الفصل 444 - مرارًا
محاكي العائلة الخيالية - الفصل 444 - مرارًا
الفصل 444: مرارًا
العالم العنصري
بعد تبادل بضع كلمات مع مانو وهايزنبرغ عاد ليت إلى غرفته
لم يكد يغمض عينيه متأملًا حتى شعر بصدمة مكانية كأن مطرقة عملاقة تضرب بعنف فتبدلت ملامحه بشدة وقفز واقفًا
في اللحظة التالية دوى صوت تمزق وتحطم وشعر ليت بقوة هائلة جارفة تجتاحه من كل الجهات
تحطم الفضاء كله تحت غزو الظلام كأنه يسقط في كابوس
نظرت حورية البحر السوداء إلى الإنسان الذي تلاعبت به بسهولة بدهشة وحيرة فلم يكن قادرًا على الإحساس بوجودها أصلًا ولو أرادت لقتلته في اللحظة التالية
“أهذا ما أشارت إليه رسالة النسخة بوصفه وجودًا يستطيع سحقني بسهولة؟”
“ربما العكس أنا قادرة على بعثرة عدد لا يحصى من أمثال هذه الشخصيات بنفَس واحد…”
لم تستطع منع نفسها من تضييق عينيها وقد اندفعت في داخلها موجة غضب لأنها خُدعت وانتشر صوتها المهيب في المكان “أنا سيد صنع اللحم الروحي أخبرني بكل الأسرار التي تملكها”
لم تصدق المعلومات الكاذبة من نسختها وإن كانت صحيحة فهذا يعني أيضًا أن الطرف الآخر يملك وسائل مدهشة أخرى
في الظلام شعر ليت أن ضبابًا أسود يلتف حوله ففقد حواسه الخمس وإدراكه الروحي وبين الغشاوة سمع صوتًا مألوفًا يذكر شيئًا عن سيد صنع اللحم الروحي…
استفاق فورًا سيد صنع اللحم الروحي ما هذا الاسم المتصنع كأنه حلم مراهقة أليست هذه حورية البحر السوداء من فضاء المحاكاة الأخير؟
استخدم ما تبقى من وعيه محاولًا استدعاء الدار لكن تغيرًا مفاجئًا حدث
تموج غريب انتشر في الفضاء المظلم وظهر ضوء أزرق من الأفق شق طبقات الضباب الأسود ووصل في لحظة أمام ليت
“هذا هو… القرص الأزرق!”
اتسعت عينا ليت وهو ينظر إلى القرص العتيق أمامه يلمع داخل الضوء بملامح غير واضحة وينفث هالة غامضة
وفقًا لتخمينه قد يكون هذا هو الغرض الأعلى سلطة داخل الدار شيء حتى هو بصفته سيد الدار لا يملك سيطرة كبيرة عليه على الأقل في الوقت الحالي
وبشكل خافت جاء من الأمام عويل
“سيد الأصل لقد أخطأت أرجوك أطلق سراحي آه!”
كانت الصرخة الحادة مألوفة للغاية فاستعاد ليت صفاءه فورًا ذكّره هذا الصوت بما حدث حين ابتلع القرص الأزرق رجل البحر الأسود في المرة الماضية ومدى الشبه بما يجري الآن
أراد إيقاف فعل القرص الأزرق إذ كان ينوي انتزاع معلومات من حورية البحر السوداء لكن بعد لحظة انقطعت الصرخات فجأة
وقف ليت مذهولًا في عالم الفراغ وشعر بقلق غريب يزحف في قلبه
هذه المرة كان ابتلاع القرص الأزرق حاسمًا أكثر من اللازم دون أي ميل لسماع رأيه
مع أن الأمر كان كذلك في المرة الماضية أيضًا إلا أنه بصفته سيد الدار شعر أن هذا التصرف هذه المرة أكثر تعسفًا…
أخذ نفسًا عميقًا وهو ينوي إنهاء هذه المحاكاة والعودة إلى فضاء المحاكاة ليرى ما يجري وما العواقب التي قد يسببها ابتلاع عدو بهذه القوة داخل عالم محاكاة
“أنه المحاكاة…” فكّر في نفسه
أغمض عينيه وبقي صامتًا لبضع ثوان ثم فتحهما من جديد بدهشة وحيرة ما الذي يحدث هل تمردت الدار؟ ألا تستمع لأوامره بصفته سيد الدار؟
“أنه المحاكاة!”
