الفصل 16
وصلتُ إلى عالم السحرة أثناء الزراعة الروحية - الفصل 16
الفصل 16: الصقل.
___
كان ما يُسمّى مختبرًا غرفة صغيرة لا تكاد تتجاوز بضع عشرة مترًا مربعًا، جدرانها حجر خشن لا معدن، وأرضها مرصوفة ببلاطات منقوشة بنقوش بسيطة
وفي الوسط منضدة عمل أساسية تضيئها من علٍ مصباح سحري، وفي ركن أدوات أولية مألوفة — بوتقة صغيرة ومنفاخ وخزان ماء
وكان الأهم أن زوايا الغرفة الأربع وإطار الباب منقوشة بنقوش أساسية
“أهي المصفوفة البسيطة المضادة للرصد؟”
بعد أن أقفل الباب أحسّ جي مينغ تموّجات طاقة خافتة مع تفعّل المصفوفة
قد لا توقف تحرّي ساحر رفيع، لكن أي محاولة لاختراقها ستُحدث اضطرابًا يصلح للإنذار
كل ما في المختبر بدائي، فلا يقدم الكثير سوى مصفوفات الحماية والعزل
لكن حين دقّق النظر وجد مفاجأة “أيوجد هنا طرفية مستقلة للشبكة السحرية؟”
في ركن آلة مطابقة لتلك التي في قاعة المهام، موصولة بالشبكة السحرية
وحين فعّلها بشارته وجد أن محتواها أغزر حتى من قاعة المهام؛ فإضافة إلى المهام القياسية يمكن للمختبرات أن تبيع وتشتري المواد والمنتجات فيما بينها
“توجد حتى خدمة توصيل مجانية لتجارة المواد الأساسية — هذا أفضل بكثير من قاعة المهام”
إن قاعة المهام تتيح تجارة مواد مماثلة لكنها تُلزم المشتري باستلام بضاعته بنفسه
وذلك مناسب للموارد الرفيعة، أما المواد الشائعة فالنقاط فيها ذات قوة شرائية مذهلة
ولاحظ جي مينغ أيضًا أن المهام وطلبات الشراء بين المختبرات تومئ إلى بواكير «منتدى» يذكّره بحياته السابقة
لكن للأسف قيمة المعرفة الهائلة في هذا العالم تُبقي النقاشات سطحية، فظل «المنتدى» في طوره الأول رغم زمن التطوير الطويل
ومع ذلك فإن المعلومات المتناثرة في تلك النقاشات كانت ذات فائدة كبيرة لجي مينغ
“نظام المعرفة المدفوعة مرعب في متانته — شبكات المعرفة على الأرض لا تقارن…”
وبينما شُغل بالشبكة السحرية لبرهة انتبه فجأة “تبًا، طال غيابي عن الاتصال فاندفعت قليلًا. إذًا، إلى جانب تأمين الخصوصية، المزية الكبرى للمختبر ذي الفئة الدنيا هي اتصال دائم بالشبكة…”
وما إن وعى ذلك حتى حدّق صامتًا في طرفية الشبكة السحرية “ما هذا، مقهى شبكي خاص؟ «رسم الاتصال» مرتفع أكثر من اللازم!”
