الفصل 251
علي أن أتظاهر… لأن هذا الكون مخيف للغاية - الفصل 251
الفصل 251: الاندفاع نحو قانون المصدر، القاعدة الثالثة
أخيرًا، انبعث طنين غريب من أعماق عالم الفراغ البعيد جدًا، وعلى حافة المنصّة انتشرت تموّجات من عتمة عميقة، ومن مركز تلك الموجات تناهى خافتًا صوت اصطكاك الأسلحة البارد
سرعان ما خرجت هيئة من مركز تلك الموجات المظلمة
كانت ترتدي درع قتال أسود بنقوش ذهبية، طرازُه عتيق يغطّي المواضع الحيوية كلّها، والنقوش المنقوشة عليه تسري ببطء كأنها أحياء، تنضح بعراقة وصلابة صاغتهما دماء ونار لا تنتهي
لم يحجب الدرع قوامها الممشوق الطويل، بل زادها مسحة من روح البطولة
إنها الأخت الكبرى الثانية، هنغ هوان
لم يكن وجهها شديد الجمال، لكن ملامحها واضحة تحمل صلابة صقلتها المحن، وعندما تنفتح عيناها كعيني العنقاء وتُطبِقان بدا كأنهما قادرَتان على شقّ كلّ الأوهام، وحيث يقع بصرها تتجمّد للحظة حتى جداول ضوء النجوم المرح من حولها
لم تتعمّد هنغ هوان بثَّ هالتها، لكن هالة شريرة غير مرئية — كأنها آتية من جبال من الجثث وبحار من الدم — سرَت طبيعيًا في الأجواء
أطلت فبدّل هذا الظهورُ خِفّةَ «ألف أوهام» إلى شيء من التحفّظ، وفتح «كابح السجن» الذي كان يستريح مغمض العينين عينَيه مجددًا ولوّح لها إيماءة خفيفة
«الأخت الكبرى الثانية»
انحنى «الشمس الصاعدة»، و«الهاوية الشاسعة»، و«شوان شو»، و«ريشة الجليد»، ومعهم لين يي معًا
هذه الأخت التي تمثّل البشر على إحدى أخطر الجبهات تستحقّ احترام الجميع
مسحت هنغ هوان بنظرها الحاضرين، وأومأت إيماءة خفيفة تحيةً لكابح السجن وألف أوهام، ثم نظرت إلى الهاوية الشاسعة قائلة: «يا تاسع الصغار، اخترتَ موضعًا جيدًا، لقد أتعبتَ نفسك كثيرًا»
ضحك الهاوية الشاسعة: «وجود الأخت الكبرى الثانية هو ما يضيء منصّة مأدبة النجوم حقًا»
أومأت هنغ هوان قليلًا، واستقرّ بصرُها أخيرًا على لين يي
قالت: «أأنتَ لين يي»
تابعت: «ساحة المعركة المصنّفة تُعَدّ تجربة فحسب، فاقتنص الفرصة جيدًا، لأنك إن مضيت مستقبلًا إلى جبهة الهاوية فلن يكون الأمر بهذه السهولة»
انقبض قلب لين يي وردّ باحترام: «نعم، أيتها الأخت الكبرى الثانية، سيحفظ لين يي وصاياكِ، ويسعى لرفع قوّته، ولن يتهاون»
لم تُضِف هنغ هوان شيئًا، وسارت إلى منصّة حجر نجمي خالية وجلست
بهذه اللحظة صار جميع من تبقّى في السلك — ما عدا المعلّم «الشمس الصاعدة» — حاضرين
تشابكت الهالات المنبعثة منهم طبيعيًا حتى بدا هذا الفضاء النجمي الافتراضي مثقَلًا بها قليلًا، وبدت القواعد تظهر كموجات
شعر لين يي — وهو بينهم — كأنه دَلف إلى مأدبة حُكّام عظام، فأحسّ ضآلته بعمق
عندئذٍ بدأ المركز التامّ للمنصّة — الذي كان خاليًا — يتلاشى ويتراكب
لم يكن ذلك تشويهًا للضوء، بل بدا أن مفهوم المكان ذاته يتعرّض لتعديل دقيق
