الفصل 1 - السيد الشاب، اسمي القرد الأعرج
بناء ملجأ في ليل أبدي - الفصل 1 - السيد الشاب، اسمي القرد الأعرج
الفصل 1: السيد الشاب، اسمي القرد الأعرج
انفجر ألم حاد من أعماق روحه، وكان الهواء البارد يلسع رئتيه بقسوة
عندما فتح عينيه، لم يكن ما ظهر أمامه سقف مستشفى أبيض باهتًا، ولا فوضى الحشود بعد حادث سيارة، بل مساحة لا نهاية لها من لون رمادي بني ميت وساكن
سماء عكرة، وأرض متشققة
كانت بضع أعشاب برية سوداء ذابلة متفرقة تشير إلى السماء بأوضاع ملتوية، والريح العاتية تعوي وهي تمر فوق البرية حاملة غبارًا جافًا، فتملأ المكان برائحة قفرية ممزوجة بين الموت وصدأ الحديد
「هذا… أين أنا؟」
نظر تشن فان إلى كل شيء غريب أمامه، وكافح حتى جلس من الأرض. مد يده لا شعوريًا إلى جيب بنطاله ليخرج سيجارة، لكنه اكتشف أن ملابسه الأصلية كلها قد اختفت، وحل محلها ثوب قماشي رمادي خشن يؤذي الجلد، ولم تكن في جيبه أي سجائر
انتقال إلى عالم آخر؟
بدأ هذا الاحتمال يطفو ببطء في ذهنه
كان يشعر أن جسده في هذه اللحظة ضعيف للغاية، ومعه بعض الوخز المؤلم، لكنه قبل أن يغمض عينيه كان قد سُحق تحت عجلات شاحنة خلفية من ثماني عجلات اندفعت متجاوزة الإشارة الحمراء، ومن المستحيل أن تكون إصابته خفيفة إلى هذا الحد
وفي هذه اللحظة بالضبط—
وصل إلى أذنيه صوت مرتجف مختلط بالبكاء: 「السيد الشاب… لقد استيقظت أخيرًا!」
عندما سمع الصوت إلى جانبه
أدار رأسه لا شعوريًا نحو الصوت، وعندها فقط اكتشف أنه في هذه البرية الواسعة التي لا نهاية لها، لم يكن وحده، بل كان هناك خادم نحيل كالعظم يرتدي ثوبًا قماشيًا مثله، ومعهما كوخ خشبي بسيط ونار مشتعلة بقوة
وفي اللحظة التالية
اندفع ألم لاذع بقوة، وانحشرت شظايا ذكريات لا حصر لها في ذهنه قسرًا كما لو كانت تُدفع داخله دفعة واحدة، فأغمي عليه من جديد
…
عندما عاد إلى وعيه مرة أخرى، كان الخادم الصغير قبل قليل قد نقله إلى سرير خشبي داخل الكوخ البسيط، كما فهم وضعه الحالي
لقد انتقل إلى عالم آخر
في هذه الحياة، كان صاحب الجسد الأصلي يحمل الاسم نفسه، تشن فان، بل كان مظهره وجسده مطابقين تمامًا أيضًا، كأنه نسخة من حياة أخرى في عالم مواز
في هذا العالم، بعد حلول الليل، تظهر وحوش غريبة للغاية لا تُحصى لتنتزع أرواح الناس. وقد استمر هذا الوضع منذ مئات السنين، وأطلق عليه أهل العالم اسم 「الليل الأبدي」
ولا يمكن ضمان السلامة إلا بالبقاء قرب 「نار الغرائب」
وكانت نار الغرائب تعني كومة نار خاصة الصنع
عند السفر في البرية، إن أراد المرء ضمان سلامته، فعليه أن يجد 「محطة」 قبل حلول الظلام، فالـ「محطات」 وحدها تمتلك 「نار الغرائب」
ولم يكن صنع 「نار الغرائب」 أمرًا بسيطًا. فقاعدتها ثقيلة للغاية ولا يمكن حملها مع الشخص، وما إن تنطفئ حتى تتلف القاعدة تلقائيًا. ولإبقائها مشتعلة باستمرار، لا بد من إضافة 「أحجار الغرائب」 إليها بلا توقف
