبةً فطريةً وتوترًا من مواجهة جسدِ عظيمٍ أبدي للمرة الأولى، وركّز كل انتباهه في فهمه لقانون الفضاء
ثم رفع لين يي يده اليمنى ببطء، وجمع السبّابة والوسطى، ورسم خطًا خفيفًا في فراغٍ أمامه
لا ضوء باهر، ولا تموّجات طاقةٍ عنيفة
غير أنه على الأثر، بدا الفضاء نفسه على امتداد خطّ أصابعه كأنه أُعطي قوامًا، كأرقّ حريرٍ قُطع بنصلٍ حاد
ظهر أثرٌ رفيع بطول نحو 30 سنتيمترًا بهدوء
لم يكن هذا الأثر مجرّد تشوّه ضوئي أو بقايا طاقة
بل قدّم نسيجًا غريبًا من «اللاشّيء»، كأن لا شيء هناك، ومع ذلك بدا كأنه يحوي خفايا الفضاء كلها
وعلى حواف الأثر، ومضت رُموز فضية دقيقةٌ جدًا كأنها كائناتٌ حية، تُظهر على الدوام الخصائص الأساسية للفضاء مثل «الطَيّ» و«الامتداد» و«الاستقرار»
لم يكن ساكنًا، بل كان يلتئم ببطءٍ من تلقاء نفسه، غير أن سرعة الالتئام أبطأ بكثير من قدرة الفضاء العادية على الإصلاح الذاتي
والأعجب من ذلك أن «بصمة الفضاء» هذه بحدّ ذاتها بعثت إحساسًا لطيفًا لكنه واضح بالحضور. كانت مستقلةً عن الفضاء المحيط، كأنها شريحةٌ مصغّرة من بُعدٍ بديلٍ مُضمّنة في الواقع
وقد أثّرت في الضوء القريب فأحدثت انحرافاتٍ طفيفة، وحتى سريان الطاقة المستقر في غرفة الزراعة كان يعتريه تباطؤٌ لا يكاد يُلحظ وانحرافٌ حين يمر بقربها
تلك هي بصمة القانون التي لا تُنال إلا بعد أن يبلغ الفهم مرتبة دوّامة النجوم
تأمل سوبريسِنغ بريزن بهدوء بصمة الفضاء الآخذة في الالتئام ببطء، وتوقّف بصره لحظة على الرُّموز الفضية اللامعة عليها، ثم أومأ قليلًا
«جيّد جدًا»
نطق كلمتين فقط، لكن لين يي شعر بأن الفضاء الذي تجمّد خفيًا من حوله عاد يتدفّق في اللحظة نفسها
تنفّس لين يي الصعداء فورًا. لقد علم أنه اجتاز تحقق الأخ الكبير
ثم عاد بصر سوبريسِنغ بريزن إلى لين يي، وهذه المرة بشيءٍ من الاستحسان الواضح
«استعدّ»
قال بفتور
«بعد ثلاثة أيام، سننقل المنظومة النجمية. وسآتي لاصطحابك حينها»
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.