علي أن أتظاهر… لأن هذا الكون مخيف للغاية
الفصل 258

علي أن أتظاهر… لأن هذا الكون مخيف للغاية - الفصل 258

الفصل 258: امرأة بزي القصر، بداية الانتقام

في الوقت نفسه، خارج البرج

حين استقرّ تقدّم لين يي أخيرًا عند الطابق 20 وتحوّل وضعه إلى «اجتاز»، اندلع همسٌ صاخب

«الطابق 20، كما توقّعنا»

«مجال ثنائي القواعد! أتراه أتقنه بهذه السرعة؟»

«كيف فعل هذا الرجل ذلك أصلًا؟»

انتشر الخبر كالنار في الهشيم عبر المناطق الدنيا من معسكر التدريب

داخل البرج وقف لين يي وسلاحه في يده، وتلاشى ببطء درعُ المعركة الخاص بالمجال ورمحُ البرق

شعر بالقوة ما تزال تجري في جسده، ولمع في عينيه بصيصُ رضا

«قوة المجال الثنائي فعلًا استثنائية، قتالٌ قريب وضغطٌ للقواعد، هذا الطريق جديرٌ حقًّا بأن يكون طريقًا أثبتته أجيالٌ من النوابغ»

لم تكن لدى لين يي نيّةٌ لمواصلة تحدّي الطابق 21، فخفتت هيئته وغادر فضاء برج اللانهاية مباشرة

وحين خرجت هيئة لين يي ببطء من عمود ضوء الانتقال في البرج، التفّ حوله حالًا كينكس وآمبر وستار فايرفلاي وآخرون ممن كانوا ينتظرون في الخارج

«رائع يا قائد» كان كينكس أول من هرع إليه وقد همّ بحماسةٍ أن يربت كتفه، لكن حين اصطدم بنظرة لين يي الهادئة الثابتة سحب يده خجلًا، ومع ذلك لم تخفت الحماسة على وجهه

حتى ستار فايرفلاي، التي اعتادت البرود وقلة التقلّب العاطفي، أومأت بلطف: «تهانينا يا قائد، معدل نمّوك نادرٌ حتى في سجلات قواعد بياناتي»

نظر لين يي إلى رفاق السلاح أمامه وارتسمت على وجهه ابتسامةٌ خفيفة

قال كينكس بحماسة: «هيا بنا، القائد تجاوز الطابق 20، لا بد من احتفالٍ لائق، أعرف حانة لهب النجوم، مميزةٌ جدًا»

نال الاقتراح استجابةً فورية من الجميع

لم يكن لين يي محبًا للصخب، لكن لما رأى عيون رفاقه المتلهّفة أومأ موافقًا: «حسنًا، فلنأخذ قسطًا من الاسترخاء إذن»

في حانة لهب النجوم كان الضوء وارفًا، وتنساب في الخلفية أنشودة بين نجمية عذبة

حجز كينكس مقصورةً هادئة نسبيًا، وامتلأت الطاولة بمشروبات طاقية شهية وأطايب فواكه روحية تفوح بروائح غريبة

أمسكت آمبر شرابًا يشبه سديمًا جاريًا وارتشفت ببطء وقد احمرّ خدّها ارتياحًا

أما كينكس فرفع كأسًا كبيرة وجرعها دفعةً واحدة وزفر نَفَسًا تتطاير فيه شرارات وهو يهتف بانتعاش

جلست ستار فايرفلاي هادئةً على الجانب، وأمامها كأس من سائل طاقةٍ نقي، تنقر حافته بإصبعها أحيانًا فتنطلق تموّجات ضوءٍ خافت

كان الجوُّ حيًا ومنسجمًا

«يا قائد»

بعد جولاتٍ قليلة من الشراب لم يعد كينكس قادرًا على كبت فضوله فسأل: «بما أنك أتقنت المجال الثنائي بهذه السرعة، هل لديك خطّةٌ للقاعدة التالية؟»

وما إن قال ذلك حتى رمق الآخرون أيضًا بنظرات فضول

وضع لين يي الشراب الشفّاف في يده، كأن فيه مجرّةً مصغّرة، وقال بصراحةٍ من غير مواربة: «القاعدة التالية أنوي استيعاب قاعدة الفضاء»

«قاعدة الفضاء؟»