تارةً يكون خلف النجوم واضحًا جليًا، وتارةً كلوحة حبر غُمِرت في الماء فتموّهَت حوافّها وغدا الحدّ بين الحقيقة والوهم مُلتبسًا
وهكذا «انبثقت» هيئة بطبيعتها من هذا الخلط بين الحقيقة والوهم، كأنه خطا إلى الواقع من حُلم قديم
بدا القادم مجرد رجل في منتصف العمر برداء أخضر، وجهه وادع وعيناه ساكنتان عميقتان، حضوره تارةً واضح كشيء بين يديك وتارةً أثيري كالسحب في السماء البعيدة، عصيًّا على الإمساك
إنه المعلّم، الشمس الصاعدة
«يا معلّم»
انحنى جميع التلاميذ في آن، ومن بينهم كابح السجن وثالثة الأخوات المقاتلات ألف أوهام
قال الشمس الصاعدة مبتسمًا: «هل حضرتم جميعًا؟ لا حاجة للتكلّف، اجلسوا» ثم مشى بخطى عادية إلى المقعد الرئيس وجلس
جلس الجميع كما أُمر، وتلاقت نظراتهم على الشمس الصاعدة
مسح الشمس الصاعدة بنظره التلاميذ واحدًا واحدًا، ولمّا رأى الأخت الكبرى الثانية هنغ هوان أومأ قليلًا: «عادت هنغ هوان أيضًا. كيف حال جانب الهاوية مؤخرًا»
أجابت هنغ هوان بإيجاز: «يا معلّم، الوضع مستقر نسبيًا مؤخرًا. تقع مناوشات أحيانًا، لكن المشهد العام قابل للسيطرة»
قال: «حسن، هذا جيّد» ثم تنفّس تنفّسًا خفيفًا
لكن ذلك الزفير الخفيف جعل الحاضرين يشعرون بانقباض في الصدر
تابع: «دعوتكم هذه المرة أولًا لأن لقاءنا طال، لأطمئنّ على أحوالكم. وثانيًا…» وتوقّف لحظة، كأن بصره اخترق منصّة مأدبة النجوم الافتراضية إلى الكون الحقيقي البعيد بلا نهاية، «يخالطني شعور بأن صدامات الحدود هذه المرة — والقوى الكامنة خلفها — ليست بالأمر الهيّن»
ونظر إلى كابح السجن وألف أوهام: «قبل مدة زرتُ السادة المكرّمين «صمت السحيق» و«لغة النجوم» كلًا على حدة، وحين ناقشنا وضع الحدود كانت تصريحاتُهما… مُموّهة، وكأن عندهما تحفظًا»
ما إن قال ذلك حتى ازدادت ملامح كابح السجن وألف أوهام جدّيةً درجات
إذا كان حتى سادة قانون المصدر المكرّمون يُموّهون القول، فالمستور خلف ذلك على الأرجح أبعد من الخيال
قال بصوت فيه ثِقل: «إن صحّ ما أظنّه… فمن دون بلوغ قانون المصدر فلن يكون المرء ذا نفع كبير في النهاية»
سكنت منصّة المأدبة
فقانون المصدر مرتبةٌ يعجز عن بلوغها حتّى حكّام أبديون كثيرون طوال أعمارهم، وكلام المعلّم يكاد يكون نبوءة بأن الاضطراب المقبل ربما يبلغ حدًّا لا يَسَع حتى الحكّام الأبديين اعتزالَه — وربما… لا يكفون له
تمتم: «طريق الحقيقة والوهم في خاطر واحد، وكثيرًا ما يكون الارتهان لظاهر الحقيقة هو الوهم الأكبر…» ثم قال: «أتهيّأ لدخول عزلة، وسأندفع هذه المرة إلى مرتبة قانون المصدر»
«ماذا»
كان هذا القول بحقّ صاعقًا
قال الأخ الأكبر الرابع «لي يانغ» — وهو أكثرهم اندفاعًا — غير قادر على الكظم: «يا معلّم، لقد أخفقتَ في محاولتك السابقة وتضرّرت مملكتك العظمى، ولم يمضِ سوى 300,000 سنة منذ ذلك الحين، أليس… مُتعجّلًا بعض الشيء أن تُعيد المحاولة في هذه المدّة القصيرة»