وبعد بعض التذمّر الداخلي لم يضع جي مينغ وقتًا ودخل في مهمته الأصلية
من صندوق أدواته أخرج الكتلة الذهبية التي أعاد تشكيلها مرات لا تُحصى بالكيمياء، وبدل استخدام بوتقة المختبر استلّ حجرًا من صندوقه
فبحسب «جناح كتب الداو العظيم»، فإن صقل «الذهب الجوهري» على الطبقة الأولى من «مرحلة تنقية الطاقة الروحية» يحتاج إلى أدوات مخصوصة
وأبسطها مرجل مخصّص، له بنية فريدة تركّز الحرارة وتعين على الصقل
وضع جي مينغ الحجر على قرص الكيمياء، فلم يلبث أن تحوّل إلى مرجل بحجم قدر أرز
“يا لنعومة هذا التشكيل. فعلًا، تشغيل «الدورة الداخلية» يجعله أنجع”
ووضع الكتلة الذهبية في المرجل الحجري، مركزًا قوة ذهنه ودافعًا جوهره الحقيقي الذي تحصّل عليه بمشقة
طريقة «هرمَنة الذهب»… تقنية أساسية لتنقية المعادن من «جناح كتب الداو العظيم». تستخدم نقاوة الجوهر الحقيقي و«الوعي السماوي» الدقيق لتجريد الشوائب واستخراج اللبّ. ولسوء الحظ فبقوة زراعتي لا أستطيع إلا صقل مقدار صغير، ويجب أن تكون خصائص المادة مستقرة. ولحسن الحظ فإن ثبات الذهب يجعل الأمر ممكنًا بالكاد
فعّل مصفوفة التسخين في المختبر فتجسدت شعلة فوق منضدة العمل
ووضع المرجل عليها، وراح يسرّب الجوهر الحقيقي إلى الذهب شيئًا فشيئًا
تسرّب الجوهر الحقيقي إلى الذهب كمذيب أسمى، يتخلّل كل ذرّة
وكان «الوعي السماوي» كالمشرط، يميّز «جوهر الذهب» في الداخل من «الجوهر الدنيوي» غير النقي
وكانت العملية تستهلك الجوهر الحقيقي بسرعة؛ شعر جي مينغ بمخزونه الضئيل يتسرّب كالسدّ المثقوب، وتوالت عليه موجات الوهَن
شحب وجهه وتكوّرت قطرات العرق على جبينه
ولحسن الحظ أن تدريب التأمل يتيح له اجتذاب القوى العنصرية من المحيط لإعادة ملء الجوهر الحقيقي
وبينما يعضّ على أسنانه حافظ على خرج الجوهر الحقيقي وتوجيه «الوعي السماوي» الدقيق، مستعينًا بأدوات المختبر البسيطة وفق طريقة «هرمَنة الذهب»
وكان كل طور يتطلب تركيزًا مطلقًا. شعر بـ«الجوهر الدنيوي» يُلفَظ ويُجرَّد تحت إرشاد الجوهر الحقيقي والقوى الخارجية، ليتحوّل إلى غبار غير مرئي يُطرَد من سطح الذهب ويُحرق بحرارة المرجل
ومضى الوقت واقترب جوهره الحقيقي من النفاد وبلغ ضعف الجسد ذروته
وخفت طنين مصفوفة العزل في أذنه وبدا الدوار يهاجمه
أخيرًا
قبل أن يجف جوهره الحقيقي بقليل كانت الشوائب كلها قد جُرّدت من الذهب
وصارت كتلة الذهب بحجم القبضة في المرجل قطعة بحجم طرف الإصبع، تتوهّج بلمعان مكموم
نجاح
وهو منهك أسند ظهره إلى منضدة العمل يلهث بقوة
ولفرط الإنهاك عن الفحص جلس متربعًا على الأرض، وفعّل نقوش الحقيقة كلها في بحر ذهنه ليستجلب القوى العنصرية ويستعيد جوهره الحقيقي
وبعد نصف ساعة، وقد تعافى قليلًا، نهض وأمسك الملقاط ليستخرج بحذر القطعة الذهبية من المرجل
كانت باردة الملمس لكن ثقيلة على نحو لا يُعقَل
ولم تعد ذهبًا دنيويًا، بل تفيض بإحساسٍ عصيّ على الوصف من الأبدية والثبات
وبعد أن قيّمها وفق معارف «جناح كتب الداو العظيم» تأكّد جي مينغ أنها «ذهب جوهري» — لبّ معدني لا يُستخرج في عالم الزراعة الروحية إلا بطرائق خاصة
والابتهاج يملؤه حدّق جي مينغ في «الذهب الجوهري» بحجم طرف الإصبع — أول مادة متجاوزة يلمسها في هذا العالم