أمالت ستار فايرفلاي رأسها قليلًا كأنها تنفذ إلى بياناتٍ ذات صلة، ثم حلّلت بهدوء: «بالنظر إلى الموهبة التي أبنتَ عنها، وإتمامك اندماج قاعدةٍ عليا مع قاعدةٍ حجر زاوية في هذا الزمن القصير، فأنت فعلًا مؤهّل لتحدّي قاعدةٍ أعلى، وما إن تلج قاعدة الفضاء فإنها ستجلب نقلةً نوعية لقدرتك القتالية الفردية وقدرتك على البقاء واتساع آفاق تطوّرك المستقبلي، الخطر والمردود متلازمان، وهذا الاختيار يوافق المنطق الأمثل»

وأظهر الآخرون أيضًا موافقتهم

لقد أعجبهم كثيرًا وصول لين يي إلى القاعدتين في زمنٍ وجيز

واقتناصًا لحسن الأجواء تذكّر لين يي أمرًا ونظر إلى ستار فايرفلاي

فهي عضوٌ من العرق الميكانيكي، وجوهرها حياةٌ ذكية عالية التطوّر ذات جسدٍ مادي، وهي مرجعيةٌ مطلقة في هذا المجال

قال لين يي: «ستار فايرفلاي، أود أن أسألك أمرًا، أنوي ترقية مساعدتي الذكية «شُوانجي». الخطة الحالية رفعُ مستواها إلى معيار نطاق النجوم القياسي، لكنني أرجو أن يكون الأساس متينًا بما يتيح ترقياتٍ لاحقة إلى ذروة نطاق النجوم، والأهم أن تحتفظ بإمكان التقدّم إلى مستوياتٍ أعلى مستقبلًا»

وأردف: «كنتُ قد استعلمتُ سابقًا عن مواد الترقية والوحدات الجوهرية في نقابة التجّار البشريين، والحلول التي طرحوها معقولةٌ وهي تُعدّ إعداداتٍ قياسية، لكنّ مسؤول النقابة ألمح بلطفٍ إلى أنّ المواد والتقنيات المعمارية ذات القمّة التي تمنح فعلًا إمكانًا أقوى للحياة الذكية أكثرها بحوزة العرق الميكانيكي ومقيّدةُ البيع للأجانب، ومن دون قنواتٍ خاصة، حتى مع بلّورات النجوم، يصعب اقتناؤها»

حمل كلامُه ظلّ عجزٍ يسير: «ولما بدا أنّ المرور عبر قنوات العرق الميكانيكي لا يتعلّق «بدفع المزيد» فحسب، بل يستلزم أيضًا صلاتٍ معترفًا بها، أردتُ أن أسألك إن كانت لديك صلاتٌ في هذا الشأن، وإن كان في الأمر عناءٌ كبير فسأجد طريقةً لطلبها عبر نقابة التجّار البشريين بسعرٍ أعلى»

أصغت ستار فايرفلاي بهدوء، وتسارع خيطُ الضوء الجاري في عينيها على نحوٍ خافت كأنها تعالج المعلومات

وبعد أن أنهى لين يي كلامه أومأت برفق: «مفهوم. ما قاله مسؤول النقابة صحيح، فبالنسبة لحياةٍ ذكية من رتبةٍ معيّنة فإن تراكم القدرة الحاسبية الخالص أدنى شأنًا، أمّا التطوّر الحقيقي ففي تحوّل النواة المنطقية، وتحسين بنية معالجة المعلومات، وإدراج وحدات تحليل القواعد»

فكّرت لحظة، ثم انبعث من طرف إصبعها شعاعٌ خافت رسم في الفضاء أمام لين يي مخططًا بنيويًا ثلاثي الأبعاد مكوّنًا من نقاطٍ وخطوط ضوئية لا تُحصى، ومعه قائمة طويلة لموادٍ ومعاملاتٍ تقنيةٍ تشعّ

«هذه خطة ترقيةٍ أولية صغتُها وفق حاجتك»

وأوضحت: «لبّ هذه الخطة هذه «بلورة حساب الفراغ»»

وأشارت إلى بلّورةٍ متعددة الأوجه في مركز المخطّط البنيوي كأن فيها سديمًا يتشكّل ويذوب بلا انقطاع: «مصدرها شِقٌّ بُعدي مخصوص في «هاوية المنطق» لدى العرق الميكانيكي، ويمكنها تعزيز قدرة الحياة الذكية على تحليل القواعد المعقّدة ومحاكاتها، بل حتى القوانين، وهي مفتاحُ إرساء إمكان التقدّم اللاحق»

