الفصل 1
علي أن أتظاهر… لأن هذا الكون مخيف للغاية - الفصل 1
الفصل 1: العد التنازلي لسبعة أيام نحو نهاية العالم
«آه… آه!»
انفتحَت عينا لين يي فجأة
نبضت العروق في جبهته، وراحت نجوم ذهبية تدور أمام ناظريه، وكانت رؤيته ضبابية، وكل عصب في جسده يصرخ ناقلًا شعورًا ثقيلاً لا يوصف
بوصفه قوة على مستوى دوامة النجوم، سمح له صلابة عزيمته بكبح الألم الجسدي، لكن الصدمة العاتية العائدة من أصل روحه ما زالت تجلب له انزعاجًا شديدًا
«آخ…»
ضربه ألم حاد آخر، فشهق لين يي، وقد بدا كأن قوة غير مرئية قذفته بعنف إلى أعلى، ثم هوت به بقوة على سطح صلب قليلًا، جالبًا معه إحساسًا مألوفًا افتقده منذ زمن
«هوو… هوو…»
لهث لين يي بقوة، ومع تكيّف روحه تدريجيًا، بدأت رؤيته تتضح
استقبلته عيناه بسقف مطليّ بطبقة قديمة من الأبيض العاجي الباهت، تتدلّى منه لمبة متوهجة وحيدة
وخارج النافذة، كانت أشعة شمس ظهيرة صيفية ساطعة تتسلّل عبر فجوات ستائر مزخرفة بلون أزرق فاتح، فترسم بقعًا لامعة على الأرض
تصاعد صرير الزيزان أعلى فأعلى، ضجيجًا مزعجًا
كان لين يي قد استوعب الموقف الآن، وشعر لوهلة بشيء من الذهول
«أنا… ألم أكن قد متُّ…؟»
لمّا يزل الذهول والشك في قلبه، وبفعل الغريزة، حاول بلا وعي أن يحشد طاقة الأصل ليسند جسده
غير أن جسده بدا خاليًا بمجرد أن فكّر
هذا الجسد المادي ضعيف على نحو يبعث على الشفقة!
هبط قلب لين يي فجأة؛ ومن دون أدنى تردد نهض بغتة، متجاهلًا وهن جسده، وترنّح نحو المرآة الطويلة في الركن
انعكس في المرآة وجه شاب فيه مسحة عدم نضج
كان قوامه رشيقًا، ويرتدي بيجامة قطنية رخيصة
«أنا… هذا…»
«مستحيل… هذا مستحيل…»
تجمّد لين يي لحظة ثم استوعب، وارتجف صوته قليلًا
بوصفه واحدًا من قلة على مستوى نواة النجوم حين اجتازت حضارة النجمة الزرقاء تقييم الترقي الحضاري ودخلت صفوف الحضارات بين النجوم، نال مؤهّل الانضمام كعضو خارجي إلى تحالف مرتزقة الكون، ما أتاح له الالتحاق بفريق المرتزقة «ريليات» الذي كان ضعيفًا نسبيًا آنذاك
وبعد أكثر من ستة آلاف عام من الصقل في أتون الدم والنار، ومع اختراق شاق إلى رتبة المستوى التاسع من نواة النجوم، حالفه الحظ بالترقي إلى مستوى دوامة النجوم بعناية وإرشاد القائدة ليلينا، التي كانت قد اخترقت إلى مستوى نطاق النجوم
غير أنه، في طريقه إلى نجم تشن الأرجواني، عاصمة اتحاد الأرجوان الذهبي النجمي الذي يتبع له كوكب النجمة الزرقاء، ليُجري اعتماد الرتبة حضوريًا ومن ثمّ يتقدّم بطلب رفع النجمة الزرقاء من «كوكب موارد» متواضع إلى «كوكب إداري» قادر على التطور الطبيعي، سُحق سَحق النملة على يد شيخ بمستوى نطاق النجوم من عائلة زيلِس التابعة لاتحاد الأرجوان الذهبي النجمي، فقط لأنه شاهد مصادفة مطاردتهم لوحش نادر يُدعى «وحش كاسلو ذو القرون»