فالاندفاع إلى قانون المصدر محفوف بالمخاطر إلى أقصى حد، وقد تنهار المملكة العظمى في أي لحظة ويباد الجسد والروح
وعندما أخفق الشمس الصاعدة في مرّته الماضية — مع أنه أنقذ حياته — ظلّ محتاجًا لزمن طويل من التعافي
وأما الآن، فمحاولة أخرى تعني خطرًا أعظم بلا ريب
نظر الشمس الصاعدة إلى لي يانغ، ولم يَسُؤْه اعتراضُه، بل ابتسم: «أحيانًا لا بدّ من حسمٍ ومُضيّ، فالانتظار قد لا يجلب فرصة أفضل، بل قد يُضيّع فرصة جيدة»
ومرّ بنظره على التلاميذ وقال ببطء: «قبل مدّة حوّلتُ غالب مواردي وما ادّخرته إلى نقاط استحقاق العشيرة»
وما إن نطق «نقاط استحقاق العشيرة» حتى ومضت لمحة إدراك في أعين الهاوية الشاسعة وشوان شو وهنغ هوان وريشة الجليد، بل وحتى لي يانغ
اهتزّ قلب لين يي وهو يسمع ذلك وسجّل هذا المصطلح الغريب بصمت
تابع الشمس الصاعدة: «ثم استخدمتُ هذه النقاط للتقدّم بطلب إلى العشيرة، وحصلتُ في النهاية على حصة دخول إلى بحر المصدر البدئي»
بحر المصدر البدئي
حتى كابح السجن وألف أوهام لم يملكا إلا أن يُبديا دهشة
وازداد ذهول هنغ هوان والآخرين — وواضح أن هذا «بحر المصدر البدئي» مكان لم يسمع به حتى قدامى موسّعي المجال هؤلاء
قالت ألف أوهام وعيناها متسعتان: «يا معلّم، لقد ذهبتَ إليه حقًا إن الأسطورة تقول إنه شظية من الأصل بقيت حين انفتح الكون أول مرة، وفيها أقدم آثار قانون المصدر، لكن الزمن والمكان فيها مضطربان والقوانين عنيفة، وحتى الحكّام الأبديون إذا توغّلوا خاطروا بالتيه والغرق»
بقي وجه الشمس الصاعدة هادئًا: «الخطر والفرصة توأمان، وقد… نِلْتُ شيئًا ما منه»
لم يُفصّل ما الذي ناله، لكن الجميع فهموا: إذا قال حاكم أبدي أخفق سابقًا في الاندفاع إلى قانون المصدر «نلتُ شيئًا» ثم عزم على المحاولة ثانيةً، فلا بدّ أنّ المكسب كان جللًا
كان لين يي يصغي وقد غمره الارتباك؛ «نقاط استحقاق العشيرة» و«بحر المصدر البدئي» كانتا كأنهما نصوص سماوية بالنسبة إليه، لكنه استطاع أن يلمس ما بهما من ثقلٍ وخطر من وقع الدهشة على إخوته وأخواته الكبار
وفوق ذلك لاحظ أنه حين ذُكرت «نقاط استحقاق العشيرة» عرفها عدةُ إخوة وأخوات من موسّعي المجال، بينما «بحر المصدر البدئي» بدا أن فهمه الحقيقي كان عند الأخ الأكبرين الحاكمين فحسب
قال الشمس الصاعدة كأنه يقرّر أمرًا واقعًا: «اندفاعي هذه المرّة إلى قانون المصدر خطوة حياة أو موت، فإن نجحتُ اكتسبت أمتنا البشريّة قانونَ مصدرٍ آخر فازداد يقينُنا في مجابهة المتغيّرات المقبلة، وإن أخفقتُ…» ولم يُكمل، لكن الحاضرين فهموا جميعًا ما يعنيه ذلك
فمصرع حاكم أبدي خسارة جسيمة للبشر، فكيف إذا كان المعلّم
توتر الجوّ فجأة على نحوٍ هائل
ومع ذلك بدا الشمس الصاعدة غير مُكترث، وراح يوصي تلاميذه واحدًا واحدًا
نظر إلى كابح السجن: «أنت الأقوى، وتتولّى موضعًا مهمًّا كالـ«سجن الكابح»، ومسؤوليتك عظيمة، فكن راسخًا في عملك، وأكثر من التشاور مع أختك الثالثة»