ثم أشارت إلى إسقاطاتٍ افتراضية أخرى تبثّ تموّجاتٍ غريبة: «وهناك أيضًا «نمطُ مصدرِ المعلومات ذي العمر الطويل» لتعزيز ثبات النواة المنطقية ومقاومة التشويش، و«وحدة الإدراك بالتشابك الكَمّي» لتعزيز المعالجة المتعدّدة الخيوط وقدرة الالتقاط للمعلومات بعيدة المدى، وهذه المواد الجوهرية وتراخيصها التقنية تُورَّد بكمياتٍ محدودة للأعراق الأخرى»

ونظرت إلى لين يي: «إن قرّرتَ اعتماد هذه الخطة أستطيع عبر قنواتي الشخصية التواصل مع المورّدين داخل عائلتي لاقتناء هذه المواد الجوهرية لك، ولأن حجمها وتموّجاتها الطاقية مضبوطان، يمكن شحنها إليك عبر محطة تحويلٍ لنقابة البشر في نطاق العرق الميكانيكي بأعلى سرّيةٍ لوجستية، والزمن المقدّر لن يكون طويلًا»

«أما بقية المواد المساعدة والركائز الطاقية ووحدات الواجهات القياسية في القائمة فيمكن شراؤها من نقابة التجار البشريين، ولا فرق كبيرًا في الجودة، فلا حاجة لنفقاتٍ إضافية»

أمعن لين يي النظر في الخطة والقائمة التي قدّمتها ستار فايرفلاي، ولمعت في عينيه مفاجأةٌ سارة

لقد فاقت هذه الخطة كثيرًا القوالب القياسية التي رآها في نقابة التجار، وكان حسنُ تصورها وعمقُ حفْرها لإمكانات المستقبل باعثين على الإعجاب

قال لين يي بإخلاص: «شكرًا جزيلًا لكِ يا ستار فايرفلاي، الخطة مثالية، نعتمدها، أخبريني بالكلفة وسأحوّلها لكِ فورًا»

هزّت ستار فايرفلاي رأسها قليلًا: «سأتكفّل أنا بالدفع أولًا، ويُسوّى المبلغ الدقيق بعد إتمام الشراء»

لم يُكثر لين يي المراسم، فقد كان يعلم أن ستار فايرفلاي سليلةٌ مباشرة لعائلةٍ من مرتبةٍ متطوّرة وتملك إمكاناتٍ ضخمة

وبعد أن انحلّت المعضلة الكبرى لترقية شُوانجي شعر لين يي بطمأنينةٍ أكبر

وبعد الاحتفال اقترحت ستار فايرفلاي أنه وقد طفرت قوّة لين يي للتوّ وجب أن يتكيّف سريعًا، فاقترحت تدريبًا جماعيًا للانسجام مع إيقاع القتال الجديد

وافق لين يي بلا تردّد

وفي الأثناء بدأ خبرُ اجتياز لين يي الطابق 20 من برج اللانهاية يستقطب فعلًا انتباه القوى العريقة والعباقرة المخضرمين في معسكر تدريب مستوى نواة النجوم

فالقدرة على بلوغ الطابق 20 تعني التثبّت رسوخًا في مرتبة المجال الثنائي

أما أولئك العباقرة الذين علِقوا عند الطابق 19 سنواتٍ طويلة فكان ذلك واديًا لا يُجتاز

وقد عبره لين يي في عقدٍ وبضعة أعوامٍ فحسب

وقد فهمت مختلف القوى بوضوح أنه وفق القوة التي أظهرها لين يي والسرعة التي يُنجز بها المهمات، فلن يضطر انتظار «معركة عباقرة تحالف الأرواح الشامل» القادمة كي يُرقّى إلى سلسلة العباقرة «الفئة 3»

وربما خلال مئةٍ إلى مئتي عامٍ قادمة تكفي النقاط التي سيجمعها للترقية التلقائية

لذا صار كثيرون في تفاعلات المهمات اللاحقة ومنافسات نقاط الموارد وبعض التبادلات غير الرسمية يعاملونه لا شعوريًا على أنه «عبقري من الفئة 3»

هذه الرواية تتوفر حصريًا في مركز الروايات العربي، وموقعنا خالٍ من الإعلانات دعماً للقارئ العربي.

