الفصل 1259
أصبحت حاكمًا بصيد الكنوز بعد وصولي قبل الموعد بـ 500 عاماً - الفصل 1259
تأمل لو يوان محيّا أهله وقد اعتورتهم الحيرة، فربت على صدره مطمئنًا إياهم، ثم باشر القول: “لقد بات لابنكم نصيبٌ من القدرة، وأنا أصبو لتأمين مأوىً أزكى وأفضل لتحالف البشر. فما أن تنتقلوا إليه، حتى تزول عنكم كل هواجس مدينة يونهااي؛ إذ إن المقام الذي هيأته لكم ليفوق هذا البقعة الموحشة علوًا ورفعةً بكثير.”
________________________________________
غير أن لو تشينغ تشينغ لم يرقها هذا القول ولم تستسغه تمامًا. ‘أوَهل يعقل أن يفوق عدد سكان مدينة العشب الأخضر ما لدينا، لتغدو أمتن قوةً من تحالفنا البشريّ بأسرِه؟’
“ربما، بل أكثر من عشرة أضعاف قوةً وتقديرًا.” أفصح لو يوان بلهجةٍ أثارت الحيرة. “أحقًا هذا؟” تساءل الوالدان، وقد خالجهما العجب، فارتفعت نبرة صوتيهما دالةً على عدم التصديق. ‘ماذا عسى أن يعني هذا التفوق بعشرة أضعاف؟ أإذا تضاعف الناتج المحلي الإجمالي بعشرة أمثاله، ألا يعني ذلك أن نصيب الفرد الواحد سيتعاظم إلى مئة ضعف؟ فأيُّ حضارةٍ هذه، وأيُّ مستوى بلغته؟!’
“قد يحوي رِحاب مدينة العشب الأخضر ملايين الخبراء من المستوى الخامس أمثال لو تشينغ تشينغ، وما أنا بمخادعٍ لك.” أجاب لو يوان. فرمقتْهُ لو تشينغ تشينغ وهي تضع يديها على خاصرتيها، وقالت بثقةٍ: “لقد سبقكم التطور بخمسمئة عامٍ، فلا غرابة أن يكون لكم من الخبراء أعدادٌ وافرة. أمّا نحن، ففي خضمّ التنقيب عن رفاتٍ أثريةٍ تعود لحضاراتٍ قد بلغت أوج المستوى الثالث، وربما الرابع، ونحن على مشارف عصرٍ يزخر بالنمو المتسارع!”
التزم لو يوان صمتًا مطبقًا. فحتّى بمنظار مدينة العشب الأخضر، تبقى رفات حضارة من المستوى الثالث ذات قيمة جمة، ولا غنى عن التنقيب عنها كلما لاحت في الأفق. بيد أنه لم يرغب في أن يقوّض معنويات تحالف البشر؛ فالطموح والثقة ركيزتان أساسيتان لكل حضارة تنطلق من ضعفها. لذا، عدل نهجه متسائلًا: “أيمكن أن يدوم التنقيب عن الرفات الأثرية إلى ما لا نهاية؟ إن أقصى ما يمتد إليه ذلك هو بضعة عقود. فما إن ينتهي التنقيب، حتى تتشظى الأمور، وعلاقات حضاراتكم ليست على ما يرام، أليس كذلك؟ وعندئذٍ، يتشتت الشمل.”
خفضت لو تشينغ تشينغ بصرها، وأجابت: “نعم… ليست على أحسن حال، بل قد شبت حربٌ صغيرةٌ منذ بضع سنين… لكن لحسن الطالع، لنا حلفاءٌ يتكفلون ببعض ثقل العبء.”
“وما الذي يكدّر صفو العلاقات تحديدًا؟” سأل لو يوان، منصتًا بتمعن إلى مجريات الساحة الدولية الراهنة. يعد تحالف البشر وحضارة حاجي حليفين راسخين، قد أثبتت رابطة الصداقة بينهما صدقها عبر محن الحروب. وإلى جانب ذلك، تنشط في هذه البقعة قوى "حضارة الأفاعي النارية" و"تحالف الثور الأحمر". وتتفوق "حضارة الأفاعي النارية" قوةً، إذ بلغت أوج حضارة المستوى الثالث، وكادت أن تلامس عتبة المستوى الرابع. أما "تحالف الثور الأحمر" فيتألف من عدة حضارات، جميع أفرادها من نسل وحوش رؤوس الثيران، ويشكلون كثافة سكانية هائلة. وبإيجاز، فقد أضحى موقع رفات أثرية متوسطة المستوى ساحةً لصراع قوى ثلاثي الأطراف، يتوازن فيه كل جانب بالآخر.