لذلك—
في البرية خارج المدن، أقامت مختلف العائلات عددًا كبيرًا من 「المحطات」 لضمان سلامة القوافل التجارية والمسافرين، مع تحصيل الرسوم المناسبة
والمكان الذي كان فيه الآن هو إحدى المحطات التابعة لـ「عائلة تشن」
لكن…
لقد أُجبر على المجيء إلى هنا بعد تعرضه للأذى. فرغم أنه السيد الشاب لعائلة تشن، فقد رُتّب له عمل بالغ الخطورة، وهو حراسة محطة في البرية، ولم يعطوه قبل رحيله حتى حجر غرائب واحدًا
وهذا يعني أيضًا
عندما تنطفئ هذه النار، سيكون ذلك يوم موته
صاحب الجسد السابق لم يحتمل هذا الضغط، فمات في الحال من الغضب والقهر اللذين ضربا قلبه، ومنحاه فرصة أن يعيش حياة أخرى
أما الخادم الصغير إلى جانبه، فهو تابعه
「السيد الشاب」
كان الخادم الصغير النحيل كالعظم راكعًا أمام السرير، وعلى وجهه آثار دموع كثيرة، وقال بصوت أجش: 「لقد تعبت بعد هذا السفر الطويل، أيها السيد الشاب. سأذهب لأحرس الليل، فلتنم مطمئنًا」
「…」
كافح تشن فان حتى نهض من السرير، ودفع باب الكوخ الخشبي ونظر إلى النار خارجه. وبحسب الذكريات في ذهنه، كان مدفونًا حاليًا في أسفل هذه النار ثلاثة أحجار غرائب، وهذا يعني أنها تستطيع أن تظل مشتعلة ثلاثة أيام على الأكثر
بعد ثلاثة أيام، ستنطفئ هذه النار
وكان هذا أيضًا العد التنازلي لحياته. في مثل هذا الوضع، كيف يمكنه أن ينام؟
في البراري النائية، الطريقة الوحيدة للحصول على أحجار الغرائب هي قتل الكائنات الغرائبية، ثم استخراج أحجار الغرائب من أجسادها
لكن…
جسده ضعيف، ويداه خاليتان، فكيف يمكنه قتل كائن غرائبي؟
بعد شرود دام بعض الوقت
قال بصوت خافت: 「لم تكن مضطرًا إلى المجيء معي」
قبل أن تؤذيه تلك المجموعة من الصغار وتدفعه إلى هذا المكان، وعدوا هذا التابع بمكافأة كبيرة كيلا يأتي معه. كان هدفهم أن يجعلوه يشعر باليأس وهو يموت وحده وسط خوف وعزلة الليل الأبدي في البرية
لكن هذا الرجل جاء مع ذلك
بل لم يتردد حتى لحظة
「أينما يذهب السيد الشاب أذهب」
「وأينما يموت السيد الشاب أموت」
كان الرجل النحيل كالعظم خلفه خائفًا بعض الشيء، لكنه رغم ذلك عض على أسنانه بثبات وقال: 「لولا السيد الشاب، لتحولت منذ زمن إلى كومة عظام بيضاء」
「…」
صمت تشن فان قليلًا: 「طوال هذا الوقت نسيت أن أسألك عن اسمك」
لم يكن في ذهنه اسم هذا الرجل
حين اختار جميع أفراد 「عائلة تشن」 الأساسيين أتباعهم، أخذ الآخرون كل التابعين الأقوياء ذوي الأجساد المتينة، ولم يتركوا سوى هذا الرجل النحيل كالعظم. أما صاحب الجسد الأصلي، فقد كان يعده طوال الوقت عارًا له
لذلك لم يكن يرغب أصلًا في التحدث معه كثيرًا، فضلًا عن أن يسأله عن اسمه
أن يعامل شخصًا بهذه الطريقة، ومع ذلك يحصل على تابع مخلص إلى هذا الحد، فحظ صاحب الجسد الأصلي لم يكن سيئًا حقًا
「القرد الأعرج」
「السيد الشاب، اسمي القرد الأعرج」