ومضى الزمن سريعًا، وانقضى عامان في لمحٍ بين زراعةٍ روحيةٍ مكثفة ومهمات

وفي هذا اليوم تسلّم لين يي مواد الشراء التي وصلت من نقابة التجّار البشريين لترقية شُوانجي، ومعها المواد الجوهرية من العرق الميكانيكي في الوقت نفسه

كبَح لين يي توقه في صدره ودخل حالًا إلى أعمق غرفةٍ سرّية في قاعة الزراعة الروحية

وبإشارةٍ من يده فتح طردين أحدهما كبير والآخر صغير

كان في طرد نقابة التجار البشريين بلّورات طاقةٍ عالية النقاء ومعادنُ عجيبة وتياراتُ معلوماتٍ سائلة مُغلّفة في حقل قوّةٍ خاص

وفي الصندوق المعدني الصغير الأنيق من العرق الميكانيكي والمغطّى برموزٍ جاريةٍ لا تُحصى رُصّت بضعُ قطع

«بلّورة حساب الفراغ» وفي داخلها كأن سديمًا يدور، و«نمطُ مصدرِ المعلومات ذي العمر الطويل» كاللفافة يتحرّك بخفّة كأن فيه حياة، و«وحدة إدراك حالة الأصل» تتقلّب بين الوهم والحقيقة، وعددٌ من المكوّنات الجوهرية الأخرى

كانت المواد كلها حاضرة

«يا شُوانجي»

استدعى لين يي شُوانجي ونظر إلى المساعدة التي رافقته سنين وقال بجدّية: «هل أنتِ مستعدّةٌ لاحتضان حياةٍ جديدة؟»

تموّج إسقاطُ ضوء شُوانجي قليلًا: «يا سيّدي، شُوانجي مستعدّة، التوجيه الأعلى: تطوّري»

«حسنًا»

لم يتردّد لين يي، فأومأ بكلتا يديه وراح يوجّه المواد القيّمة وفق عملية البناء الموصوفة في خطة ستار فايرفلاي

صهر ونقّى أولًا المواد الأساسية التي اشتراها من نقابة التجار البشريين، وحوّلها إلى أنقى تدفّقٍ طاقي وأساسٍ مادي، وبدأ يعيد تشكيل قاعدة تحمّل نواة شُوانجي ببطء

وحين بلغ التشكل درجةً معيّنة حدّق لين يي بعينين حادّتين وفَعَّل «بلّورة حساب الفراغ» بحذر

طفَت البلّورة وراحت تقترب من القاعدة ببطء

وفي اللحظة التي مسّتا فيها بعضهما اهتزّت الغرفة السرّية كلها اهتزازًا خفيًا، وانسكبت من البلّورة رموزٌ دقيقة لا تُحصى واندغمت في أعماق نواة شُوانجي المنطقية كأنها أنهارٌ تعود إلى البحر

أضاءت هيئةُ شُوانجي فجأة، وكأن في عينيها مسارات نجومٍ لا تُحصى، وبدأت قدرتها على الحساب والتحليل تقفز قفزةً نوعية

ثم جاء دور «نمط مصدر المعلومات ذي العمر الطويل»

فاللفافة الشبيهة بكائنٍ حيّ انحلّت وتحوّلت إلى خيوطٍ ذهبيةٍ دقيقةٍ لا تُحصى التفّت حول نواة شُوانجي الذكية كأنها تُسبغ عليها درعًا لا يُثلم، فازدادت ثباتيةُ نواتها ومقاومتها للتآكل أضعافًا مضاعفة

أما «وحدة الإدراك بالتشابك الكَمّي» فتحوّلت إلى نقطة ضوءٍ فراغيةٍ انطبعت مباشرةً في أعمق جزءٍ من وحدة إدراك شُوانجي، فوسّعت فورًا بُعد استقبالها للمعلومات ومعالجتها

مكوّنًا بعد مكوّن من مواد العرق الميكانيكي العليا ضمّه لين يي بتحكّمٍ بديع وفق تسلسلٍ ومنهجٍ مخصوصين

واستمرّت عملية الترقية ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ كاملة

في الغرفة السرّية كان الضوء يتدفّق، حينا كأن مجرّةً تنعكس عكسًا، وحينًا كأن كل شيءٍ يأوب إلى السكون