قال كابح السجن بصوت عميق: «يفهم التلميذ، ولن يُخيب ثقة المعلّم»
وبعد أن أوصى كابح السجن، نظر إلى ألف أوهام: «لقد ورثتِ الإرث الحقّ لقانون وهْمي، وأنتِ حاذقة بارعة في نسج الأوهام واستنباط صنوف التغيّر، وهذه قوّتك
وطريق الوهم قائم على عكس جميع القوانين، وقد لا يبلغ أثرُه في محاكاة القوانين الأخرى عمقَ أهل الأصول فيها، لكن قيمته في تغيّره الدائم وتعذّر تتبّعه تكفيان للتعامل مع مواقف شتّى»
ثم غيّر نبرته قليلًا: «لكن ذروة قانون الوهم أن تكون الحقيقة في الوهم والوهم في الحقيقة، وهو يقتضي طبيعة قلبٍ راسخة تشقّ الضباب وتتحكّم في الواقع
وطبعك حيّ محبّ لابتغاء الجديد والتغيّر، وهذا موهبة، لكنه يحتاج أيضًا إلى سكينة…»
«هكذا، بعد دخولي العزلة — وبما أنّ لديكِ ما يكفي من الزراعة — فستبذلين مزيد جهدٍ لمعاونة أخيكِ الكبير وتحمّل مسؤولية الإرشاد وقيادة الإخوة والأخوات الصغار، ولا سيّما لين يي
فهو حديثُ الانضمام إلى السلك وطريقه أمامه يحتاج إلى توجيه»
وما إن قال ذلك حتى خفَتت ابتسامة ألف أوهام
سكتت لحظة ومرّ بوجهها طيفُ قلق
فمحاولة المعلّم هذه المرة أخطر بكثير مما مضى، وإناطته بها عبءَ الإرشاد — وإن بدا ثقة — أليس أيضًا ضربًا من ترتيبٍ احترازي
وفهمت ألف أوهام — بذكائها اللماح — المعنى العميق في الحال
وهزّها ثقل هذه المسؤولية، لا من ثقلها نفسه، بل مما ينطوي عليه من مخاطر
وما لبثت أن نفت هذا الثقل بطريقتها، فتبدّلت ملامحها إلى مسحة عَتَبٍ لطيف عامد، وقالت بنبرة فيها شيء من الدلال والشكوى: «آه؟ إرشاد الإخوة والأخوات الصغار
يا معلّم… أنت تعرف أنني سيّئة في تعليم الناس، فما زلتُ نصفَ فاهمة في زراعتي وأعتمد كليًا على الحدس، فإذا تركتني أعلّم أضلّهم…»
خطت نصف خطوة إلى الأمام، وفي عينيها دوّامة نورٍ وهْمي كأنها تدلّل: «لذا… يا معلّم، مثل هذا العبء المهمّ، الأفضل أن تنتظر حتى تخرج من العزلة فتعالجه بنفسك
لا تتكاسل وترمي بكل شيء عليّ»
وأيّ شخصٍ الشمسُ الصاعدة؟ كيف لا يسمع القلق والمخافة الخفيّين في قولها
نظر إلى تلميذته التي ورثت إرثه الحقّ ولها أدقّ طبيعة قلب، وهزّ رأسه مبتسمًا بأسى
«أيتها الصغيرة… كفّي عن هذه الألعاب، من بلغَت بقانون الوهم مرتبتك كيف تقول «لا أستطيع التعليم»»
ثم رقّت نبرته: «الإرشاد أيضًا عمليةُ تنظيمٍ لما تعلّمتِه، وهو نافعٌ لك جدًّا في تسكين طبيعة القلب وترسيخ البصائر. وقد قُضي الأمر»
ولمّا رأت أن رأي المعلّم قد استقرّ وأنها لن تغيّره، أزالت ألف أوهام دلعها ببطء: «نعم يا معلّم، فهمَت التلميذة، سأبذل وسعي»
ولمّا سمع موافقتها حوّل نظره إلى هنغ هوان
«يا هنغ هوان، أنت تواجهين العدوّ مباشرةً في كهف الهاوية وتقتلين حسمًا، ولستُ أشكّ في حزْمك، لكن تذكّري أنّ الصلابة وحدها لا تدوم، وأنّ التراجع أحيانًا سبيلٌ للتقدّم»