“وما يدعو إلى شيء من الطمأنينة هو وجود ثلاث قوى تتكافأ. فلو أن اثنتين منهما خاضتا غمار الحرب، لكانت الثالثة هي الرابحة، ولهذا السبب، ما زال الاستقرار هشًا.” وبينما كان يتفوه بذلك، بدت بوادر القلق على وجوه أفراد عائلته. تنهد لو يوان تنهيدةً عميقةً، فرغم مقدرته على حسم هذا النوع من النزاعات بوسائل شتى، إلا أن ذلك لا يليق به… فطريق تحالف البشر يجب أن يسلكه أفراده بأنفسهم، لا أن يكون هو وصيًا عليهم. لكن بالطبع، لا بد له من ابتكار سبلٍ لضمان الأمن الضروري، فليس بوسعه أن يقف مكتوف اليدين يشاهد وطنه يُمحى على يد حضارات أخرى. أجهد عقله في التفكير العميق، ثم قال في نفسه: ‘ربما، أتركهم يكملون تنقيب الرفات، ثم ليتجهوا شطر الإقليم الشمالي… على كل حال، النفق الفضائيّ الذي أعمل عليه لم يُحفر بعد على النحو الأمثل [ ترجمة زيوس].’
وبينما كان لو يوان يعقد لقاءً عائليًا، أخذت اللقاءات الدبلوماسية بين الطرفين مجراها الرسميّ. صدحت المدافع إيذانًا بالافتتاح، وتفتحت الألعاب النارية في سماء الاحتفال. “بوم! بوم! بوم!”
اعتلت ملكة العشب الأخضر البساط، محفوفةً بحرسها الخاصّ، وقد ارتدت ثوبًا فضّيًا باهرًا، نسجته يداها بمهارةٍ على مدى ثلاثة أشهر؛ فمنذ أن غدت حرفيةً ماهرة، ألِفتْ شغف حياكة الثياب لنفسها. وقد ارتفع ياقة الثوب الشامخ، كاشفًا عن عنقٍ غضٍّ رشيقٍ، تتدلى منه قلادةٌ من الياقوت الأزرق ورثتها عن حضارة العشب الأخضر. أما التنورة فكانت مزدانةً بخيوطٍ فضيةٍ، تُشكِّل شعارات شجر خشخاش الأفيون ونقوشًا عتيقةً، بدت كل غرزةٍ فيها كأنها تسرد أمجادًا غابرة. ومع انحناءتها اليسيرة للتحية، انبعثت من آلاف الماسات المرصعة على التنورة أضواءٌ ساحرةٌ، عكست وهج الشمس وكأنها مجرةٌ تتدفق نورًا على الأرض.
فما كان من قادة تحالف البشر إلا أن انتابهم الذهول أمام هذا المشهد الباهر! شعورٌ يضاهي دهشة سكان الريف أمام ملكةِ حضارةٍ عظمى، فلم يجرؤ أحدٌ على رفع بصره مباشرًا.
تلى ذلك، تدفق جنود الحشرات من شتى الأنواع والأشكال من مقصورة السفينة. فمنهم ما يشبه الخنافس، ومنهم ما يماثل فرسَ النبيّ، وحتى ما اتخذ هيئةً بشريةً. وباستثناء قلةٍ بدت على بعضها ملامحُ الشراسة، فقد ظهرت غالبية قوات الحشرات بمظهرٍ لائقٍ على نحوٍ مفاجئ. ومن بينها، ذلك الكائن الطماع الجشع الضخم، الذي امتاز برأسٍ مثلثٍ، وغطى وجهه بالكامل خوذةٌ ناعمةٌ من عينٍ مركبةٍ بلون الكهرمان، تتلألأ في داخلها مئاتُ النقاطِ العينيةِ سداسيةِ الشكل. وقد انشطرت فكوكه إلى أربعة أجزاءٍ فمويةٍ شبيهةٍ بأسنانٍ معدنيةٍ مسننةٍ، لم تكن لتروعَ الناظرَ ما لم تفتح أفواهها. أما أطرافه الأمامية فقد تطورت لتغدو زوجين من مخالبَ منجليةٍ قابلةٍ للطيّ، يصل نصلها الرئيسي إلى مترٍ ونصف المتر، فتعكس وهجًا قاتمًا تحت أشعة الشمس.
“إن هذه الحشرات لَذاتُ بأسٍ شديد!” همس أحد جنود تحالف البشر متوترًا، وقد بعثت قوات الحشرات رفيعة المستوى هالةً مرعبةً، تثني كل من يهمّ بالاقتراب. فلم يكن ملك الديدان الذي يتقدمها، وهو كائن خارق من المستوى الثامن عشر، بالأمر الهيّن إطلاقًا!
وخلف صفوف حراس الحشرات هؤلاء، وقف دبلوماسيو وعلماء مدينة العشب الأخضر. أخذ القادة يرمقون المشهد متعجبين، ثم تساءل أحدهم همسًا عبر سماعته: “ما الخطب؟ أقد تجاوزت مكانة الحشرات مكانة البشر في هذا المكان؟” فأوضح قائد مدينة يونهااي، لي تشونهونغ: “إن ثقافتهم لتتفرد بخصائصها. يقال إن هذه الشخصية التي تشاهدونها، زوجة لو يوان، هي ابنة ملكة قوات الحشرات، وتملك زمام التحكم في ‘الحشرات’. كما أن قوات الحشرات، في غمار ضعف الحضارة الأولي، قد خاضت غمار المعارك ببسالةٍ في سبيل إمبراطوريتها، فكانت بذلك أعمدةً مؤسسةً لها.” “آه، هكذا هو الأمر إذًا… ذاك تاريخٌ عريقٌ حقًا.” أومأ الجميع رؤوسهم إيماءة فهمٍ وإدراك.
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.