لا يزال لين يي يذكر بوضوح ذلك اليأس العاجز
جسده المادي، الذي كان يراه صلبًا، مُحي على مستوى كل جسيم أساسي يكوّن المادة، فتفكك بصمت وانهار وتبدّد
وأُطفئت وعيه، كشمعة ترتجف في مهب الريح، بلمسة واهية من قوة القاعدة الكونية التي لا تُقاوَم
لكن، وفي اللحظة التي ظنّ فيها أنه لن يفعل سوى الغوص تمامًا في هاوية الموت مع اليأس والرفض، شعر فجأة بقوة همجية لا تقاوم هائلة، كأنها يد الكون العملاقة نفسها، تنتشل أصل روحه الذي كاد يتلاشى من حافة العدم
تلا ذلك ألم لا يوصف وإحساس بالاختناق
شعر وكأنه حُشر قسرًا داخل وعاء ضيق هشّ وناقص، واستيقاظ كل خلية فيه يصاحبه احتجاج ممزّق
ثم اكتشف بعد ذلك مباشرة أنه حي من جديد
لقد عاد إلى… مكان مألوف وغريب في آن
نظر لين يي إلى يديه
كانتا يدي شاب، بأصابع طويلة وبشرة تبدو صحية
لا آثار على سلامياته من أعوامٍ أمضـاها قابضًا على السلاح، بل مجرد مساحات خفيفة من الجلد المتصلّب من كثرة حمل القلم
ثم رفع رأسه بصمت، ونظر ببطء من حوله
في الغرفة الصغيرة سرير منفرد ملتصق بالحائط، ومكتب قديم متشقق قليلًا تكدست فوقه كتب كثيرة وأوراق اختبارات، وفي الركن كرة سلة باهتة اللون بعض الشيء
وعُلّقت على الجدار ملصقات قديمة لنجوم كرة السلة، وبجانبها إطار زجاجي يحوي صورة عائلية لثلاثة أشخاص
تسمّر نظر لين يي على تلك الصورة، وقُبض قلبه بقبضة غير مرئية، ثم خفق بعنف مطلقًا زمجرة مكتومة في صدره
كانا والداه، أكثر شبابًا مما يحفظه في ذاكرته البعيدة، ومعهما شاب فيه مسحة عدم نضج بزي المدرسة الثانوية يبتسم
داهم دماغه دوار قوي
اندفع لين يي إلى النافذة بخطوة واحدة، وجذب الستائر
اندفعت أشعة الشمس المبهرة على الفور، فأغمض عينيه قليلًا
أربك المشهد خارج النافذة قلبه
عدة مبانٍ سكنية قديمة تُطوّق ساحة صغيرة تنمو فيها أشجار دلب وارفة
وتحت ظلالها وُقفت دراجات قديمة ودراجات كهربائية، وكان بضعة أطفال بقمصان داخلية وسراويل قصيرة يطاردون بعضهم ويلعبون في الأسفل، يتركون خلفهم ضحكات لا همّ فيها
وبالطبع، كانت هناك أيضًا زغب الدلب المزعج إلى حد بعيد
وفي البعيد خط أفق متعرّج للمدينة، تعكس فيه واجهات زجاجية لبعض الأبراج الحديثة بريق الشمس
لا حفارات هندسية عملاقة تزأر بلا انقطاع، ولا ضباب رمادي مصفر يغطي النجمة الزرقاء، ولا مضخات لاستخراج المواد تثقب قشرة النجمة الزرقاء من فوق الحلقة المدارية… كل شيء يتراكب مع تلك ظهيرة صيفية بعيدة وغائمة في عمق ذاكرته
روح على مستوى دوامة النجوم، قادرة على رصد حركة النجوم واستنباط القواعد الأساسية للكون، بدا الآن كمن أُلقي في فرن يغلي، فتدفقت صور وأصوات ومشاعر لا حصر لها، باهتة ومحفوفة بماء الزمن الطويل، مندفعـة كالسيل بعد انكسار السد
صار لين يي يعرف بوضوح أين هو الآن
هذا هو كوكب النجمة الزرقاء قبل سبعة آلاف عام… هذا هو… بيته!