نظرت هنغ هوان بثبات: «ستحفظ التلميذة وصايا المعلّم»
«وأمّا لي يانغ… فأنت شجاع مجتهد، وهذه ميزة، لكن عليك أن تتعلّم كظم الغضب
فالنار قد تحرق العدوّ وقد تحرقك أنت، فاسأل أخاك السادس أكثر عن أساليب تهدئة القلب»
حكّ لي يانغ رأسه وقال بصوته الجهوري: «نعم يا معلّم، سأجد وقتًا لأتحدّث مع الأخ السادس»
تنفّس الشمس الصاعدة، وقد أدرك أنه لم يأخذ الأمر بقلبه مرّة أخرى، فلم يُطِل وأضاف مباشرة إلى شوان شو: «يا شوان شو، أنت دقيق متأنٍّ، ولا بدّ من عنايتك ببعض الشؤون المتفرّقة
فإن عرض أمرٌ عاجل فبوسعك أن تُبرم قرارًا مشتركًا مع أخيك الكبير وأختك الثالثة»
انحنى شوان شو: «هذا واجب التلميذ، وسأبذل غاية الجهد»
أومأ الشمس الصاعدة قليلًا
لطالما ارتاح إلى هذا التلميذ السادس
ثم أوصى ريشة الجليد: «طريق الصقيع الشديد قائم على التكاثف لا التبدّد، والكفّ لا الانبعاث
ولم تلتئم إصاباتك بعد، فليكن التعافي أولويتك، ولا تتعجّلي النتائج»
لمعت ومضة في عيني ريشة الجليد الصافيتين الباردتين، وأومأت إيماءة خفيفة: «شكرًا لعنايتك يا معلّم، فهمتُ»
ثم نظر إلى الهاوية الشاسعة: «يا هاوية شاسعة، طبعك مرح رزين، وقد نلت تجارب كثيرة في السنوات الأخيرة وغدوتَ قادرًا على الاستقلال
وشؤون الحدود معقّدة، وبحكم إشرافك لا بدّ أن تُمسكَ القَدْرَ الصحيح، فتنهض بالقواعد وتعرف أيضًا كيف تُكيّفها
وزِد على ذلك عنايتك بأخيك الأصغر»
ابتسم الهاوية الشاسعة: «اطمئنّ يا معلّم، أفهم القواعد، وسأرعى أخي الأصغر جيدًا أيضًا»
وأخيرًا وقع نظر الشمس الصاعدة على لين يي
«يا لين يي، أنت آخر من انضمّ إلى السلك وزراعتك ما تزال ضحلة، ومع أنّ موهبتك ليست متّقدة جدًّا، إلا أنّك تتميّز بصلابة الأساس، وثبات طبيعة القلب، فلا زهوٌ ولا عجلة، وخطوة خطوة
وهذا حسن جدًا، فطريق الزراعة الروحية طويل، والمشي بثبات في البدايات أهم بكثير من المشي بسرعة»
ردّ لين يي باحترام: «سيحفظ التلميذ وصايا المعلّم ويسير بثبات ولن يتهاون»
أومأ الشمس الصاعدة قليلًا وتابع: «وفوق ذلك، فإن حضارتك الأم — الحضارة الزرقاء الفضية — وإن كانت قد دخلت بحر النجوم حديثًا وأساسُها ضحل، إلا أن جوهرها الحضاري ذي طاقة كامنة معتبرة لا تُقارَن بالحضارات العادية
وبما أنّك قائد الحضارة فالحمل على كتفيك ليس خفيفًا. والحضارة والزراعة الشخصية يتكاملان أحيانًا، وقد يجذبان في اتجاهين مختلفين أحيانًا أخرى
فعليك أن تُحسن الميزان وتقود بمهارة…»
«فحضارة نابضة بالحياة وواعدة قد تجلب لك مستقبلًا مكاسب غير متوقّعة، وهي أيضًا نعمة لأمتنا البشرية»
اشتدّ قلب لين يي، وانحنى انحناءة عميقة: «نعم يا معلّم، لن يُخيّب لين يي ثقة الحضارة ولا آمال المعلّم»
وبعد أن أنهى وصاياه عاد إلى ابتسامة الوادع، كأن مخاطر الاندفاع إلى مرتبة قانون المصدر وجِدّية وصايا الوداع لم تكن إلا أوهامًا