تصاعد ذعر غريب في قلبه فصرخ بصوت عال “يا دار أنه المحاكاة!”
ولا يزال بلا استجابة
صار تنفس ليت أثقل وتبدل تعبير وجهه ببطء منذ تفعيل الدار كانت هذه أول مرة يواجه فيها وضعًا غريبًا كهذا
هل هو خير أم شر؟
لا سبيل لديه لمعرفة ذلك
بعد مدة مجهولة بدت أبدية لكنها كأنها لحظة شعر ليت كأنه نام فقط وحين استيقظ مجددًا كان القرص الأزرق أمامه يرتجف قليلًا
ضيّق ليت عينيه مركزًا بقوة فاكتشف أن سطح القرص صار أوضح بكثير كاشفًا عن عدد لا يحصى من عقارب الساعات المصنوعة من كواكب كبيرة وصغيرة تدور ببطء…
كانت الهالة العظيمة المنبعثة منه تكاد تفجره بمجرد نظرة واحدة فتقيأ فمًا من الدم
لكن القرص الأزرق بدا كأنه يملك وعيًا ففي اللحظة التالية عاد ضبابيًا من جديد وصار ضوؤه أكثر تألقًا فحجب النقوش على سطحه مرة أخرى
“تناسخ لا ينتهي لم أتوقع أن أستيقظ من جديد…”
وبينما كان ليت يتأمل مأزقه الحالي دوى صوت عتيق بين السماء والأرض يستحيل تمييز مصدره
ارتجف ليت وعاد ينظر إلى القرص الأزرق ثم تكلم بحذر “من المتحدث؟ هل أنت… الدار؟”
مـَرْكَـز الرِّوَايَات: نحن نترجم للمتعة، فلا تجعل المحتوى يؤثر على مبادئك.
“الدار؟ دعني أرى… همم اتضح أنه عُدل على يد شخص أدرك أصل الفوضى مدهش حقًا مدهش…”
توقف الصوت العتيق لبضع ثوان قبل أن يجيب وكانت نبرته أولًا حائرة ثم صارت متفاجئة قليلًا
اجتاح قلب ليت شعور سيئ “هل أنت مالك الدار؟ أم روح أداة…؟”
“هه هه…”
ضحك الصوت العتيق بخفة
“سيصعب عليك فهم أصلي لو أخبرتك به لا يسعني إلا أن أقول إن هذه الأكوان الكثيرة ما تزال مجرد حبة رمل في الغانج وأنا مسافر يتجول داخل الغانج…”
كلمات بسيطة لكنها ضربت عقل ليت بقوة فشهق متكلمًا بصعوبة
“إذًا… كل سادة الدار السابقين كانوا… مزيفين؟ وأنت المتحكم الحقيقي بكل ما هنا؟”
“شيء من هذا… مع أن سليلًا لامعًا بعينه أجرى بعض التغييرات بينما كان هذا العجوز نائمًا إلا أن الأمر بالنسبة لي مجرد تلويحة يد لمحوها…” قال الصوت العتيق “كل هذه الوظائف منبثقة من ذاتي نفسها ولو هلك هذا العجوز ففضاء المحاكاة المزعوم سيتلاشى أيضًا…”
تحركت شفتا ليت كأنه يريد قول شيء لكن في النهاية لم يستطع إلا أن يطلق ضحكتين مريرتين “هكذا إذًا… سامح هذا الصغير لأنه شغل مكانًا ثمينًا كهذا طوال هذه الأعوام أيها الكبير…”
“لا بأس هذا العجوز فعل كل ذلك عن قصد لقد تعرضت لبعض الحوادث أثناء ترحالي ولم أجد إلا الاعتماد على هذا الاحتياط للتعافي… ورغم أنني ضعيف الآن فما إن يستعيد وعيي عافيته حتى يأتي يوم أعود فيه إلى ذروتي…”
قال الصوت العتيق ببطء
“أما أنت فقد لعبت دورًا حاسمًا من أجلي وأنا أرد الإحسان دائمًا ماذا تريد؟ اطلب ما تشاء حتى لو أردت أن تصبح سيد هذا الكون فسأساعدك على تحقيق ذلك بسهولة!”