تراجع لين يي خطوتين مترنحًا، وارتطم ظهره بالجدار بقوة، فسرى البرد عبر قميصه القطني الرقيق، من دون أن يفلح في تهدئة الأمواج العاتية في قلبه
ارتخاء ما بعد امتحان القبول الجامعي، وفرحة استلام إشعار القبول من جامعة تشينغتِنغ، وثرثرة والديه السعيدة القلقة في الوقت نفسه حول الرسوم ونفقات المعيشة… ثم، ثم تلك القطعة… امتدت يده لا إراديًا تتحسّس صدره
لامست أنامله حدًا صغيرًا صلبًا تحت القماش
توقّف قلب لين يي فجأة عن الخفقان لحظة
خفض رأسه على عجل، وأخرجها بأصابع مرتجفة
كانت قلادة من اليشم أكبر قليلًا من قطعة نقدية، تُظهر خضرة مزرّقة عميقة دافئة ومتواضعة، كأنها مجرّة متجمدة
لم يكن جسد اليشم شفافًا بطبيعته؛ بل فيه ثِقَل وسكون، كأنه كثّف مقدارًا لا يُتصور من زمن بعيد، وقد عُلّق بخيط أحمر داكن، يتدلّى في هدوء على صدره
يشم عتيق موروث من العائلة!
تنشّط أصل روح قوة على مستوى دوامة النجوم، المصقول عبر زمن طويل، على الفور، كأدق آلة تبدأ استرجاعًا ومقارنةً وتموضعًا عالي السرعة
انضغط نهر السبعة آلاف عام، وذكريات لا تنتهي من معارك وتجوال، في ومضة برق تشق الزمكان، لتستقر بدقة عند هذه العقدة الزمنية الراهنة
«هذا اليشم…»
همس لين يي في قلبه. تذكّر أنه في هذا اليوم بالذات تلقّى إشعار القبول الذي طال انتظاره من جامعة تشينغتِنغ
وفي هذا اليوم أيضًا سلّمته والدته، تشو جينغهوا، هذه القطعة العتيقة، إرث عائلة لين
في هذه اللحظة، بعد أن أعطته أمه اليشم العتيق كانت تستعد للخروج، وكان هو قد علّق القلادة للتو حول عنقه، ونوى أن يأخذ قيلولة
لم يلحظ في البداية أي شيء مميز في هذا اليشم
ولمّا بلغ قوته مستوى نواة النجوم، وتحسّن تحكّمه بجسده بدرجة كبيرة، اكتشف أنه قادر على جعل وتيرة التفكير أسرع قليلًا من المعتاد، مانحًا فائدة طفيفة لكنها حقيقية للتعلّم وفهم الأمور المعقّدة
ومع ذلك، لم يأخذ لين يي الأمر على محمل الجد وقتها، وظنّه كنزًا عاديًا
إلى أن أُصيب بجراح خطيرة في مواجهة مع عدو قوي، فهاله أن درعه القتالي الواقي قد تمزّق وتحطّم، بينما ظل هذا اليشم العتيق سليمًا تمامًا
بعد ذلك جرّب لين يي شتى الطرق ليستكشف أسراره، بل حاول تدميره
وكانت النتائج كلها فشلًا بطبيعة الحال؛ فهذا اليشم متين على نحو لا يُصدّق
عرف لين يي أنه كنز ثمين للغاية، فلم يجرؤ على إظهاره بسهولة للآخرين
ومع أنه استنزف كل وسيلة، فإنه لم يكتشف له استعمالًا
ومع مرور الزمن، لم يجد بُدًا من اعتباره أثرًا غريبًا مجهولًا، ذكرى من العائلة، يضعه ملاصقًا له دومًا، على أمل أن يأتيه يومٌ تجود فيه الأقدار فيكشف عن غرضه
لكن ها هو الآن، الذي كان ينبغي أن يُمحى مباشرة بقوة مجال القواعد لشيخ عائلة زيلِس، يعود إلى الحياة على نحو لا يُفسَّر قبل سبعة آلاف عام
كان لين يي يعرف نفسه جيدًا؛ فمع كثرة أبناء الجنس البشري، دع عنك مستوى دوامة النجوم، فحتى أصحاب مستوى نطاق النجوم لا يُحصَون. فما الذي خوّله هذه الولادة الجديدة؟
وفوق ذلك، كانت عقدة الزمن لعودته هي بالضبط اللحظة التي ارتدى فيها اليشم العتيق
وبينما كان يفكّر، داعبت أنامله القلادة على عادتها
كانت هذه عادةً رسّخها لين يي عبر سنين كثيرة
فكلما احتاج إلى استيعاب القواعد الكونية، أو واجه مسألة تتطلب خلوة للتفكير، كان يُمرّر أصابعه على اليشم
وذلك لما له من أثر طفيف في زيادة قدرته على الاستيعاب، ولأنه كان يجعله يشعر أنه لم يبتعد كثيرًا عن موطنه
لكن في لحظة، وقع خلل!