قال: «حسن، قد قيل كل ما ينبغي قوله
وبوصفي معلّمكم لن أمكث أكثر لأتدخّل في تفاعلكم كإخوة وأخوات»
ولوّح بكمّه في لا مبالاة، فغدا جسده — كأنه انعكاس في ماء كُسِر بحصاة — ذرّات من نور أثيري بدءًا من الحوافّ وتلاشى ببطء
وجاء صوته الأخير كأنه من غور حُلم: «اعتنوا بأنفسكم»
وما إن انطفأ صوته حتى اختفى أثره كأنه لم يكن
ولم يبقَ إلا ضوء النجوم على منصّة المأدبة وقد سكن لحظات ثم عاد يجري، شاهدًا على حضوره آنفًا
وبغياب المعلّم خيّم على المنصّة صمت غريب
فقد كانت المعلومة في كلامه قبل قليل أوسع من أن تُستوعَب وأشدّ وقعًا من أن تُهضم في لحظتها
وأخيرًا تكلّم كابح السجن أولًا بصوت منخفض: «لقد عزم المعلّم أمره»
لعبت ألف أوهام بخُصْلَتها وأطلقت زفرة نادرة: «بحر المصدر البدئي… إنّ المعلّم يُغامر بكل شيء هذه المرة
فقَدَر الزمن داخله مغاير للعالم الخارجي، والقوانين أعجب. قال المعلّم إنه نال قليلًا، لكن الثمن الذي دُفع لا بدّ أنه…»
قالت هنغ هوان بصوت عميق: «ما دام المعلّم قد اختار، فما لنا إلا أن نثق بالمعلّم»
لم يقل لي يانغ شيئًا، وقبض قبضتيه، وبدت شعَراته المتّقدة وكأنها خفتت قليلًا
قال شوان شو مواسيًا: «طريق المعلّم — في نهاية الأمر — لا بد أن يسلكه بنفسه
وأكبر ما نقدّمه نحن أن نُحسن القيام بما علينا فلا نشغله»
بقيت ريشة الجليد صامتة، ووضع الهاوية الشاسعة ابتسامته المعتادة جانبًا ونظره معقّد
وقف لين يي جانبًا يصغي في سكون إلى حديث إخوته وأخواته الكبار، وقلبه يغلي
نقاط استحقاق العشيرة، بحر المصدر البدئي، التيارات الخفية خلف الحدود…
هذه المصطلحات صاغت صورة مهيبة خطرة لم يَسَعْه الإحاطة بها كلّها بعد
وأدرك بوضوح الفجوة الهائلة بينه وبين إخوته وأخواته الكبار — ولا سيّما مع معلّمه وأخيه الكبير وأخته الثالثة
وأمام موضوعات جسام تمسّ مصير الأمّة ومستقبل السلك لم يكن له أن يتدخّل، بل أن يصغي، ساعيًا إلى امتصاص هذه المعلومات التي تفوق مستواه الحالي كثيرًا
تبادَل الجميع الحديث قليلًا، وبقي الجوّ مثقَلًا بعض الشيء
فمحاولة المعلّم الاندفاعَ إلى مرتبة قانون المصدر — نجحت أم فشلت — ستكون منعطفًا كبيرًا لهم جميعًا
وعند هذه اللحظة بدا أن الأخ الأكبر التاسع الهاوية الشاسعة وجد الجوّ خانقًا أكثر من اللازم، فسعل بخفة وتعمّد تغيير الموضوع، وحدّق في لين يي وعادت ابتسامته المألوفة إلى وجهه: «حسنًا حسنًا، المعلّم — ذلك العجوز — ذو قدرة عظمى
لا بد أن عنده قدرًا من اليقين، ولا جدوى من قلقنا هنا»
وقال للين يي: «يا أخي الأصغر، لقد رأيتُ ضربتك على «النجم القرمزي» آخر مرة، وتطبيقك للقواعد متقَن، ومجال الذهب لديك في حال كمال، وقانون الحياة لديك أساسه عميق
يبدو أنك لست بعيدًا عن اندماج مجالين، فما خطتك للقانون التالي»
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.