خفض القرد الأعرج رأسه، وكان صوته الخافت من شدة شعوره بالنقص أشبه بطنين بعوضة: 「أنا يتيم بلا اسم. قال الناظر تشو إنني أعرج، ونحيف مثل القرد، لذلك سمّاني القرد الأعرج」
نظر تشن فان إلى ساق القرد الأعرج اليمنى، وبدت عرجاء فعلًا
「حسنًا」
أومأ برأسه ومسح بعينيه أرجاء البيت: 「بما أننا جئنا، فالمهمة الأولى هي أن نعيش. اذهب إلى الخارج وانظر هل هناك مسافرون مارّون. لقد اقترب حلول الظلام، وهؤلاء المسافرون يحتاجون أيضًا إلى محطة للمبيت. إن رأيت أحدًا، فنادهم بصوت عال ليأتوا」
「نار الغرائب ستصمد ثلاثة أيام على الأكثر」
「نحن بحاجة إلى كسب بعض أحجار الغرائب」
「وكذلك—」
مشى حتى وقف أمام القرد الأعرج، وربت على كتفه وقال بصوت هادئ خافت: 「إن حالفني الحظ يومًا وعدت إلى القوة من جديد، فلن أنساك بالتأكيد. أما إن مت، فهذا قدرنا أنا وأنت، ويجب أن نقبله」
تجمد القرد الأعرج قليلًا، وومض في عينيه بريق غريب. كما تبدد كثير من الخوف الذي كان في قلبه بسبب المجيء إلى المحطة، فحاول أن يقف مستقيم الظهر قدر الإمكان، وصرخ بصوت عال: 「نعم!」
ثم اندفع على عجل خارج الكوخ الخشبي
ليتفقد ما إذا كان هناك مسافرون مارّون حول المكان
…
خارج الكوخ الخشبي
نظر القرد الأعرج حوله. كانت البرية بلا نهاية، ولا يمكن رؤية أي مسافر فيها على الإطلاق. غير أن تلًا ترابيًا صغيرًا كان قائمًا على مسافة غير بعيدة، ولو وقف فوقه لاستطاع أن يرى أبعد، لكن..
تردد قليلًا
فالسماء كانت توشك أن تظلم، وإن لم يعد إلى هنا قبل حلول الظلام، فقد يفقد حياته
لكن سرعان ما
لم يتردد كثيرًا، وانطلق فورًا راكضًا بكل جهده نحو ذلك التل الترابي الصغير غير البعيد
رغم أن جسده معاق، ومكانته متواضعة منذ ولادته
فقد كان قادرًا على الإحساس بحدة أن حالة السيد الشاب الآن مختلفة تمامًا عن حالته حين كان داخل العائلة، بل يمكن القول إن الفرق بينهما شاسع كالأرض والسماء
كان لديه تخمين جريء
وهو أن السيد الشاب كان يعرف أنه مستهدف في كل مكان داخل العائلة، وأنه لا يستطيع إطلاق قدراته هناك، لذلك تعمد أن يُوزَّع إلى مكان يصعب على العائلة مراقبته، كي يمد جناحيه في هذه الأرض الواسعة، إلى أن يأتي يوم يقتل فيه طريق عودته إلى العائلة، وينتزع كل ما كان يجب أن يكون له
عمق تفكير السيد الشاب وبُعد نظره جعلاه ينتعش فجأة كمن شرب ماءً عذبًا بعد عطش طويل
أما هو، القرد الأعرج
فما عليه فعله هو مساعدة السيد الشاب بكل ما يستطيع ليعود إلى عائلة تشن
وليمنع أولئك الناس من احتقار السيد الشاب مرة أخرى
أعرج، إلى أي حد يمكنه أن يركض بسرعة؟
لكن في تلك اللحظة، كان في قلبه لهب كأنه يشتعل شيئًا فشيئًا، جعل سرعة ركضه تزداد أكثر فأكثر، حتى إنه تجاهل الألم الذي بدأ ينتشر تدريجيًا في ساقه اليمنى، ولم يرد إلا الوصول بأسرع سرعة إلى ذلك التل الترابي أمامه