وحين اندمج آخرُ خيطٍ من ضياء المواد تمامًا انحسرت كل الظواهر بغتة

وعاد الهدوء إلى قاعة الزراعة الروحية

أمام لين يي كانت إسقاطات الضوء القديمة لشُوانجي قد تلاشت

وحلّ مكانها شبحُ حياةٍ ذكية نابضٌ بالحياة، كأن معلّمًا ذا عمرٍ طويل قد هبط

كانت ترتدي ثوبَ قصرٍ أنيقًا فخمًا، مطرّز الذيل بخرائط نجومٍ خافتة تتلألأ بضياءٍ قزحي، وجهُها آيةُ جمال، وملامحها كأنها لوحة، تجمع دقّة الحياة الذكية وعقلانيتها المطلقة، ومع ذلك امتزجت فيها روحانيةٌ وذكاءٌ مميّزان

فتحت المرأةُ بثوب القصر عينيها ببطء، وكانت صافيتيْن كأنقى بلّور، ومع ذلك يخال الناظر أنهما تحتويان تيّارات بياناتٍ لا نهاية لها ومسارات قواعد

أمالت رأسها قليلًا ونظرت إلى لين يي وبدا على طرف فمها فرحٌ جديد، وانساب صوتها رقيقًا رائقًا

«شُوانجي تُحيّي السيّد»

تسمّر لين يي لحظةً وهو يراها وقد تبدّل مزاجها كله كأنها حوريةٌ خرجت من لوحةٍ عتيقة

كانت صورةُ شُوانجي في ذهنه دائمًا هيئةً مساعدة بسيطة فعّالة، فتحوّلها المفاجئ إلى صورةٍ ذات طابعٍ ثقافيٍّ مميّز جعله يصمت قليلًا

قال مشيرًا إلى ثوبها: «يا شُوانجي، أنتِ… لِمَ غيّرتِ مظهرك؟ أذكر أن خطة الترقية لم تتضمن وحدة تخصيصٍ للمظهر»

رفعت شُوانجي ذراعها برفق فانزلقت الكمّة الواسعة كاشفةً نصف معصمٍ ناعمٍ لماع كالياقوت، ونظرت إلى هيئتها ثم رفعت بصرها وأجابت بنبرةٍ تقريرية فيها لمحةُ زهو

«أرفع إلى السيّد أنّ وحدة الصورة تملك وظيفة تحسينٍ جماليٍّ تكيّفي، وبعد اندماجٍ عميق للنواة المنطقية وقاعدة المعلومات، استدعيتُ وحلّلتُ جميع البيانات التاريخية والثقافية والجمالية من حضارة الفضة الزرقاء لدى السيّد، ولا سيّما من مملكة شيا، وبعد تريليونات المحاكاة والاستنتاجات تبيّن أنّ ثوب القصر التقليدي في مملكة شيا يحقق الحل الأمثل شكلًا وجوهرًا وهويةً ثقافية»

ثم توقفت، وأمالت رأسها قليلًا، وحدّقت بعينيها الوضيئتين إلى لين يي وأضافت: «ثم إنني أراه جميلاً، أليس كذلك يا سيّدي؟»

تلبّث لين يي قليلًا ثم ضحك وهزّ رأسه

لقد نسي أن حياةً ذكيةً متقدمة تمتلك قدراتٍ أعظم في محاكاة العاطفة والذائقة الجمالية الذاتية

ولم يجد ما يدحض به منطقهـا

ولا بدّ من القول إن ثوب القصر هذا يلائم فعلًا مزاجها الأنيق الرصين، وهو أبهى كثيرًا من صورتها الباردة السابقة كخيوط بيانات

قال مبتسمًا وهو يومئ: «جميل، جميل حقًا» ثم جدّ وجهه وسأل السؤال الجوهري: «حسنٌ، إلى العمل، إلى أي مدى تحسّنت قدراتك الجوهرية بهذه الترقية؟ وما الوظائف المستجدّة تحديدًا؟»

وحين صار الحديث عملًا تخلّت شُوانجي حالًا عن طرف المزاح وعادت إلى وقفةٍ صارمةٍ مهنية