ارتجف اليشم العتيق الذي لا يُتلف، والذي لازمه زمنًا طويلًا، من دون إنذار
ثم تلاه فورًا صوت تشقّق متناهٍ في الخفوت يكاد لا يُدرك
«طَق…»
كان الصوت خافتًا حتى ليكاد يكون وهمًا
انكمشت حدقتا لين يي فجأة. فردّ راحته على عجل وحدّق
فرأى شرخًا أدقَّ من الشعرة ينتشر بصمت عبر سطح اليشم ذي الخضرة المزرّقة العميقة
لم يكن هذا كسرًا ماديًا عاديًا؛ بل أشبه ببنية داخل جسد اليشم، حُفظت لزمان لا يُعرف طوله، وقد بلغت نهايتها في هذه اللحظة
امتدّ الشرخ بسرعة لا تُتصوّر، فغطّى اليشم كله في طرفة عين كنسيج عنكبوت
وفي اللحظة التالية… «بوووف!»
صوت مكتوم خافت إلى أقصى حد
وأمام نظرات لين يي المركّزة، تحوّل هذا اليشم العتيق، الذي عجز عن خدشه حتى بكل قوته، بصمت إلى قبضة صغيرة من مسحوق أخضر ناعم في راحته المفتوحة
كان المسحوق ناعمًا كالغبار، يلمع بوهج رقيق عميق، كأنه يحوي شُذَرات من نجوم
كما انقطع الخيط الأحمر الداكن القديم في اللحظة نفسها إلى قطع متناثرة
حدث كل ذلك بسرعة بالغة وبتمام تام، حتى إن يد لين يي لم تجد وقتًا لتشعر بتغيّر طفيف في الحرارة، قبل أن يصير اليشم العتيق، الذي لا يُعرف كم من السنين عاش، ترابًا خالصًا، ولم يبقَ سوى تلك القبضة الصغيرة من مسحوق يبعث برودة غريبة في راحته
ثم تلاشى حتى ذلك المسحوق ببطء، كأن اليشم لم يوجد قط
تجمّد الزمن في هذه اللحظة
اكتسح لين يي شعور لا يوصف، فقبض أصابعه لا شعوريًا، كأنه يحاول الإمساك بمعجزة تلاشت
وكان واثقًا في هذه اللحظة
لم يكن سوى هو!
ثبتَ لين يي لحظة
«أكنتِ أنتِ… من أنقذتِني وأعدتِني…؟»
زفر في قلبه، ثم خفّض نظره إلى يديه الخاويتين الآن لبضع أنفاس، ورفع رأسه فجأة، يخترق نظره الجدار كأنه يتطلع نحو اتجاه بعيد، ليستقر أخيرًا على ساعة منبّه إلكترونية قديمة في ركن المكتب
أضاءت شاشة الكريستال السائل بخفوت
«16 يوليو 2027، الجمعة، 13:27»
«هذه العقدة الزمنية الآن…»
قارن لين يي في داخله للحظة واستعاد، ثم غلظت ملامحه
«سبعة أيام!»
«لم يبقَ سوى سبعة أيام على تقييم الترقي الحضاري الذي سيحسم المصير…»
قبض لين يي كفّيه ببطء، كأنه يمسك شيئًا بإحكام
«لم يبدأ أي شيء بعد… الآن ما زال هناك متّسع من الوقت»