“أنا…” ارتجفت شفتا ليت ثم قال أخيرًا “هل لن تتاح لهذا الصغير فرصة العودة إلى هنا مرة أخرى من الآن فصاعدًا…”
سكن الفضاء لحظة ثم أجاب الصوت العتيق “نعم سأرحل الآن إلى أكوان أخرى لأداوي جروحي والمستقبل مليء بالمتغيرات إن رغبت في اتباعي فلن أمانع وجود رفيق أتحدث معه لكن… هل أنت مستعد للترحال معي وترك عائلتك خلفك؟”
بدت عينا ليت شاردتين فهذا التغير الكبير كان أكثر مما يمكنه استيعابه دفعة واحدة
بعد صمت طويل ظل القرص الأزرق صبورًا دون أن يقاطعه وأخذ ليت نفسًا عميقًا وبعد صراع داخلي مرير ظهرت على وجهه فجأة ابتسامة ارتياح
“الحصول عليه حظي وفقدانه قدري…”
انقشع ذهنه فجأة “أيها الكبير لقد حسمت أمري!”
حمل الصوت العتيق مسحة ابتسام “يبدو أنك فكرت جيدًا القدرة على التمسك والترك صفة لا غنى عنها لبلوغ الذروة وهي مناسبة جدًا للمسافر أيًا كان اختيارك أضمن أنني سأوافق عليه!”
“أتمنى… أن أعود إلى الزمن الذي وضعت فيه نيكول طفلها تايلس للتو أريد لعائلتنا أن تجتمع من جديد…”
ضحك الصوت العتيق بقوة “كنت أعلم أنك ستختار هذا الطريق…”
ضم ليت كفيه مؤديًا آدابًا من حياته السابقة “شكرًا أيها الكبير على تحقيق أمنيتي وإن أمكن أن تترك لي وسائل أحمي بها نفسي لتجنب المأساة فسيكون ذلك أفضل”
ارتجف ضوء القرص الأزرق مرتين فجأة
وبدا الصوت العتيق كأنه حزين قليلًا “حسنًا حسنًا سأمنحك هدية عظيمة لكن هل يمكن تجنب المأساة… فهذا يعتمد على جهودك أنت…”
رفع ليت حاجبه شاعراً بأن في الكلام ما وراءه لكن قبل أن يتمكن من التفكير ظهر دوامة مرعبة في الفضاء وابتلعته
ساد الصمت التام في الفضاء وداخل القرص الأزرق طاف شبح روحي خافت في الهواء وكان الفضاء من حوله مضيئًا لامعًا لكن لو دقق المرء لوجد أنه كأنه مرايا لا حصر لها تعرض مشهدًا بعد مشهد وتومض فيها صور شديدة التنوع ولكن عند التدقيق يظهر “ليت” في جميعها
كان وجه الشبح الروحي شديد الشيخوخة لكن لو تأملته لوجدت أنه يشبه ليت في منتصف عمره بنسبة كبيرة
تمتم بهدوء
“هذه المحاكاة ما تزال غير مرضية إلى حد ما متى سأجد طريقة لإنقاذ نيكول…”
ومع ظهور مرآة جديدة على أحد الجدران المحيطة تعرض مشهدًا جديدًا خفتت هيئة ليت الروحية قليلًا
أغمض عينيه وراح يغط في النوم تدريجيًا آملًا… أن تحمل هذه المرة بعض المفاجآت…
وبدأ المشهد على المرآة ينكشف
ليل
تعوي الريح الباردة القارسة كأنها شيطان يزمجر
تساقطت ثلوج كثيفة من السماء وغطت بلدة تشويينغ بطبقة سميكة من صقيع فضي
في بلدة تشويينغ الصامتة والباردة كانت كل المتاجر مغلقة والشوارع خالية
وبالنظر نحو الغرب وعلى مسافة تقل عن كيلومتر واحد ارتفع حصن الصخور العميقة مهيبًا شاهقًا…
…
(نهاية الكتاب)
✦ انتهى الفصل ✦
هذه الرواية عملٌ خيالي لا يمتّ للواقع بصلة، وجميع أحداثها وشخصياتها من وحي خيال المؤلف.
تذكّر أن لا تدع القراءة تلهيك عن صلاتك فهي صلتك بربك .
مركز الروايات يتمنى لك قراءة ممتعة وحياة طيبة مليئة بالبركة والخير.