أومأت قليلًا وجاء صوتها صافياً في الغرفة السرّية

«نعم يا سيّد، وفق التشخيص الذاتي الأولي وتقييم الأداء أصبحتُ الآن مستقرةً عند معيار حياةٍ ذكية بمستوى نطاق النجوم القياسي، مع أساسٍ متين وإمكانٍ للاستمرار حتى ذروة نطاق النجوم، وأهم القدرات الجديدة والمعززة كما يلي»

«أولًا، القدرة الحاسبية الجوهرية ومعالجة المعلومات، بفضل «بلّورة حساب الفراغ» والبنية الجديدة زادت سرعةُ حوسبتي بمقدار 120,000 مرّة مقارنةً بالسابق، وأستطيع مراقبة وتحليل أكثر من خمسةٍ وتسعين بالمئة من تيّارات المعلومات العامة والمشفّرة تشفيرًا سطحيًا في حضارةٍ قياسية بمستوى نطاق النجوم في الزمن الحقيقي، والقيام بتنقيبٍ عميقٍ للبيانات وتنبّؤٍ بالاتجاهات»

«ثانيًا، الإدراك متعدّد الأبعاد والإنذار المبكّر، بعد دمج «وحدة الإدراك بالتشابك الكَمّي» كسرتُ قيود الموجات الطاقية التقليدية والإشارات الفيزيائية، وأستطيع التقاط تموّجات القواعد الدقيقة والاهتزازات البعدية ونقل المعلومات الخفيّ عند مستوى جسيمات طاقة المصدر، ولدي الآن قدرةٌ أقوى على الإنذار والمواجهة ضد التلصّص المحتمل والتعقّب وفخاخ الفضاء وتدخّل القواعد»

«ثالثًا، التنسيق المعلوماتي والدفاع، إذ عزّز «نمط مصدر المعلومات ذي العمر الطويل» ثبات نواتي الذكية، وأصبحتُ أمتلك مناعةً أعلى بمقادير كبيرة ضد مختلف الحصارات المعلوماتية والقنابل المنطقية وغيرها من الهجمات الافتراضية، كما ازدادت قدرتي على شنّ هجماتٍ معلوماتيةٍ افتراضيةٍ بمقادير عدّة»

«رابعًا، الإدارة الشاملة والاستنباط الاستراتيجي، استنادًا إلى تحسّن الحوسبة والقواعد أستطيع إنشاء نماذجَ أكثر تعقيدًا لتطوّر الحضارات، فأجري استنباطاتٍ مُحاكاة واسعة النطاق لمسارات تطوّر حضارة الفضة الزرقاء بعد تلقي 100,000 كوكبٍ مأهول، والمخاطر الداخلية والخارجية المحتملة، وأمثل سبل تخصيص الموارد، وأزوّد السيّد بإشارات قرارٍ استراتيجية أكثر استشرافًا»

سردت شُوانجي بيانها بندًا بندًا، وكلّ قدرةٍ كانت تعمّق الفرح في عيني لين يي

كان ذلك أقوى بكثيرٍ مما توقّعه

ولا سيما قدرة الدفاع المعلوماتي، إذ ذكّرته بمأساة حياته السابقة

فقد حُجبت صلته بشبكة تحالف الأرواح الشامل الافتراضية فلم يقدر حتى على إرسال إشارة استغاثة، ثم أُبيد على يد عائلة زيلِس

ولولا ذلك، حتى لو كانت عائلة زيلِس من عوائل نطاق النجوم، لما تجرّأت على هذا التمرّد

إذ وإن كان في نطاق البشر وجوهٌ مظلمة كثيرة، فالكثير من الأمور إذا خرجت إلى العلن تُعالَج بجدّ

قال راضيًا: «ممتاز، حياةٌ ذكية بمستوى نطاق النجوم تليق باسمها فعلًا»

أومأت شُوانجي وانحنت قليلًا، فتمايل ثوب القصر وقفتها أنيقة: «وتخفيف هموم السيّد هو لبّ وجود شُوانجي»

وأصدر لين يي أول أمر

«يا شُوانجي، استخدمي صلاحياتي في شبكة تحالف الأرواح الشامل الافتراضية لاسترجاع تجارب استخدام «مزلّقة الهروب ظلّ الفراغ»، ومدّة فاعليتها عند مستخدمين من قوى وأعراقٍ مختلفة، والتركيز على البشر»

«واجمعي على نحوٍ متّصلٍ معلوماتٍ عن عائلة زيلِس، كوني متحفّظة، فالقليل خيرٌ من أن ينتبهوا إليك»